رسالة
|

الحقيقة والحجة.. رسالة إلى ذوي الضحايا ومن تعرّض للظلم

د.أيمن العاني – مسؤول قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين

إلى كل من فقد عزيزًا، أو له قريب في السجون، أو تعرض هو أو أحد أفراد أسرته للاعتداء أو التعذيب أو الانتهاك أو التمييز…

إلى كل من يحمل في ذاكرته قصة ظلم، وينتظر يوما تظهر فيه الحقيقة وترد فيه الحقوق إلى أصحابها…

إننا نؤمن بأنَّ وراء كثير من الروايات المتداولة حقائق مؤلمة تستحق أن تكشف، وأنَّ ما قد يحدث داخل السجون ومراكز الاحتجاز بعيدًا عن أعين الناس قد يكون أشد قسوة مما يصل إلينا. لكن الإيمان بوقوع الظلم وحده لا يكفي لإثباته، كما أنَّ المعاناة، مهما كانت عظيمة، لا تغني عن الدليل.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين الحقيقة والحجة؛ فقد تقع الجريمة بالفعل، ويكون الضحايا قد تعرضوا للظلم، لكن غياب الأدلة أو تضارب الشهادات أو ضياع الوثائق قد يجعل محاسبة المسؤولين أمرًا بالغ الصعوبة.

ولعل ما شهدته المحاكم البريطانية بشأن انتهاكات القوات البريطانية في العراق، ولا سيما قضية مقتل وتعذيب مدنيين عراقيين في البصرة، يقدم درسًا مهمًا. ففي قضية بهاء موسى، الذي توفي عام 2003 بعد تعرضه للتعذيب أثناء احتجازه لدى القوات البريطانية، كشفت التحقيقات حجم الانتهاكات التي تعرض لها. وأظهرت هذه القضية أهمية الشهادات والأدلة الطبية والوثائق في كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية.

إنَّ الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه هو أن الاقتناع بوقوع الجريمة لا يعني بالضرورة القدرة على إدانة مرتكبيها قضائيًا. فالقاضي لا يستطيع أن يصدر حكمًا بناء على الانطباعات أو العواطف، وإنما يحتاج إلى أدلة متماسكة وشهادات يمكن التحقق منها.

لذلك، ندعو كل من تعرض هو أو أحد أفراد أسرته لأي انتهاك إلى عدم الاكتفاء بنقل المعاناة شفهيًا، بل المبادرة إلى توثيقها قدر الإمكان.

احتفظوا بالتواريخ والأسماء، وسجلوا تفاصيل الوقائع، واجمعوا التقارير الطبية والصور والمراسلات وشهادات الشهود، واحفظوا كل وثيقة يمكن أن تساعد في إثبات ما حدث. ولا تهملوا التفاصيل التي قد تبدو صغيرة اليوم، فقد تصبح غدًا دليلًا أساسيًا في قضية قضائية.

كما ندعو إلى إيصال هذه المعلومات إلى الجهات الحقوقية والقانونية المختصة، حتى تتمكن من التحقق منها، ومقارنتها، وإعداد الملفات اللازمة لمتابعة القضايا والمطالبة بمحاسبة المسؤولين.

ونؤكد ضرورة حماية الضحايا والشهود وعدم تعريضهم للخطر، وتجنب نشر الاتهامات غير المثبتة أو تداول المعلومات التي لم يتم التحقق منها.

إلى ذوي الضحايا: لا تجعلوا الألم وحده شاهدًا على ما حدث. حولوا شهاداتكم إلى وثائق، ومعاناتكم إلى ملفات موثقة، واحتفظوا بكل ما يمكن أن يساعد في إظهار الحقيقة.

فقد تضيع شهادة، وقد تنسى رواية، وقد يتعذر إثبات واقعة بعد سنوات، لكن الدليل المحفوظ يمكن أن يبقى حاضرًا مهما طال الزمن.

لا نريد روايات كثيرة بلا إثبات، ولا اتهامات بلا تحقق؛ نريد حقائق موثقة، وأدلة متماسكة، ومحاسبة عادلة.

فالحقيقة قد تكون موجودة، لكن الحجة هي التي تجعلها قابلة للإثبات أمام القضاء.

الحقيقة حق، والتوثيق أمانة، والدليل طريق العدالة.

Similar Posts