أخطبوطية السياسة الإيرانية في العراق
بقلم : إياد العنَّاز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تتميز السياسة الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي بحضور سياسي واقتصادي وتوجه لإقامة مناطق نفوذ واسعة ضمن سياسة التمدد والهيمنة التي يسعى إليها المشروع السياسي الإيراني في تصدير الفكر السياسي لبلدان المنطقة وإيجاد جسر من العلاقات الوطيدة مع الأحزاب السياسية والشخصيات الفاعلة في أقطار المنطقة العربية وفق رؤية ميدانية تخدم المصالح الإيرانية وتعزز الخطط والبرامج الأمنية والاستخبارية التي يشرف عليها فيلق القدس والحرس الثوري باعتبارهما المسؤولين عن تطبيق وتنفيذ السياسة الخارجية للنظام الإيراني بمساحات واسعة وتجاذبات ميدانية وآفاق مستقبلية، وكل هذا يمكن أن يجعل من السياسة الإيرانية أداة لأي تغيير ممكن أن يحصل في منطقة الشرق الأوسط كونها تسعى لأن تكون دولة إقليمية ذات تأثير دولي على مجمل الأحداث القائمة في مناطق النفوذ العالمي وتحديدا آسيا الوسطى بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ودعم الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهادي والهندي حيث سياسة بسط النفوذ الأمريكي الر وسي الصيني والأهم لديها المنطقة العربية ووصولها إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط وخليج عدن وباب المندب وهذا حصل بشكل واسع بعدما استغلت إيران تسارع الأحداث في العراق وما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية من احتلال واسع وشامل للأراضي العراقية في التاسع من نيسان عام 2003 والتي رأى فيها مسؤولي النظام الإيراني فرصتهم الكبيرة وهدفهم الاستراتيجي لتحقيق ما لم يتمكنوا من إنفاذه وتصدير مشروعهم السياسي في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، ولهذا فإنهم اتبعوا سياسة تبادل المصالح وتحديد مساحات النفوذ مع الإدارة الأمريكية في الميدان العراقي فيما عرف بسياسة التخادم بين الطرفين وفق الرؤى الاستراتجية والمنافع الخاصة لكل من واشنطن وطهران وهو ما تحقق في كثير من الجولات والأحداث ألتي مرت على العراق بعد الاحتلال الأمريكي وما آلت إليه نتائج العملية السياسية التي أعدها الحاكم الأمريكي المدني بول برايمر وساندها وقدم الدعم لها النظام الإيراني لأنه رأى فيها مفتاحا ذهبيا للولوج إلى الداخل السياسي العراقي وتسخير جميع الأحداث الميدانية حسب مصالحه ومنافعه الأمنية والاقتصادية مدركا أن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على تثبيت مكانتها ونفوذها ولكنه عكف على مداراة هذه التوجهات وتعامل معها بجدية بعيدا عما يتحدث به في الإعلام او عبر التصريحات الرسمية بعدائه ووقوفه ضد السياسة الأمريكية في العراق لأنه رأى من مصلحته إدامة سياسة التخادم بينه وبين المحتل الأمريكي تنفيذا للرؤية التي ما برح أن سعى إليها بامتداد المشروع الإيراني نحو الداخل العراقي.استغل النظام الإيراني نتائج الاحتلال الأمريكي وما صاحبه من اختلال في التوازن السياسي وضعف النسيج العراقي وتشجيع ظاهرة الطائفية السياسية والمجتمعية التي أضعفت البنية التحتية للعلاقات الإنسانية بين أبناء الشعب العراقي وأثرت على طبيعة الحياة بحيث وصلت الحالة إلى حدوث نزاعات ومواجهات طائفية وصلت لحد الحرب الأهلية والتي كانت إيران وأدواتها ومليشياتها تغذيها وتدفع باتجاه توسيع دائرة الخراب والتفكك الاجتماعي في العراق لتصل إلى أهدافها العدوانية وتوجهاتها الشريرة في جعل البلاد جسرا تعبر من خلاله إلى باقي عواصم الوطن العربي وتدعم موقفها الميداني في سوريا واستمرار مساندتها للمليشيات والفصائل المسلحة داخل العمق السوري واستخدام الأراضي العراقية منطلقا لتحقيق أهدافها وصولا لشواطئ البحر الأبيض المتوسط، كانت السياسة الإيرانية واضحة المعالم وأصبحت صورة واقعية بعد سنوات من الاحتلال الأمريكي والتدخل في مسارات الحياة السياسية واختيار الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومات العراقية التي تلت الاحتلال بصيغة التوافقات السياسية والمحاصصة الطائفية والاتفاقات الدولية والإقليمية التي ترعى من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني.