الرِّفعةُ والسُّعود في تبيان معنى الجُحود
الشيخ عبد المنعم البدراني
الجحود ليس من أعمال القلوب، فإن شرط الجاحد أن يكون مستيقناً من الشيئ في باطنه، ولكنه منكرٌ له في ظاهره.
ومنه قوله تعالى مخبراً عن فرعون وقومه في سورة النمل :((وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (14)
الأولى :قوله تعالى:((وَجَحَدُواْ بِهَا)) والهاء في ((بِهَا)) أي دعوة سيدنا موسى عليه السلام لآل فرعون إلى التوحيد وكلمته العليا:”لا إلهَ إلاّ اللَّه”
والجحود هنا هو التكذيب بها ظاهراً بالقول والعمل.
الثانية:قوله تعالى:(( وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ)) فالنفوس مستيقنة من صدق سيدنا موسى بالباطن، ولم ينفعهم ذلك التصديق الباطني لأنه لم يُصَدَّقْ بقول الظاهر، وهو عمل اللسان، ولا بعمل الظاهر، وهو عمل الجوارح، وبهذا ردٌّ على كل من ترك العمل بالفرائض ولم يجتنب المُحرَّمات، بحجة أن الإيمان قلبي، وأنه يصدق بالشرع باطناً، فإن التصديق بالباطن يجب أن يقوم عليه دليل في الظاهر وهو عمل اللسان وعمل الجوارح، بناءْ على ما أجمع عليه سلف هذه الأمة بأن الإيمان
إقرار باللسان
واعتقاد بالجَنان
وعمل بالجوارح
الثالثة: قوله تعالى:((ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ)) وهما دافعا الجحود، فكل جاحد ظالم لنفسه ولغيره، ومتعالٍ ومتكبِّرٌ على الإنصياع لدعوة الحق والعدل والفضيلة.
الرابعة :قوله تعالى:((فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (14)) فوصف الله أهل الجحود بالإفساد في الأرض، وكان عاقبتهم الويل والثبور والهلاك، وهو مصير كل جاحد للحق ودعوة الحق التي جاء بها أنبياء الله تعالى ومرسلوه.
ومن ذلك قوله تعالى لرسوله سيدنا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام :((قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)).
وهي تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعلم أن تكذيبهم له ليس عن يقين في نفوسهم، وإنما هم مستيقنون من صدق ما جاء به من الحق، ولكن الظلم والكِبْرَ هو الذي دعاهم إلى جحود ما جاء به من الحق والشرعة والمنهاج، فكان مصيرهم مصير فرعون وجنوده، فإن أغلب رؤوس الجحود والطغيان في مكة وغيرها قد هلكوا بالقتل وختموا أعمارهم بالخزي والعار والشنار.
واليوم، فإن أهل الجحود من أهل الكتاب والكفار والمشركين وعملائهم من المرتزقة والمنافقين أدعياء الإسلام سوف يلقوْنَ المصير ذاته الذي لقيه فرعون وجنوده، وأبو جهل وزبانيته، من الخزي والعار في الدنيا والآخرة، وإن ذلك ليس على الله بعزيز.