ظاهرة البطالة في العراق الأسباب والنتائج
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تتصف البلدان المتقدمة والمجتمعات المتطورة أنها تمتلك القدرة على تحقيق التوازن الاجتماعي في حياة شعوبها عبر العديد من البرامج التنموية والمشاريع الاستراتيجية وبناء المصانع وتشييد المعامل وتحقيق نهضة صناعية واسعة تساهم في تشغيل العديد من الشباب الواعي من الكوادر الفنية والتعليمية الذين أكملوا دراستهم وتعليمهم في الجامعات والمعاهد الدراسية ولديهم القدرة على الإبداع والإنتاج وتحقيق النهضة الإصلاحية في بلدانهم.
ان تعزيز الآفاق الاقتصادية تمر عبر مراحل عديدة أهمها إيجاد البرامج التنموية والدراسات الميدانية والبحوث الاقتصادية التي تكون رافدًا مهمًا في تعزيز قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين ودعم الإنتاج الوطني وبناء قاعدة اقتصادية متينة وبنية تحتية سليمة تساهم في اتساع رقعة الاقتصاد الوطني وتطوير وسائل الإنتاج لدى القطاع العام ليكون منافسًا حقيقيًا للقطاع الخاص بكل تشكيلاته ومؤسساته.
تعتمد إدارة الاقتصاد على محاور مهمة تتضمن تحقيق الاكتفاء الذاتي وتنمية القدرة الإنتاجية وتوسيع مسارات العمل وإعطاء الدعم لجميع الكفاءات العلمية والتقنية في سبيل تحقيق أفضل السبل التي تبني بلدًا قائمًا على أسس وركائز متينة من الاقتصاد الوطني يكون رافدًا لتحقيق الاستقلال السياسي والإرادة الحقيقية في بناء البلاد.
ومن العوامل الذاتية والميدانية التي تؤخر عملية التنمية وتحقيق النتائج الإيجابية في بناء المجتمع هي عدم وجود الفرص الكفيلة لتشغيل قطاعات مجتمعية مهمة ومنها شريحة الشباب الذين يعتبرون القاعدة الأساسية لبناء البلاد وتحقيق الازدهار والتقدم في كافة مجالات الحياة، وهذا ما عاناه العراق بعد الاحتلال الامريكي في التاسع من نيسان 2003 وما تلته من أوضاع مأساوية وإخفاقات اقتصادية وضياع لثروة البلاد وتهريب للعملة وسرقة للمال العام وفساد اقتصادي وإداري شهدتها مؤسسات الدولة، ولم تتمكن الحكومات المتعلقة من إيجاد الحلول الجذرية لمواجهة ظاهرة البطالة التي انتشرت في المجتمع العراقي وأصبحت تشكل عبئًا كبيرًا على الواقع الذي يكابده أبناء الشعب العراقي.
يشكل موضوع البطالة وأسلوب معالجتها أهمية أساسية في تنمية وإعمار العراق بسبب العلاقة المتبادلة بين الأسلوب التنموي والاستراتيجية العامة للتطور الاقتصادي والاجتماعي، المتمثل بتنمية الموارد البشرية وتهيئة الوسائل الكفيلة لتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والسكن التي تهدف إلى تنمية وتطوير قابليات الأفراد، وأن زيادة عدد السكان وارتفاع معدلات نموه تشكل عبئًا اقتصاديًا على كاهل الاقتصاد الوطني إذا لم تصاحبها أدوات ووسائل للتطوير وإيجاد فرص للعمل لتنمية أنشطتها الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالعراق، وبالرغم من امتلاكه موارد طبيعية وزراعية واقتصادية يقابلها نمو في السكان، لكن هنالك قصور في إمكانية استغلال هذه الموارد بالشكل الذي يعمل على الاستخدام الأمثل لقوة العمل، حيث تفاقم ظاهرة البطالة في الاقتصاد العراقي، الأمر الذي يتطلب رسم سياسة تنموية تضمن تشغيل الأيدي العاملة لسد احتياجات التنمية بما يتلاءم مع الموارد والقدرات المتوفرة لمعالجة عدم التوازن التي أفرزتها ظاهرة البطالة بكافة أشكالها وما تمثله من ظواهر سلبية تنعكس على عملية النمو، مما يتطلب إعادة النظر في هيكل الموارد البشرية لضمان الاستخدام الأمثل للأيدي العاملة، وتلبية الاحتياجات من المهن وديمومة مسار عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق.
لقد كانَ لتردي عمليات الإنتاج وازدياد نسب التضخم في الاقتصاد العراقي، الأثر المباشر في تدني الاستثمار، الأمر الذي أدى بالمقابل إلى زيادة البطالة في كافة أنواعها وخصوصاً فئة الشباب الذين تقع أعمارهم (15) سنة فما فوق الذين يشكلون النسبة الأكبر من إجمالي السكان النشطين اقتصادياً.