هذه هي بعض أهداف وميادين المشروع الإيراني تجاه العراق وامتداداته إلى عواصم الأقطار العربية ومناطق النفوذ الأخرى وتحقق منه الكثير بسبب تبادل المصالح الأمريكية الإيرانية وموقف الإدارات الأمريكية من طبيعة التعامل الميداني مع إيران حسب ما تمليه مصالحها وآفاق تواجدها في منطقة الشرق الأوسط وكان أولى أدواته الخادم السياسي على الأرض العراقية بعد أن سمحت إدارة الرئيس باراك أوباما بإطلاق أدوات ووكلاء النظام الإيراني وتوسيع نفوذه وتأثيره مشروعه في العراق وفق رؤية استراتيجية تتمثل في دعم التوجه الأمريكي لتحقيق الاتفاق الدولي مع المجموعة الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني الذي تم الاتفاق عليه بتاريخ 14 تموز 2015واعتبر نصرا سياسيا واقتصاديا تمكنت فيه إيران من الخروج من العقوبات الدولية وإطلاق الأرصدة المالية لها التي قدرت ب(150) مليار دولار وبدأت بالعودة إلى دورها الإقليمي بمساندة حركة المليشيات الولائية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والتواجد على الساحة السورية والميدان العراقي وتقديم أنواع الدعم والعون لهم كونهم أداة مهمة بتنفيذ التوجيهات الإيرانية والسياسة الأمنية والخطط الإستراتيجية لعمل قيادة فيلق القدس والحرس الثوري. تبقى السياسية الإيرانية نتاج تفاعل ميداني لتحقيق مصالحها مع إدراكها للتهديدات والأزمات حولها وهي تحاول الإبعاد عن مناطق الاختلاف مع اتباع سياسة إظهار القوة والتعنت السياسي في علاقتها مع الدول التي تختلف معها ، ومع كل هذه الأوجه والرؤى السياسية فإن مشروع الهيمنة والنفوذ الإيراني يواجه العديد من العوائق الإقليمية التي تحول دون إكمال خططه ونجاحه لطبيعة الصراعات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وثنائية النفوذ السياسي المتمثل بالتواجد الأمريكي في العديد من الدول والوجود الروسي الممتد على أرجاء الأرض السورية ومحاولة الدخول للمياه الدافئة وإقامة علاقات متوازنة مع أقطار الخليج العربي والتي تشكل أهمية استراتيجية للروس حيث النفوذ الأمريكي والمصالح الدولية في هذه المنطقة الحيوية وهذا ما يضعف نجاح المشروع الإيراني بشكل عام الذي يعمل على بسط نفوذه في بعض عواصم الأقطار العربية، كما وأن دول المنطقة تسعى جاهدة للحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى الأخرى التي تهدف لإقامة قواعد مرتكزات التبادلات الاقتصادية والتجارية ودعم وجودها في الشرق الأوسط والوطن العربي خاصة السياسة الفرنسية والروسية التي تلعب دورا مهما في اختراق حاجز العلاقة بين دول المنطقة وهذا يشكل عائقا للنظام الإيراني في عدم مقدرته على أن يكون منافسا ميدانيا في مواجهة مصالح الدول الكبرى خاصة وأن الأنظمة السياسية في المنطقة تدرك حقيقة الأطماع الإيرانية والتوجهات السياسية والأهداف الميدانية للنظام الإيراني وأنه يشكل خطرا حقيقيا يهدد الأمن القومي والوطني لها.وتستمر عملية الصراعات السياسية بين واشنطن وروسيا في الميدان السوري وكيفية إيجاد التوازنات في التمسك بمصالحها القائمة في هذا الميدان مع وجود النفوذ الإيراني الذي يساهم من خلال المليشيات المرتبطة به في التعرض على القواعد والأماكن العسكرية الأمريكية في سوريا ، الأمر الذي يؤدي دائما الى محاولة واشنطن اصدار قرارات اممية تدين سلوك النظام الإيراني وممارساتها في الشرق الأوسط وتحديدا في العمق السوري وإضعاف القدرة الإيرانية في تنفيذ مشروعها السياسي ومنعها من التمسك بسياسة التعنت وإظهار القوة عبر العديد من الفعاليات الجوية التي استهدفت مواقع المليشيات الولائية على الحدود العراقية السورية أو بالقرب منها إلا أن بعض القرارات تصطدم بالمصالح الروسية وطبيعة العلاقة مع طهران ولهذا يرفض المندوب الروسي أي عقوبة على النظام الإيراني مما يؤدي إلى قيام الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية أحادية من جانبها وهذا ما يشكل عائقا أمام الدور الإيراني في سوريا أو باقي ميادين وتواجد المليشيات والفصائل المسلحة التابعة للحرس الثوري. هذه هي أولويات السياسة الإيرانية وتوجهات أركان النظام الحاكم وبمؤازرة ودعم على خامنئي الذي يتمتع بصلاحيات واسعة ولها القدرة على رسم السياسة الداخلية والخارجية بالاعتماد على طبيعة الولاء الذي يحظى به من قبل قيادات الأجهزة الأمنية الاستخبارية وخاصة الحرس الثوري وفيلق القدس وجهاز الاطلاعات المسؤولين عن تنفيذ المشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي والعمل على تعزيز الدور الذي يخدم السياسة الإقليمية التي يسعى إليها النظام الإيراني ويستخدمها أداة مهمة في أي لقاءات وحوارات قادمة مع الإدارة الأمريكية بخصوص البرنامج النووي والأسلحة الباليستية وبقائه قوة إقليمية في المنطقة.