بلاسخارت …تغييب الحقائق وتزويق الوقائع
بقلم : إياد العنَّاز / باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
القت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة (جينين هيبسن بلاسخارت ) قبل أيام كلمتها الدورية عن العراق أمام مجلس الأمن الدولي واستعرضت فيها العديد من الأحداث والوقائع التي شهدها المسار السياسي في العراق ورسمت صورة ميدانية للصراعات والمناكفات بين أطراف العملية السياسية وأوجه الاختلافات في طبيعة إدارة السلطة في بغداد وآفاق المشهد العام الذي يؤطر حقيقة عمل وسلوك أحزاب السلطة ومدى علاقتها بالمنظومة السياسية وتأثيراتها على المستوى الاقتصادي والأمني وعلاقتها مع أبناء الشعب العراقي والمصالح المشتركة للعديد من دول العالم ضمن المحور الدور والإقليمي الذي يرتكز على منافع وتواجد ونفوذ مستمر في الميدان العراقي بعد الغزو الامريكي الذي شهدته بغداد في التاسع من نيسان 2003.وأعطت صورة واضحة عن الأزمات والمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها العراق وقرارات حكومة بغداد في خفض قيمة الدينار العراقي بما يزيد عن 20%في نهاية شهر كانون الأول 2020 ولكنها لم تذكر نتائج وتبعيات هذا القرار على المنظومة الاقتصادية والوضع المعاشي العام الذي يعانيه المواطن العراقي والافتقار إلى برامج تنموية وعمليات بناء وإعمار للمدن المهدمة وإعادة البنى التحتية للاقتصاد الوطني وانعدام المشاريع الكبرى التي تساعد على النهوض بالاقتصاد العراقي وتطوير آفاق الصناعة والزراعة في بلد يمتلك ثاني احتياط للطاقة في العالم ولكنه يفتقد إلى إدارة سليمة وأدوات إيجابية وسياسة واضحة على المستوى السياسي والاقتصادي، ولهذا تبقى المشاكل قائمة وآفاق التغيير منعدمة وطبيعة الأداء الحكومي ضعيفا.تشير ممثلة الأمين العام إلى إحراز تقدم ثمين ولكنه ضئيل في تنفيذ الإصلاح المطلوب عبر الورقة البيضاء التي أقرتها حكومة بغداد في 12 تشرين الأول 2020 وأغفلت (بلاسخارت) أن هذه الورقة بحاجة إلى مشهد سياسي واقتصادي يتفاعل معها بحيوية وانتماء، أي أن العاملين عليها كان عليهم أن يراعوا مصلحة المواطن وتحقيق الغاية والفائدة الاجتماعية والاقتصادية التي تحقق للشعب العراقي الرفاهية والسعادة واستعادة مكانته سياسيا واقتصاديا وتعاون جميع السلطات الثلاث لتحقيق مبدأ الخروج من عنق الزجاجة التي تكبل الاقتصاد العراقي وما نلمسه على الميدان يكاد يكون معدوما بسبب انعدام القاسم المشترك والتفاهمات السياسية والبحث عن المنافع الحزبية والفئوية لأحزاب السلطة بعيدا عن أمال وطموحات الشعب.وعند الحديث عن منظومة الفساد السياسي والاقتصادي أوضحت أن هناك معركة تقودها الحكومة العراقية ضد الفاسدين والمفسدين لتعزيز البنية السياسية والشفافية والمساءلة التي اعتبرتها شعارا يصاحب عمليات الإصلاح والتغيير في بنية النظام السياسي القائم في بغداد، وهي بهذا الوصف تعتمد أسلوب المجاملة السياسية وعدم ذكر الحقائق الميدانية والأرقام الاقتصادية والاخفاقات الجوهرية في كيفية التعامل مع منظومة الفساد المستشري في العراق وهي تعلم أن المديونية المالية للعراق وصلت إلى (168) مليار دولار والعجز المالي في ميزانية 2021 يبلغ ( 50) مليار مع استمرار عمليات النهب والسرقة للمال العام وتهريب وتبيض الأموال لصالح العديد من الأحزاب والكتل السياسية التي تتمتع بحصانات وعلاقات مشبوهة تمنحهم التلاعب بمقدرات البلاد الاقتصادية وتسخير ميزانية الدولة لمنافعهم الخاصة وسياستهم الحزبية الفئوية الضيقة بعيدا عن القانون الذي أصبح لا يحاسب ولا يعاقب السراق الفاسدين، ولم تتمكن الحكومة من تفعيل القرار الوزاري المرقم 70 في 28 كانون الأول 2018 الذي بموجبه تم تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد وإصدار توجيهاتها بتشخيص رؤوس الفساد وشركات النهب العام والمؤسسات المالية التي ترعى الفاسدين وبقي دون أي إجراءات حتى جاء التصريح الأخير للناطق الرسمي لحكومة بغداد بخلو الميزانية من أي موارد مالية.