الشيخ الزنداني والعلامات الفارقة (1)
” بين يدي العلامات الفارقة “
بقلم : الخضر الشيباني *
الحديث عن فضيلة الشيخ المجاهد عبد المجيد بن عزيز الزنداني _ رحمه الله _ حديث مترامي الاطراف يصعب حصره والاحاطة به في مقام واحد.
فالشيخ _ رحمه الله وأعلى منزلته _ كان كبيرا في همته كبيرا في طموحه كبيرا في رؤيته كبيرا في مشاريعه وإنجازاته العلمية والفكرية والتربوية والدعوية والسياسية كبيرا في صبره على القريب والبعيد سواء اتفق معه أم اختلف وسواء بادله الود أو أظهر له العداوة وقلما يوجد في الرواد والقيادات من يجمع كل هذه الصفات في جسد واحد إلا من اختصهم الله واختارهم لحمل دينه ورسالته.
قال تعالى : ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) الأنعام : 124 .
إن من يقرأ ويتأمل في مسيرة الشيخ لنحو من 60 عاما من عمره الذي تجاوز الثمانين بسنتين ( 1942 _ 2024 م ) يجد له علامات وميزات فارقة جعلها الله _ عز وجل _ أسبابا لهذا القبول الذي وضعه الباري جل وعلا لهذه الشخصية الاستثنائية كما يقال.
وما أكتبه في هذه السطور هو غيض من فيض وسطور معدودة في مقابل الأسفار التي يمكن أن يكتبها عنه أقرانه وزملاؤه وطلابه ومن عايشوه في محطات حياته كلها في داخل اليمن وخارجها بل وفي العالم كله.
ولا أكتب هذه السطور تقليدا أو مجاملة لذويه أو محبيه بل وفاء لشخصية أحسب أنها كانت ممن أثرت وغرست في نفسي حب العلم والعلماء وحب الدعوة إلى الله والدفاع عنهم وحب تسخير الإمكانات والطاقات لخدمة الدعوة للإسلام وأهله فجزاه الله عني وعن أمثالي خير الجزاء ونسأل الله العون والثبات حتى الممات.
لقد كان أول معرفتي بالشيخ الجليل في منتصف الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي وكنت حينها أقيم مع والدي _ رحمه الله وأعلى منزلته _ في مدينة عنيزة من بلاد القصيم السعودية _ أعزها الله بنصرة دينه وأوليائه _ حيث سمعت شريطا (تسجيلا صوتيا) لمحاضرة ألقاها الشيخ عبد المجيد _ رحمه الله _ أيام ما كان في جامعة الملك عبد العزيز _ رحمه الله _ في مدينة جدة السعودية.
وكان يتحدث فيها عن الإيمان والتوحيد وتهافت حجج الملحدين بلغة سهلة وأمثلة مبسطة محببة ما زال وقعها وصداها يملأ إذني حتى هذه اللحظة مع أنني كنت حينها صغيرا لم أتجاوز الصف الثالث الإعدادي إلا أن اهتمام والدي _ رحمه الله وجزاه عني خير الجزاء _ بالدعوة وأخبار الجهاد في أفغانستان ومجلات الدعوة وكتبها كان محفزا كبيرا فحفزني ذلك الجو بعد ذلك الشريط لمتابعة الشيخ وأخباره.
ثم حصلت على شريط مرئي مصور (فيديو) قبل الغزو الفضائي بالبث المباشر والصحون اللاقطة (الدش) فيه حلقات برنامج (إنه الحق) وموضوعه الإعجاز العلمي في القران الكريم.
وفي مقدمة البرنامج افتتاح بالآية الكريمة وهي قول الله عز وجل:
( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم إنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) فصلت : 53 .
وكان الشيخ _ رحمه ورفع منزلته _ يختتم بها كذلك كل حلقة من البرنامج بصوته الجهوري العميق.
وكان هذا البرنامج مما حبب إلي مجال الإعلام وتسخيره للدعوة إلى _ الله عز وجل _ . ثم استمرت متابعتي لأطروحات الشيخ حول أوضاع اليمن والدعوة وقضايا العالم الإسلامي من خلال مقابلات في مجلة المجتمع الكويتية والمستقبل الإسلامي السعودية والبيان اللندنية ثم السعودية والنور والصحوة اليمنيتان وغيرها من المنابر الإعلامية الدعوية التي كان يزخر بها العالم العربي أيام الاعتزاز بالدين والفضيلة ورفع راية الحق والعدل ونصرة المستضعفين المسلمين في كل مكان.
