تكوين الشخصية المُثلى في ضوء القرآن الكريم ـ مريم ابنة عمران أنموذجًا ـ

بقلم : مريم عز الدين

وردت مفردة (مريم) في القرآن الكريم 31 مرة، 23 منها مقترنة بـ (عيسى والمسيح) والثمان الباقية تعنيها خصوصًا، وهي بالترتيب في المصحف كالتالي:

1) {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:36 – 37].

2) {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران : 42، 43].

3) {ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)} [آل عمران: 44،45].

4) {وبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (156)} [النساء: 156].

5) {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (16)} [مريم: 16].

6) {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)} [مريم: 27].

7) {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:91].

8) {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)} [التحريم:12].

وأظن أن لهذا الترتيب نسقًا معينًا يراد به أن نتنبه لقصة مريم ولذكرها في هذه المواضع بهذا التسلسل ضمن السور خلال المصحف، وهذا التسلسل هو تسلسل قصتها: (ولادة، اصطفاء وتمييز، تكليف، مصاعب وتحديات، ثم الجزاء في الدنيا والآخرة).

وأهدف من خلال هذا البحث أو هذه الرؤية إلى أن أسلط الضوء على أربعة أفكار رئيسة وهي:

_ ليس الذكر كالأنثى بين منظور أم مريم والواقع.

_ الاصطفاء والتمييز يتبعه امتحان وتكليف.

_ وقفات مع أنوار تفاصيل القصة.

_ عاقبة الصدق والإيمان والإخلاص.

أولًا: وليس الذكر كالأنثى بين منظور أم مريم والواقع

{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)}

جاء في تفسير هذه الآية: قالوا إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار، بل التحسر والتحزن والاعتذار فهو بمعنى الإنشاء وذلك أنها نذرت تحرير ما في بطنها لخدمة بيت الله والانقطاع لعبادته فيه؛ والأنثى لا تصلح لذلك عادة لاسيما في أيام الحيض، “والله أعلم بما وضعت” أي بمكانة الأنثى التي وضعتها وأنها خير من كثير من الذكور، ففيه دفع لما يوهمه قولها من خسة المولودة وانحطاطها عن مرتبة الذكور وقد بين ذلك بقوله:” وليس الذكر” الذي طلبت أو تمنت “كالأنثى” التي وضعت بل هذه الانثى خير مما كانت ترجو من الذكر. (تفسير المنار 319)

وقال الرازي أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة الله، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريد العبد لنفسه. (التفسير الكبير 829)

ومن الناحية اللغوية والبلاغية قال الآلوسي :”إن قياس كون ذلك من قولها أن يكون (وليست الأنثى كالذكر) فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثل هذا النوع من التشبيه أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وأنه جارٍ على ما هو العادة في مثله أيضًا؛ لأن مراد أم مريم ليس تفضيل الذكر على الأنثى، بل العكس؛ تعظيمًا لعطية الله تعالى على مطلوبها، أي: وليس الذكر الذي هو مطلوبي كالأنثى التي وهبها الله، وتمام الكلام في هذا المقام ما ذكره بعض المحققين أنه إذا دخل نفي بـ(لا) أو غيرها أو ما في معناه على تشبيه مصرح بأركانه، أو ببعضها؛ احتمل معنيين: تفضيل المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا..، ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى أنه لا يُشبه به لبعد المسافة بينهما” والمعنى الأول هو المعتبر .

وخلاصة القول أن “وليس الذكر كالأنثى” فيه تمييز وإشارة لدور الأنثى سواء التي وضعتها امرأة عمران (مريم) أو النساء المسلمات جميعًا لما لهن من عظيم الأثر على المجتمعات ولما لهن من كبير الأجر جزاء ما يقدمن من تضحيات وما يقاسين من مصاعب، وما “مريم” إلا أنموذج أراد الله من جميع النساء أن يحتذين به؛ وما امرأة عمران ودعاؤها إلا أم أرادت لأولادها مستقبلًا يضمن لهم خيري الدنيا والآخرة كما كل الأمهات لكنها نهجت للوصول إلى ما صبت إليه منهجًا خُلد حتى يوم القيامة إلا وهو منهج الدعاء الصادق فصدقت امرأة عمران الدعاء وصدقها الله بالعطاء وكانت مريم أنثى خير من الذكر الذي تمنت وطلبت.

ثم إن القرآن بعظيم بيانه وجمال حرفه ودقة وصفه قد عالج في هذا الموضع قضية لطالما شغلت الناس في عصرنا هذا وفي العصور التي سبقت ولربما في عصور أخرى قادمة إلا وهي شغف النساء وللأسف بالتشبه بالرجال ظنًا منهن بأنهم الأرقى منزلة والأكثر حظًا –في الدنيا طبعًا- وهذا الظن خاطئ تمامًا في أصله وفي واقعه، فقال تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﱠ لن يتحمل ما ستتحمله هي ولن يقوى على فعل ما ستستطيع فعله، ولن يصبر على ما ستصبر عليه هي من ولادة وتربية وتعليم وأعمال بل إن الذكر سيكون متكأً عليها في الكثير من جزئيات حياته، (ليس الذكر كالأنثى) بالعموم لأنهما مختلفين لكل منهما مزياته وأدواره ومهامه، وليس كما هي على وجه الخصوص هنا لأن السياق تعظيم دور “مريم” وبالضرورة تعظيم دور كل نساء المسلمين.

