الإصابة في تبيان وجه الشَبَهِ بين الأنبياء والصحابة

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

هناك وجهُ شَبَهٍ بين أنبياء اللَّهِ تعالى وبين أصحاب النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم، ألا وهو عدم التفريق بين أحد منهم وجواز المفاضلة بينهم.

قال اللَّهُ تعالى في خواتيم صورة البقرة :((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285).

الشاهد قوله: ((لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)) فهذا أصل من أصول الإيمان الستة هو الايمان بالرسل وهو نوعان:

إيمان مجمل:وهو الإيمان بكل الأنبياء والمرسلين من عرفناهم ومن لم نعرفهم ومنه قوله تعالى في سورة النساء :((وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ)) َ الآية 164

وايمانٌ مفصل:وهو الإيمان بالرسل والأنبياء الذين ذُكِروا صراحةً في القرآن الكريم .

وقولي:”صراحة” هو إحتراز من عدم اعتقاد بعض من ذكروا في القرآن الكريم واختلف أهل العلم بنبوتهم، ومنهم الخضر في سورة الكهف، ولقمان في سورة لقمان وعمران في سورة آل عمران، وذو القرنين في سورة الكهف.

اما من صرَّحَ اللَّهُ تعالى بنبوتهم  ورسالتهم فيجب الإيمان بهم جميعا ولا يُفَرَّقُ بين أحد منهم في أصل الإيمان والتصديق بنبوتهم ورسالتهم.

وهذا الإيمان المجمل والمفصل بأنبياء اللَّهِ تعالى ورسله لا يتنافى  مع جواز المفاضلة بينهم في المنازل والمقامات عند اللَّهِ تعالى ومنه قوله تعالى في سورة البقرة:((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ)) الآية 253.

ولذلك كان أفضل الرسل أولي العزم منهم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومُحَمَّدٌ صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

وكان أفضل الخمسة الخليليْن إبراهيم ومُحَمَّداً صلى اللَّهُ عليهما وسلم.

وكان أفضل الخليليْن سيدنا مُحَمَّداً صلوات ربي وسلامه عليه ما دام الليل والنهار.

وكذلك أصحاب النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فلنا فيهم إيمان مجمل وإيمان مفصل.

الإيمان المجمل: بعدالة كل من أسلم وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنه، فهؤلاء لا نفرق بين أحدٍ منهم في العدالة واعتقاد أنهم أفضل المسلمين بعد الأنبياء والمرسلين.

وإيمان مفصل: فنحن نؤمن بعدالة كل أصحاب النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ومن أسلم منهم قبل الفتح وبعده وصحب النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ومَات وهو راض عنه.

وهذا الإيمان المجمل والمفصل بعدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يتنافى مع جواز المفاضلة بينهم في المنزلة والفضل والمكانة عند اللَّهِ تعالى ورسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم.

 ومنه قوله تعالى في سورة الحديد :((لايَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)

فهذا نص في تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين أسلموا وهاجروا قبل الفتح على من أسلموا بعد الفتح.

وكذلك أجمع المسلمون على أن أهل بدرٍ هم أفضل الصحابة.

وأفضل البدريين هم العشرة المبشرة بالجنة

وأفضل العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللَّهُ عنهم أجمعين.

وأفضل الأربعة سيدنا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي اللَّهُ عنهم أجمعين.

فائدة

‏قوله تعالى في سورة المائدة:((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

وكلمة :((إِنَّمَا))تفيد الحصر

أي لا يتقبل اللَّهُ صدقةً اًو قرباناً إلا من المتقين حصراً دون غيرهم من الفجار والمفسدين.

فالتقوى شرط صحة لقبول الصدقة، لأن المتقي قد جعل اللّهَ رقيباً على ماله فلا يكتسبه عن طريق الحرام.

ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(إن اللّهَ طَيِّبٌ لا يقبل إلا طَيِّبا) رواه مسلم.

والطَّيِّبُ هنا هو الحلال المحض المجرد من الحرام والشبهة،فإن الشبهةَ إنما سُمِّيَتْ شبهةً لأنها تُشبه الحلال من وجه وتُشبه الحرام من وجه، فحتى يسلم المرء من اختلاط ماله بحرام محتمل حثَّ النبي ‏صلى اللَّهُ عليه وسلم على اجتناب المال المشتبه به، فقال صلى الله عليه وسلم؛(‏الحلال وبين والحرام وبين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)متفق عليه.

وهذا هو أفضل المال الذي يُتَصَدَّقُ به، وهو الخالص من الحرام والشبهة

وأما السرّاق والمختلسون والمرتشون والمرابون والنصابون والمحتالون الأكّالون للأموال العامة و‏الخاصة من غير وجه حق فهؤلاء لا يتقبل اللَّهُ تعالى منهم صدقة ولا قربةً لأنهم ليسوا من المتقين.

Similar Posts