العراق بين فكي الشقاء والبلاء

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعتمد الدول أسس مرتكزات مهمة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية للنهوض بالمستوى الحضاري والحياتي لأبناء شعوبهم والارتقاء بهم إلى درجات من الازدهار والتقدم في كافة مجالات الحياة ورسم ملامح السعادة والاطمئنان في نفوس المواطنين لكي تكون عاملا رئيسيا في مجال التطور الميداني والتقدم العمراني والازدهار الاجتماعي لبلدانهم والاهتمام بحالة الاستقرار النفسي والراحة الجسدية وملاحظة مديات العاطفة الإنسانية واحتياجات المواطن وتلبية استحقاقه واحترام إرادته والحفاظ على آدميته وحقوقه في الحياة الحرة الكريمة وتعزيز البنية الاجتماعية ووحدة الصف الوطني وتعميق مفهوم العدالة الاجتماعية وإرساء دعائم وحفظ سيادة القانون والابتعاد عن حالات التعسف والاضطهاد والظلم الاجتماعي والملاحقات الأمنية والمتابعات البوليسية وتحديد برامج تنموية وخطط استثمارية للنهوض بالمنظومة الاقتصادية في البلد بجميع أنواعها في الصناعة والتجارة والزراعة وصولا إلى مجتمع متماسك يتمتع بروح التعاون والانسجام وتحقيق الاكتفاء الذاتي لاحتياجاتهم  لكي تحتفظ بإرادته السياسية المستقلة وقراره الوطني الواضح بعيدا عن أي تدخلات خارجية وتأثيرات إقليمية ودولية، فعندما يسود مفهوم العدالة وتطبيق القانون وفق رؤية ميدانية وأهداف سياسية وطنية ومبادئ سامية تجعل أولويات العمل في الحفاظ على المصالح العليا للشعب وتدعيم حالة الأمن والاستقرار في الجبهة الداخلية ومنع أي جهات أو أحزاب من العمل باتجاه تحقيق مصالحها واستخدام قوتها وسطوتها للتأثير على الحياة العامة وفق توجهاتها ومنافعها المادية وأهدافها الفئوية،  عندها سيكون المجتمع نقيا سعيدا بعيدا عن أية مؤثرات وصراعات سياسية تهدد أمن وسلامة البلاد وتؤثر على طبيعة وحالة الأمن القومي والوطني لأبناء الشعب.

عندما نضع أمام أعيننا هذه المبادئ والأهداف الإنسانية والقيم المجتمعية والبرامج التنموية فعلينا عزيزي القارئ الكريم أن نحدد مسارات حياة أبناء شعبنا وطبيعة الأحداث والوقائع التي يمر بها أو يعانيها وأصبحت تشكل عبئا ثقيلا عليه وتؤرق حياته وتهدد مستقبل أبنائه وتفقده الرؤية الحقيقية لكيفية التعامل مع الأحداث مما يؤثر على حالته الإنسانية ومدى ثقته بالواقع الحالي وتزيد من أوجاعه ونظرته السلبية للواقع المأساوي الذي يعيشه إضافة إلى حالة الارتباك والتردد في التعامل اليومي مما يؤدي إلى إضعاف حالات السعادة والاطمئنان والسكينة في نفوس أبناء الشعب وتنعكس هذه الموجبات بشكل سلبي على الأداء الاجتماعي والعطاء الإنساني الذي يؤثر على مستوى النمو في مجالات العمل والازدهار والتقدم على مستويات المنظومتين الاقتصادية والاجتماعية.

جاء التقرير السنوي لعام 2022 الذي أصدرته شبكة حلول التنمية المستدامة الذي تشرف عليه منظمة الأمم المتحدة والذي يعتمد في دراسته الواقعية الميدانية على طرح عدة أسئلة تهم حياة المواطن في مجالات الاقتصاد والاجتماع والتنمية وطبيعة التعامل مع الحياة وصولا إلى نظرتهم لمستوى سعادتهم مقارنة بالنتائج الإجمالية للناتج المحلي للبلاد وفق البيانات الصادرة والبيانات المعدة في الجانب الاقتصادي والتنموي والمشاريع الإستراتيجية المنفذة في تلك الدول والتقويمات المتعلقة بمستوى التضامن والحرية الفردية والتعبير عن حرية الرأي وإعطاء أهمية لكيفية إدارة الدولة في مكافحة الفساد وإيمانه ومواجهة  أدواته وتحديد مسبباته وإيجاد الحلول الجذرية لمواجهته وحصيلة هذه النتائج والبيانات تكون الفاصلة الأساسية في تحديد علامة إجمالية لكل بلد .

حظي التقرير الذي صدر بمناسبة الذكرى العاشرة لقرار الأمم المتحدة في 12تموز2012 باعتماد اليوم الدولي للسعادة في العشرين من شهر آذار من كل عام  باهتمام واسع من جميع القطاعات والمؤسسات والمراكز البحثية كونه يتعلق بمعطيات حياتية وجوانب اجتماعية وآفاق اقتصادية تخص  الشعوب وطبيعة نظرتهم للحياة ومفهومهم المضامين السعادة والاستقرار النفسي،  واحتوى التقرير على بيانات المسح العالمية للأشخاص في (150) دولة وأخذ بنظر الاعتبار العناصر الرئيسية لمفهوم الرفاهية التي اعتمدت تقييمات الحياة والعواطف الإيجابية والسلبية ، وكانت من أولى الملاحظات المهمة والميدانية ارتفاع معدل التوتر والقلق والحزن لدى أبناء الشعوب العالمية وتراجع مستويات الاستمتاع بالحياة وهي انعكاسات دقيقة وواضحة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها دول العالم وما تعانيه في حياتها العملية .