ثانيًا: الاصطفاء والتمييز يتبعه امتحان وتكليف

{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} .. جاء في تفسير الآيتين:

“إن هذا ليس بتشريع خُصت به إنما هو إلهام لها بمكانتها عند الله وما يجب عليها من الشكر له بدوام القنوت والصلاة، ومن اعتقد أنه مكرم اجتهد في المحافظة على كرامته وتباعد أشد التباعد عن كل ما ينقص منها، وللاصطفاء معنيان الأول: أي طهرك مما يستقبح كسفاف الأخلاق وذميم الصفات وغير ذلك، والثاني: ما اختصت به من خطاب الملائكة وكمال الهداية، وفي قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي الزمي طاعته مع الخضوع له، والسجود الخشوع والتذلل في العبادة” (تفسير المنار 3300)

ومن لطيف ما أورده صاحب التحرير والتنوير في هاتين الآيتين: “وقوله (مع الراكعين) إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل إظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير.

وهذا الخطاب مقدمة للخطاب الذي بعده وهو: يا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ لقصد تأنيسها بالخبر الموالي لأنه لما كان حاصله يستجلب لها حزنًا وسوء قالة بين الناس، مهد له بما يجلب إليها مسرة، ويوقنها بأنها محل عناية الله، فلا جرم أن تعلم بأن الله جاعل لها مخرجًا وأنه لا يخزيها”. (التحرير والتنوير 3244)

كما أن الاصطفاء كان على نوعين:  {اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ}، {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} والأول ذاتي؛ بأن كرمها سبحانه بصفات الطهر والكرامة وبأن تكلم الملائكة وغير ذلك، والثاني بمعنى التفضيل على غيرها من نساء العالمين في زمانها وفي الأزمنة الأخرى.

ومما تقدم نجد أن قضية الاصطفاء هي في جوهرها تفضيل لمريم كخطوة في طريق تكليف كبير ينتظرها كما كان تفضيل آدم وبالضرورة بنيه من قبل والذي كان خطوة في طريق تكليفه وهم من بعده بحمل الأمانة وعمارة الأرض وبالضرورة عبادة الله وحده، ولذا على الجميع اليوم أن يعتقد بأننا مصطفون بداية بأننا من بني آدم ثم أننا خير أمة أُخرجت للناس وما هذا الاصطفاء إلا لعظم التكليف العبادة ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمران أشد من بعض إلا على الذين هدى الله.

ثالثًا: وقفات مع أنوار تفاصيل القصة:

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (16)} [مريم: 16].

1. (قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّۭا)، وجملة إني أعوذ بالرحمن منك خبرية لذلك أكدت بحرف التوكيد والمعنى أنها أخبرته أي الملك بأنها جعلت الله معاذًا لها منه، أي جعلت جانب الله ملجأ لها مما همّ به، وهو موعظة له، وذكرها صفة الرحمن دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها الله بدفع من حسبته داعرًا عليها. (التحرير والتنوير 1681).

ومن الأنوار التي يمكن اقتباسها من هذا الحوار بين مريم والملك الذي أرسله الله لها الكثير كاستعانتها فورًا بالله عندما تيقنت بأن خطرًا ما يواجهها، كذلك استخدامها لفظ الرحمن كما سبق والذي يدل على حصافتها وعلمها بأنها مهما بلغت من علو المنزلة لن تستطيع إلا اللجوء إلى الرحمن، كما يمكن الاستنتاج بأن من أهم أساليب دفع الضر أو هو استجلاب مخافة الله في القلوب “إن كنت تقيا” تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتقي الله، وفي الحوار أيضًا إشارة إلى أن المواجهة ضرورية بل هي من أساسيات من كان يدعي الإيمان والقدرة على حمل الرسالة لا فائدة من الهرب على عكس المواجهة فهي قوة وثبات وبيان ووضوح.

2. (فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ) من جميل لغة القرآن لفظ الفعل (أجاء) فهو فعل يحمل ثلاثة معانٍ الأول: جاءها وقت الولادة، الثاني: (فاجأها) حيث أنها لم تكن تُصدّق، الثالث: (ألجأها)جعلها تلجأ إلى جذع النخلة، (جاءها، فاجأها، ألجأها) في فعل واحد، والسبب في ذلك هو دخول ألف التعدية على الفعل جاء حتى يتعدّى الفعل إلى معنيين آخرين مع المعنى الأصلي، ومن جميل العبر التي تستقى من أمر الله لمريم أنه سبحانه ورغم صعوبة وشدة ما كانت تقاسيه أمرها بالأخذ بالأسباب لكن بألفاظ حانية دافئة “وهزي إليك بجذع النخلة” ” فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًۭا” وفي ذلك درس للمسلمين بأن يصبروا ويصابروا ويأخذوا بالأسباب مهما كانت صعوبة الابتلاء ومهما عظمت الخطوب طبعًا مع إخلاص النية وصدق الإيمان لأن شأن هذا أن يكون جزاء الله لهم نصرًا مؤزرًا بإذنه.

