المفتون
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
المفتون ليس هو المتعصب وإن بدا لك أنهما يتشابهان، فإنما يتشابكان في أمرين مفترقين وأنت تظنه شبهًا أو أمرًا واحدًا، المتعصب هو الذي ينحاز لجهة أو رأي أو عقيدة دون تقبل لإعادة نظر أو تعديل أو حتى مجرد مراجعة النفس والعقل لعله مخطئ أو لعلها غافلة.
صاحبنا المفتون هنا نموذج مختلف وتوجهه وعلته غير ذلك، فهذا لا يتعصب لأحد أو لرأي أحد بل ينشغف بحب شيء أو عادة أو متبوع فيزداد عشقه له وغيّه به كلما زدته عذلا عنه، حتى يترهب فيه ويعادي من يعذله أو يلومه أو يزجره وإن كان أقرب الناس إليه دون دراية من قرارة نفسه عما دفعه إلى ذلك.
ويقع هؤلاء في أهداف أو أنواع مختلفة من الحب والتشبث النفسي العاطفي وليس شرطا أن تكون تلك المسميات مذمومة لذاتها بل ربما متفق على محبتها من كل الناس أو على صلاحها ورشدها في الأصل، لكنه يغرق فيما يتفرع من ذلك-ويتفرق عن أصله واستقامته-حد الذوبان والهذيان وهو لا يعي ما هو عليه، فيظن أن ما يفعله حسن إذ أن الغاية حسنة والنية حسنة والأمر المحبوب والمفتون هو به مما حسن بين الناس سيرته إن كان رجلا، أو وصفه إن كان شيئا أو معتقدا.
ويظن المفتون أنك المنحرف أو المخطئ إذا انتقدت فعله هذا أو الأمر الذي أحبه وتعلق به، وتعجب كيف اختلطت عنده المعايير إلى الحد الذي لا يميز فيه أن أفعاله خاطئة بل ربما شنيعة ولكنه في عالم آخر لا يرى ما تراه أنت ولا ما يراه عموم الناس ولا ما يراه محبوه الناصحون الذين صاروا عنده “خصوما حاسدين” أو ربما أعداء حاقدين، ولا يخجل هو مما يفعل لظنه أنه مصدر فخر فتراه أنت وتخجل له وتعجب من هذا الرجل الوجيه أو الشاعر أو ربما المتدين أو أكثر من ذلك وأكبر عقلًا وعلمًا.
ومع كل هذا يبقى المفتون غير ملتفت لفعله غير مراجع لنفسه غير مستدرك لخطئه غير آبه بما تقوله له حتى وإن كنت عنده في غير ذلك من المواضع أو قبل ذلك من الثقاة الناصحين المرشدين أو حتى المصلحين، فعقل المفتون يتوقف عند هذا الحد ونفسه تتقوقع حول هذا الرجل أو الأمر الذي فتن به أو ذاب فيه، فلا مجال للتراجع أو المراجعة أو إعادة النظر، ولا قبول لنصح أو تذكير أو حتى لفت نظر.
ومن هؤلاء من يفتن بالمال وجمعه فيفتدي كل خلق وكل حياء وكل عزيز من أجله، ولا ترى على وجهه أي شعور بذنب أو إحساس بعيب، ومنهم من يفتن بجاه أو موقع فيكذب من أجل تقلده ولا يشعر حيال ذلك بقصور، ويهجر كل من يقف بوجهه ولا يخبره ضميره بتقصير، ويضحي بكرامته التي لا يراها ولا يحسها من أجل محبوبه ومفتونه هذا، فيلبس من أجل فتنته الحق بالباطل ويخلط الصلاح بالخرافة والاستقامة بالضلال.
ومنهم من يفتن ببدعة ضالة أو مذهب مزخرف أو كتاب محرف مضل أو جماعة منحرفة عن الدين، أو فئة باغية خارجة عن سبيل المؤمنين، فيأتون بما هو شاذ بيّن الشذوذ، ومنكر من الأعمال واضح الخطوة معلوم الأثر عند غيرهم، مجهول لديهم كأنهم لا يسمعون ولا ينظرون حولهم ولا يشعرون، والمفتون يلحقهم بل ربما يتصدرهم، وهؤلاء كل منهم مفتون بالآخر وإن كان أدنى منه شأنا أو أصغر منه عمرًا أو أقل منه عقلا.
و قد رأينا ونرى من المفتونين حولنا الكثير، ولطالما هاجموا غيرهم من الناصحين وهجموا على غيرهم من المعتدلين المرشدين، وهجروا أحبابهم وافترقوا عن أنسبائهم واتخذوا من بعضهم مستندا يلجؤون إليه ودليلا يتكئون عليه ومطمئنا للنفس يركنون إليه، وصارت فتنتهم التي انشغلوا بها وجماعتهم التي اعتضدوا بها رهطا دون رهطهم وقوما دون قومهم، فاعتزلوا الأصحاء الأسوياء من الناس إلا من مالأهم أو تماهى معهم لزلفى او قربى او رعاية صحبة قديمة فظلوا يحبونه، حتى إذا زجرهم يوما أو استغرب فعلهم عادوا ليخاصموه ويهجرونه.
ندعو الله ان لا نكون منهم ونرجو أننا لسنا منهم، نتضرع إلى الله أن لا يفتننا في ديننا وهي أخطر الفتنة و أكبر المحنة، وأن لا يعمي أبصارنا عن الحق ولا يطمس بصيرتنا عن الهدى، إنما برحمته يهدينا ويجنبنا مصير من افتتن وما هذا الفضل من يد أحد ولا بجهد جسد ولا بقدرة عقل، إنما قلوب بين أصابع الله، فإن شاء قلبها وان شاء ثبتها وإن شاء-والعياذ بالله- فتنها.
وندعو بدعائنا لأنفسنا أن يرد الله كل مفتون عن فتنته، ويرجع كل غاو عن غوايته، ويعدل كل ضال عن ضلالته، بمنّه وكرمه وفائض رحمته.