أما قرار الميزانية والظروف المحيطة والخلافات بين حكومة بغداد وإقليم كردستان حول الموافقة على بنود ميزانية 2021 والخلافات بين الأحزاب داخل مجلس النواب على صيغة موحدة لإقرارها، لم تأت ممثلة الأمين العام برؤية دقيقة ورأي واضح حول الأساليب الحقيقية التي تدركها وتحاول أن تبتعد عن قولها وهي أن الميزانية المالية جاءت في ظل ظروف معقدة وتراجع كبير في طبيعة الاقتصاد الوطني العراقي وما يحيطه من مشاكل ميدانية لم تعالج في البنود المقترحة ولم تؤخذ بنظر الاعتبار كيفية تجاوزها والحد من تأثيراتها ومنها أن العراق يمر بمرحلة شديدة الخطورة تتمثل في تحديد عمليات التصدير الخاص للعراق ومواجهة حالات تسويق النفط عالميا والمحافظة على سعره، وأن حكومة بغداد لم تأخذ أي إجراءات حاسمة لمكافحة الفساد الاقتصادي والحفاظ على المال العام ومنح التنمية الاجتماعية والبشرية أهمية رئيسية في بنود الميزانية وتسريع عمليات الخدمات الاجتماعية وإعادة البنية التحتية للمدن والمحافظات التي طالتها العمليات العسكرية والضربات الجوية خلال السنوات الماضية والعمل على إيجاد وسائل عملية لمكافحة البطالة المرتفعة في الوسط الاجتماعي بحيث بلغت 40% وهذا مؤشر خطير يحتم إيجاد وسائل ومشاريع واستثمارات مالية وخدمية تستطيع فيها حكومة بغداد تشغيل العديد من قطاعات الشباب العاطلين ودعم مبدأ الحفاظ على وتيرة التصاعد التنموي الاقتصادي في مواجهة الأزمة الحالية الكبيرة.جاء حديث (بلاسخارت) حول الانتخابات القادمة في العراق ضمن إطار الدور المساعد الذي تقوم به الأمم المتحدة ودعمها للعملية السياسية في بغداد وتشجيعها على إجراء الانتخابات ضمن رؤية أممية تعمل على إيجاد مراقبة دولية واشراف أممي يساعد على منع عمليات التزوير التي تقوم بها الأحزاب والكتل السياسية المتسلطة والمتحكمة بمقاليد الحكم في بغداد وهذا ما لم يرق لبعض الأحزاب ذات الميليشيات المسلحة لأنها تعلم حقيقة الأمر أنها ستعاني من عملية الفشل وعدم الفوز بالانتخابات القادمة إذا ما حصلت هناك عملية مراقبة دولية وحضور مسؤولين عن مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة فإن حظها في العودة للسلطة وممارسة إجراءاتها وتعسفها وهيمنتها على القرارات السياسية وأسلوب الحكم ستكون معدومة أو متلاشية وهذا يشكل إخفاقا سياسيا لها ويمنعها من الاستمرار بدورها الميداني في الاستفادة النفعية واستغلال موارد الدولة المالية، ولهذا فهي تعمل بشكل مستمر على إبقاء حالة الاختلاف وعدم التوافق السياسي حول إقرار القانون الخاص بالانتخابات والجهة التي تصادق على نتائج الانتخابات وهي المحكمة الاتحادية، وهنا تدعو (بلاسخارت) الاحزاب والكتل السياسية والجهات الرقابية والسلطات الثلاث إلى الجلوس معا للاتفاق على (مدونة قواعد وسلوك) بعيدا عن سياسات الخوف والترهيب والاعتداء والاختطاف والاغتيال ، عندما تقترح الأمم المتحدة اتفاقا يؤكد على ايجاد قواعد للتعامل السياسي والسلوك الديمقراطي فهي بذلك تغفل حقيقة واقعية تبتعد عن ذكرها وهي المحاصصة الطائفية والتدخلات الحزبية وهو إشارة واضحة حول الضعف والعجز في منظومة الحكم القائمة بالعراق وعجزها عن تقديم الحماية الكاملة وتحقيق الأمن الداخلي والمجتمعي للمواطن العراقي وحمايته من أساليب القتل والاغتيال والمداهمة والمراقبة الأمنية وضعف الحكومة في التصدي لهذه الأساليب الميليشياوية وتحجيمها والقبض على عناصرها واحالتهم للمحاكم المختصة.لم تتمكن ممثلة الأمين العام من الإشارة بصورة واقعية لحقيقة التأثير الدولي والإقليمي على القرار السياسي العراقي بحكم الوجود الأمريكي والنفوذ والهيمنة الايرانية والتجاذبات السياسية بين كل من واشنطن وطهران للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة في العراق والعمل على الاستمرار بسياسة التخادم بينهما بما يخدم المصالح والمنافع المشتركة للطرفين على حساب الشعب العراقي وطموحاته وآماله في الحياة الحرة الكريمة بسبب ضعف المواجهة الحكومية لهاتين الإرادتين الدولية والإقليمية وأدواتها ووكلائها وممثليها في الداخل وصعوبة إيجاد حلول جذرية للمواجهة للحد من تأثيراتها الميدانية، وهنا تتغافل (بلاسخارت) مرة أخرى عن هذه الحقيقة عندما تشير إلى أن القيادات السياسية العراقية تسعى للحفاظ على علاقات مفتوحة خدمة للسياسات الخارجية التي تؤكد على سيادة العراق.تبقى الأمم المتحدة وعبر منظماتها ومكاتبها وممثليها في بغداد بعيدة عن مواجهة الوقائع الميدانية على الأرض العراقية وذكر الحقائق التي يتسم بها المشهد السياسي العراقي لأنها جزء مهم من عملية دعم واسناد العملية السياسية في بغداد والحفاظ على النظام الحاكم وفق أسس ومعاير دولية وتأثيرات سياسية لا يمكن لها أن تحيد عنها ولهذا تأتي جميع الكلمات والرسائل والمناقشات داخل مجلس الأمن أو عبر اجتماعات الأمم المتحدة بعيدة عن حقيقة المعاناة التي يعيشها أبناء الشعب العراقي.