3. “إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا”، “فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّۭا”، ففي الآيتين امتثلت مريم لأمر ربها بحذافيره وبإيمان تام لا تشوبه شائبة شك واحدة بأن الله ناصرها، رغم أن كل شيء أمرها الله به كان غيبًا (من تكلم عيسى وهو طفل بالمهد، وما سيفعله بها قومها وهي المعروفة عندهم بأنها التقية النقية ، وما ستواجهه منهم من كلام أو أفعال) غير أنها كانت مؤمنة إيمانًا راسخًا كالجبال بوعد ربها لها، فأين نحن من إيمان مريم وصبرها وصدقها وتصديقها ونحن الذين تهز قلوبنا ابسط الابتلاءات، بل أين فتياتنا اللاتي تسوقهن أقوال (الفاشينستات) ورواد (السوشيال ميديا) فتدفعهن إلى مخالفة أوامر الحجاب واللبس الشرعي وتحلل لهن المحرمات وتودي بهن إلى لهو لا فائدة فيه لا في الدنيا ولافي الآخرة.

4.في سورة مريم تفاصيل قصتها كاملة يقصها النص القرآني بطريقة بالغة الجمال في جو من الرحمات واللطائف وبأسلوب فيه من الرقة ما يتناسب وحالة مريم العصيبة بل حتى فواصل الآيات يوحي جرسها بحالة عجيبة من السكينة والرقة مع أن الحديث عن تكليف بالغ الاهمية والصعوبة معًا وفي هذا إشارة لأن المصاعب لابد قادمة لا محالة وكل مؤمن مكلف بالدعوة إلى الله سيلاقيها ولابد؛ لكن المطلوب منه أن يحيط نفسه بأجواء الرحمات وأن يحصن قلبه وروحه بالإيمان الصادق الذي لا يزحزحه شيء.

رابعًا: عاقبة الصدق والإيمان والإخلاص

{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:91].

 {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)} [التحريم:12].

في تفسير الآية الأولى من سورة الأنبياء يقول الطاهر ابن عاشور: “لما انتهى التنويه بفضل رجال من الأنبياء أعقب بالثناء على امرأة نبيئة إشارة إلى أن أسباب الفضل غير محجورة، وجعلها وابنها آية هو من أسباب تشريفهما والتنويه بهما إذ جعلهما الله وسيلة لليقين بقدرته ومعجزات أنبياءه” (التحرير والتنوير 17 137،138)

وإذا أمعن الدارس النظر فأن بداية القصة في سورة آل عمران هي “ليس الذكر كالأنثى” ولذا فإن جزاء مريم على صدقها وتصديقها وعلى صبرها وحملها وابنها الرسالة وتأديتها على أتم وجه كان بأن تذكر في سياق ذكر الأنبياء وأن تكون وابنها آية تدل على عظمة الله وقدرته وأن يخلد اسمها وذكرها ومحنتها ثم أخيرًا جزاءها إلى يوم القيامة.

وفي تفسير الآية الثانية يقول أبو السعود: ” {مِن رُّوحِنَا} من رُوحٍ خلقناهُ بلا توسطٍ أصلاً {وَصَدَّقَتْ بكلمات رَبَّهَا} بصحفِهِ المنزلةِ أو بما أَوْحى إلى أنبيائِه {وَكُتُبِهِ} بجميعِ كتبِه المنزلةِ وقرئ: {بكلمةِ الله وكتابِه} أي بعيسَى وبالكتابِ المنزلِ عليهِ وهو الإنجيلُ {وَكَانَتْ مِنَ القانتين} أي من عدادِ المواظبينَ على الطاعةِ، والتذكيرُ للتغليبِ والإشعارِ بأنَّ طاعتها لم تقصُرْ عنْ طاعاتِ الرجالِ حتى عُدَّت مِنْ جُملَتهم” (تفسير أبو السعود 8/270).

ويقول سيد قطب: ” وهما الاثنتان _امرأة فرعون ومريم ابنة عمران _ نموذجان للمرأة المتطهرة المؤمنة المصدقة القانتة يضربهما الله لأزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- بمناسبة الحادث الذي نزلت فيه آيات صدر السورة _سورة التحريم_ ويضربهما للمؤمنات من بعد في كل جيل.

وفي ذكر مريم في هذا السياق _أن تكون مثابة لنساء الرسول صلى الله عليه وسلم ولنساء العالمين_ إشارة إلى أهمية ومكانة ومنزلة مريم والتي تحصلت عليها بقنوتها وصلاتها وصدقها وتصديقها وصبرها، وذكرها في سورة التحريم هو ختام قصتها في القرآن فناسب أن تكون الخاتمة جزاءً لها على كل ما مرت به أن ذكرت كمثال للذين آمنوا يُتأسى به، كما كان هذا ترجمة أو استجابة لدعوة أمها من قبل”.

والحمد لله رب العالمين

Similar Posts