يتزايد أعداد خريجي الجامعات الذين لم يتمكنوا من الحصول على وظائف بسبب عدم وجود رؤية حقيقية لدى الحكومات لمعالجة مشاكلهم مع استمرار احتجاجات الشباب العاطلين عن العمل في محافظات عراقية عديدة، لتصل إلى إغلاق مؤسسات الدولة ومقار الشركات النفطية في جنوبي العراق، على الرغم من تعهد الحكومة بالعمل على الحد من البطالة والفقر في البلاد.
ووصلت نسب البطالة في العراق أرقامًا كبيرة وتعتبر محافظة نينوى من أكثر المحافظات العراقية التي تنتشر فيها ظاهرة البطالة بنسبة 33٪ تليها محافظة المثنى بنسبة 27٪ ثم محافظة ذي قار بنسبة 26٪ واخيرًا محافظة البصرة تشكل النسبة فيها 22٪.
وضمن إحصائية عددية وعبر دراسات ميدانية تم إعدادها من قبل شركة ( ستاتيستا) الألمانية المتخصصة في معالجة بيانات السوق والمستهلكين في العالم، فإن العراق شهد ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات البطالة لسنة 2023، حيث بلغت نسبة ارتفاع البطالة 3،31٪ ونسبة ارتفاعها بين الشباب 15،56٪، وتم تحديد ارتفاع نسب ظاهرة البطالة منذ عام 2004حيث كانت 8،71 لترتفع إلى 13، 02٪ عام 2018، وهذا ما يدلل على حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي مرت علي العراق بعد الغزو الأمريكي وعدم وجود آليات حقيقية وانعدام الرؤى في تحديد مسارات إيجابية لمعالجة الإخفاقات الاقتصادية وتسخير ثروات البلاد للبناء والإعمار.
تتطلب معالجة مشكلة البطالة جهدًا مشتركًا من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ويجب على الحكومة تبني إستراتیجیات واضحة لتعزیز النمو الاقتصادي، ودعم قطاع الأعمال والقطاع الخاص وأصحاب الشركات للتعاون في توفیر فرص العمل للشباب.
تعد ظاهرة البطالة في العراق مشكلة وآفة اقتصادية واجتماعية، تعطل القدرات البشرية، وفرص النمو والرفاه الاقتصادي، وتسبب العجز في البنى الاقتصادية الاجتماعية للبلد، وازدادت خطورتها في العراق بعد عام 2003 ودخول البلاد في خضم صراعات سياسية واتباع أسلوب المحاصصة الطائفية في هيكلية الدولة مما يستدعي العمل على مواجهتها ووضع الحلول التي تخفف من تأثيرها في كل مناحي الحياة للنهوض بواقع الاقتصاد ومواكبة التطور العالمي.
ووصلت البطالة في العراق حدًا لم يعرفه من قبل، على الرغم من ثروته النفطية الهائلة ووفرة أراضيه الزراعية، وأكثر من عانى من البطالة هم خريجو الجامعات والمعاهد وذوو المؤهلات الفنية والتقنية.
ويعتمد الاقتصاد العراقي على القطاع النفطي الذي يعد المرتكز الرئيس والأساس لاقتصاد البلاد، وما زال الاقتصاد ريعي، لذلك سيعجز القطاعان العام والخاص عن تحريك القطاعات الحقيقية الزراعية والصناعية والخدمية والتجارية والسياحية والاستثمارية وهي الأمل الوحيد لامتصاص البطالة الحالية.
ومن أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم مشكلة البطالة في العراق وطرد رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية والوطنية، عدم الاستقرار السياسي والتدهور الأمني وانتشار الجريمة وغياب التخطيط الاقتصادي العلمي الصحيح والمحاصصة وتعرض العراق إلى أزمات أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وزادت نسب البطالة لعدة أسباب أهمها، فشل برامج التنمية والاهتمام بالجانب الاجتماعي بالقدر المناسب وتراجع الأداء الاقتصادي وعدم توفير فرص العمل بالقدر الكافي وتراجع دور الدولة في إيجاد فرص عمل في مؤسسات الدولة والمرافق العامة وانسحابها تدريجياً من ميدان الإنتاج وضعف دور القطاع الخاص، وعدم معالجة
زيادة السكان في العراق بإيحاد برامج فعال لمعالجة البطالة والتحكم الايجابي بعدد العاملين والتقليصات في تعيين الخريجين وتراجع التخطيط التعليمي وتدني ربط المؤسسات التعليمية بسوق العمل وعدم قدرة القطاع الخاص على استيعاب البطالة مما أدى إلى رفع معدلات البطالة.