التدخل الإيراني السافر في تشكيل الحكومة في العراق

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تسعى الشعوب الحرة والمجتمعات الراقية إلى بناء بلدانها وفق المعايير والأسس الحضارية والعلمية والفنية المتطورة وصولا إلى بلد زاهر بالعلم والمعرفة والفنون والآداب وبنهضة شمولية في البناء والإعمار والصناعة لتحقيق النهضة المعرفية الشاملة في كافة ميادين الحياة وشمولية المجتمع وتحقيق الرؤية الواقعية لمستقبل زاهر وغد أفضل للأجيال القادمة وفق أسس وثوابت عامة تستمد قوتها وصلابتها من الإرادة الشعبية والقوى الثورية الساعية إلى بناء بلدانها وإسعاد شعوبها وتحقيق أحلامها وتنفيذ إرادتها الوطنية في استقلالها الوطني ورؤيتها الاقتصادية المستقلة بعيدا عن أي تأثيرات ومصالح إقليمية ودولية لكي تكتسب رؤيتها الخاصة وافعالها الجادة ونظرتها الفاحصة نحو تحقيق الأماني والأهداف المنشودة لأبناء الشعوب الحرة  التواقة لفرض إرادتها وقوتها بشكل إيجابي يوصل إلى نتائج دقيقة تكون كفيلة بإحاطة المجتمع بكل جوانب التطور والقبول الدولي والإقليمي.

تبقى الإرادة الحرة كفيلة بإنجاز الأعمال الميدانية والأهداف الطموحة والمشاريع الإستراتيجية، فكلما تمكنت الشعوب المستقلة من إدارة نفسها وفق نظام سياسي وطني وبإرادة حقيقية تتكاتف بشكل اجتماعي وانسجام شعبي بعيدا عن صور الاختلاف والتشرذم والإلتزام المجتمعي،  كلما استطاعت أن تبني مجتمعا سليما خاليا من كل صور الاختلاف والتباعد، يكون متصفا بتماسكه وحبه للعمل والبناء والإصلاح والتغيير عبر فكر نير وإرادة شعبية وأهداف واضحة وإشراقات طموحة وإيمان راسخ بتحقيق الأهداف والاختيارات الوطنية وصولا إلى حياة حرة كريمة واستقلال سياسي واضح يواكبه استقلال اقتصادي للحفاظ على أمن واستقرار البلاد وحماية ثروات الشعب من الاستغلال والنهب والسرقة .