وقراءة دقيقة لما احتواه التقرير السنوي لمستوى السعادة واجمالية واضحة لمعدلات السعادة لدى الشعوب فقد حظيت دولة فنلندا بالمرتبة الأولى ونالت لقب أسعد بلد في العالم وللسنة الخامسة على التوالي وتقدم واضح لدول صربيا ورومانيا وبلغاريا في حين شهدت بلدان لبنان وفنزويلا وأفغانستان تراجعا كبيرا،  أما على المستوى العربي  فجاءت مملكة البحرين بالمرتبة  الأولى تليها دولة الإمارات العربية المتحدة ثم المملكة العربية السعودية،  أما  ما يتعلق بالعراق فقد جاء بالمرتبة(107) عالميا والثالث عشر عربيا في مؤشر السعادة لاعتبارات عديدة شهدها المشهد العام في العراق، منها الجانب السياسي الذي يعاني من عدم وجود استقرار ميداني ورؤية فاعلة لمواجهة الأزمات التي تعصف بالبلاد ويعاني منها أبناء الشعب والافتقار إلى حلول جذرية قائمة على أسس وبرامج حيوية تساهم في رفع المستوى المناسب للمواطن وتعزيز مفهوم الاستقرار والطمأنينة في حياته بسبب استمرار الصراعات والنزاعات بين الأحزاب والكتل السياسية وفقا لمصالحهم المادية ومنافعهم الفئوية وضعف الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي من إدارة الأزمات وتداعياتها على المجتمع العراقي وعدم كفاءة الأجهزة الحكومية والمؤسسات والوزارات الرسمية في تكوين برامج حقيقية لأسس التنمية البشرية والارتقاء بالمستوى المعاشي للمواطنين وحل جميع المعضلات المتعلقة بإدامة الحياة في البلاد حيث انتشار الفساد الاقتصادي وسرقة المال العام وتهريب العملة وتبيض الأموال وانتشار شبكات التهريب وتجارة المخدرات التي أصبحت من الظاهر الاجتماعية التي تهدد البنيان الأخلاقي والقيمي لأبناء الشعب العراقي في استهداف واضح للقيم والمثل العليا التي تمتع بها العراقيون،  وقد حل العراق بالمرتبة (160) عالميا في مدركات الفساد لعام 2021 ويعتبر من أكثر الدول تضررا بالفساد الاقتصادي الذي آثر بشكل فعال على طبيعة التقدم والازدهار في مجالات البناء والأعمار والاستثمار المالي والاقتصادي في جميع نواحي الحياة ومنها بالتحديد مؤشرات التنمية البشرية والتعليم والتقدم الاجتماعي وتفشي الفساد في معظم الأجهزة والدوائر الحكومية وعدم سيادة القانون وتضرر البنية التحتية للبنيان والتأثير الواضح الميداني في مجالات البناء والأعمار، وعلى المستوى الأمني والاستقرار الميداني فقد جاء العراق بالمرتبة (159) عالميا وهذا ما جعل                            تصنيف البلاد بين أقل البيئات أمانا بحيث أدى إلى توجيه تحذيرات من قبل بعض السفارات الأجنبية بمنع السفر للعراق بسبب ظروفه الأمنية المتدهورة التي تستهدف أمن وسلامة المواطن وتشكل عائقا كبيرا في إيقاف عمليات الاستثمار وإنشاء المشاريع الإستراتيجية ومشاركة الشركات العالمية في مجالات الأعمار للنهوض بالعراق اقتصاديا واجتماعيا والذي ترافق مع زيادة معدل الجريمة بشكل مرتفع وتراجع نسبة مؤشرات الأمن الداخلي وزيادة العنف والصراع بين بعض الأحزاب المليشيات المسلحة التي أصبحت تشمل خطرا ميدانيا وحياتيا بحيث تزايد مؤشر السخط الاجتماعي بدرجة أكبر بسبب ارتفاع مستوى المخاطر السياسية مع استمرار الصراعات والنزاعات والاختلاف بين الأحزاب والكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية.

 نحن أمام عقدين من الزمن بعد دخول المحتل الامريكي للبلاد ورغم جميع الادعاءات والتصريحات فإنها وعود كاذبة وأقاويل فارغة وبرامج لا وجود لها على الواقع فهي تمثل حالة من الانحدار الأخلاقي والسلوك السياسي في التعامل من قبل الحكومات العراقية مع أبناء المجتمع وفقدان الثقة والمصداقية وعدم الركون إلى ما تتحدث به أدوات الحكومة وما تفرزه من وقائع ميدانية

هذا يزيد من حالات الغضب والحزن والقلق لدى أي شعب من الشعوب الحرة الكريمة فكيف بشعب الحضارات والقيم والمبادئ شعب العراق الأبي العاشق للقانون والحياة المدنية والمتطلع إلى بناء مجتمع زاهر راقٍ بالإنجازات والمشاريع الكبرى والتنمية الاجتماعية.

Similar Posts