دراسات إسلامية | العقل والتصور بلا حدود

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

هذا سبيل من سبل الجنون أو الزندقة، فإن للعقل حدوداً وهذه الحدود نسبية بين أرباب العقول ومع وجود هذه النسبية فإن للعقول آفاقاً إذا تجاوزها المرء جُنّ أو تزندق وأَلحَدَ أو تطاول على الله تعالى أو رسله أو كتبه أو اليوم الآخر لأنه أطلق العنان لعقله أن تخرق سُتُرَ الغيوب التي حجب الله العقول عن إدراك حقائقها وأَمرَهُ أن يصدِّق بخبرها دون الخوض بكيفيتها أو كُنْهها.ومثال ذلك عذاب القبر ونعيمه، والمعاد، والصراط والجنة والنار.ويدخل في ذلك أسماء الله تعالى وصفاته الخبرية ، أو الذاتية منها كاليدين والقدم والعينين والوجه وأشباه ذلك، أو صفاته الفعلية كالاستواء على العرش، أو النزول في ثلث الليل الآخر، أو الضحك، أو الغضب أو المجيئ وأشباه ذلك، فإن العقول عاجزة عن إدراك حقائق هذه الصفات، ولكنها قادرة على فهم معانيها، فيجب عليها أن اتؤمن بها وإن تثبتها لله تعالى كما أثبتها الله تعالى لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير خوض في حقائقها لأن العقول عاجزة عن إدراك هذه الحقائق وإنما جاز لهذه العقول أن تدرك المعاني منها فحسب.انظر وتأمل يرحمك الله. فالرسل على جلالة عقولهم وسعة معرفتهم وغزارة علمهم أوقفهم الله تعالى عند حدود هذه العقول وعند منتهى إدراكها فعرفوا قدر عقولهم فلم يتجاوزها ولم يبالغوا في توظيف عقولهم فيما ليس من اختصاصه أو ضمن حدوده المعرفية المقيدة بأفق معين وإدراك معين وسعة معينةفهذا كليم الله ومصطفاه موسى عليه السلام حين طلب ما لا تدركه العقول لقّنه ربُّه درساً بليغاً في ميدان توظيف العقل البشري حين قال:((رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ))قال له ربه:((قَالَ لَن تَرَانِي)) ثم أعطاه درسا مشهودا ليعلم موسى حدود المعقول وحدود غير المعقول فقال جل وعلا:((وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) سورة الأعرافوهذا سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم ينهاه ربه أن يتتبع ما لا يدركه العقل وحده الا بوحي من ربه جل وعلا فقال عز من قائل:((وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ))سورة الإسراء. وحينما سأله اليهود عن الروح قال له ربه جل وعلا:((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) سورة الكهف فإذا كان الرسل لا يطلقون العنان لعقولهم فيما ليس لهم به علم من عند ربهم فغيرهم أولى أن يحترم حدود عقله وألا يخوض بما لم ينزل به الله سلطانا حفاظا على سلامة العقول من الشطط والزندقة والضلال والتقوُّل على الله ورسله بما لم يأذن به الله.انظر وتأمل يرحمك الله.

Similar Posts