اذا ما أعطيت الشعوب حقها في الدفاع عن حريتها وكرامتها واختياراتها ضمن إطار الديمقراطية الشعبية الحقيقية النافذة لقلوب وجوارح الشعوب الحية الساعية الحرية وتطبيق العدالة الاجتماعية وتنفيذ القوانين والأنظمة المرعية بعيدا عن أي صور من الاستغلال السياسي والنفوذ الذي نتبعه بعض الأحزاب والكتل السياسية لتحقيق مأربها ومصالحها المالية الفئوية بعيدا عن حقوق وأماني الشعب وطموحاته في حياته ومستقبل أجياله،  عندما نمتلك هذه المقومات نستطيع أن نقول إننا أمام بلد حضاري مستقل وطني الاتجاه يعتمد الإرادة الجماهيرية أساس في تنفيذ توجهاته وآراءه ورؤيته لما يدور حوله من أحداث ووقائع تؤثر على طبيعة وسير قيادته للبلاد،  وفي بلدنا العراق وبعد الغزو الأمريكي البريطاني في التاسع من نيسان عام 2003 أصبحت هناك إرادتان إقليمية ودولية تتحكم بسير الأحداث واختيار الحكومات المتعاقبة وفق معايير العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي وعمل على تنفيذها وحظيت برعاية ودعم النظام الإيراني ورغم مرور عقدين من الزمن إلا أن الوقائع أثبتت فشلها وعدم تحقيقها أي تقدم وازدهار ميداني وعلمي وحضاري للمجتمع العراقي بل شابها الكثير من الأزمات والمشاكل والصراعات وعمليات الاغتيال السياسي والتغييب القسري وهدم وتحطيم المدن الأصيلة ونزوح الملايين من أبنائها وعدم وجود أي رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية للنهوض بعملية التغيير والإصلاح والنمو الاجتماعي ، وإنما كان التدخل الإقليمي والدولي ودوره الميداني في مراعاة مصالحه وتحقيق أهدافه، وبنظرة ثاقبة لتطور مسار الأحداث في الأشهر الأخيرة نلمس طبيعة الدور الإيراني الذي يقوم به عدد من مسؤولي النظام وأجهزته الأمنية والاستخبارية في عملية التوجه والحوار واللقاء ببعض المسؤولين في الأحزاب السياسية العراقية المرتبطة بعلاقات وثيقة  بإيران وتقديم النصح والإرشادات لهم لتحقيق حالة من التوافق السياسي في البنية المجتمعية العراقية وخاصة التيارات السياسية الشيعية التي يعمل النظام الإيراني للاعتماد عليها في تنفيذ مشروعه السياسي عبر العديد من الوكلاء والشبكات المرتبطة به، وهذا ما يؤكده حديث السفير الإيراني السابق في العراق(إيرج مسجدي ) بتاريخ الأول من شهر مايس 2022 بقوله (إن العراق أرض مقدساتنا وندعو جميع الأطراف السياسية للتفاهم والاتفاق والتوافق ولا ننصح أبدا بإعادة الانتخابات ونرفض الإقصاء ونؤكد أن الشيعة لن يفقدوا رئاسة الوزراء كونها من حصتهم )، لو كان هذا الكلام في بلد آخر من العالم ألا يعتبر تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية،  ألا يعتبر خروجا عن الأعراف الدبلوماسية في العلاقات السياسية وفق القوانين الدولية في علاقات الدول ببعضها، ألا يعتبر تأثيرا على اختيارات وحقوق أبناء الشعب العراقي، مثل هذه التصريحات تؤكد بما لا يقبل الشك الدور السياسي الإيراني الذي يتبعه مسؤولي النظام في تدخلهم بالشأن العراقي وتأكيد على أنهم يشكلون عاملا رئيسيا في اختيار طبيعة النظام السياسي في العراق وأنهم يسعون حثيثا للإبقاء على وجودهم بعيدا عن إرادة أبناء الشعب العراقي المحتسب وتطلعه لتحقيق إرادته وأهدافه، وأن النظام الإيراني متمسك برؤيته وأهدافه في اعتبار العراق الساحة التي يتحرك عليها وينطلق منها إلى عواصم الأقطار العربية لتحقيق حلمه في تنفيذ مشروعه السياسي وتحقيق أهدافه الميدانية.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار أخي القارئ الكريم فإن الدور الإيراني يعمل على تعزيز مكانته في الهيمنة والنفوذ والتواجد عبر مفهوم الدولة العميقة التي أسس لها بعد الاحتلال الأمريكي واستغلاله الأوضاع المأساوية والأحداث الدامية التي مر بها أبناء الشعب العراقي، وهنا تبرز الرؤية السياسية التي يتبناها المسؤولون الإيرانيون في التعبير عن حقيقة الطموحات والأهداف التي يتصف بها النظام الإيراني عندما يشير (حسن دانائي فر) المسؤول عن الملف العراقي في إيران وأحد قادة الحرس الثوري الإيراني والذي سبق أن عمل سفيرا لإيران ببغداد بعد الاحتلال الأمريكي بقوله بتاريخ 28نيسان 2022 (إن بإمكان طهران التدخل لمساندة التيارات السياسية العراقية للخروج من مأزق تشكيل الحكومة). ولهذا يبقى المشروع الإيراني قائما في العراق وهدفها استراتيجيا للأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية الإيرانية وباعثا سياسيا مهما في الرؤية الإيرانية وتصعيدا ميدانيا للحفاظ على المصالح والمنافع والأهداف الإقليمية للنظام الإيراني.

Similar Posts