وكان من أبرز ما أفرحني بعد ذلك بسنوات _ وكنت في نهاية المرحلة الثانوية _ خبر العزم على إنشاء جامعة الإيمان للعلوم الشرعية بمنهج علمي يهدف إلى تخريج علماء متمكنين في تخصصاتهم خلال 10 سنوات ولا أزال أتذكر تلك الأوراق المصورة التي أوصلها لنا أحد الإخوة الأفاضل من مشروع الجامعة بتصاميم بسيطة قياسا لما وصلت إليه التصاميم الإعلامية اليوم .
لكن إذا أراد ربك شيئا هيأ أسبابه فكانت جامعة الإيمان في صنعاء اليمن خلال سنوات بناء شامخا على الأرض يضم الآلاف من الطلاب من مختلف أنحاء العالم الاسلامي ومن أوروبا وأمريكا بعد أن كانت فكرة _ وربما شبه حلم _ في ذهن وقلب رائدها الشيخ الزنداني وإخوانه من المشايخ الرواد الكرام.
وكانت أول خطواتي في اليمن بعد العودة إليها عام 1998م زيارة الجامعة والبحث في إمكانية التدريس فيها فكان لقائي بنائب رئيس جامعة الإيمان وصاحب الشيخ وأحد رفقائه في الدرب _ الذين يذكر أحدهما بالآخر _ ألا وهو فضيلة العلامة الدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي _ رحمه الله _ الذي لا زلت أتذكر حفاوته وبشاشته وتلطفه في الاعتذار لي بسبب إيقاف توظيف خريجي البكالوريوس من خريجي الجامعات في السعودية بعد أن كانوا محل التركيز في البداية بسبب توفر أغلب احتياجات الجامعة وقتها .
ولعله خير فقد حرمني الله _جل وعلا _ هذا المسار ليمنحني مسارا آخر قدره لي ولم يكن بعيدا عنه في الاهتمام العلمي والدعوي وإن كان بعيدا عنه في المكان والرؤية.
فالتحقت للعمل بعده بأسابيع في عمل مؤسسي آخر يستحق أن يسمى (جامعة الحكمة) ألا وهو جمعية الحكمة اليمانية الخيرية في مدينة تعز الحبيبة _ زادها الله عزا ومجدا _ وما زلت فيها حتى اليوم ولذلك حديث آخر لعلي أسرده في مناسبة أخرى _ بإذن الله ومشيئته إن كان في العمر بقية.
وعودا على بدء:
إن العلامات الفارقة التي أود تذكير القارئ الكريم بها والتأكيد عليها هي محاولة متواضعة للجواب على سؤال:
لماذا حظي الشيخ بعد توفيق الله وعنايته بهذا القبول الذي شهدناه عند نقل خبر وفاته _ رحمه الله تعالى _ ؟
وما الذي جعل الملايين يرفعون أكفهم بالدعاء والترحم عليه.
وجعل الآلاف الأقلام وحسابات التواصل تترنم بذكر مآثره ومحاسنه التي جاد بها القريب والبعيد الصديق والعدو الصغير والكبير الرجال والنساء فذكرنا ذلك بسير العظام من العلماء العاملين في تاريخ الأمة الإسلامية المجيدة.
وهي من بدايتها إلى نهايتها اجتهاد بحسب متابعتي لحياة الشيخ وأعماله ومن خلال استقراء مواقفه واحتكاكي الفكري والثقافي مع طلابه وأعوانه من المشايخ الكرام في الجامعة ومعايشة محطات محددة من مواقف الشيخ تجاه بعض الملفات خاصة في العاصمة صنعاء التي انتقلت للعمل فيها بعد عقد من الزمان وتحديدا من 2003 م وحتى خروجي منها عام 2014 م قبل أسبوع من دخول عصابة الحوثيين المجرمة العاصمة صنعاء.
ومما يستفز ذاكرتي أنه كان للشيخ يد في تلك المغادرة بوصية مباشرة لي ولبعض الأفاضل الذين قصدوا الرئيس السابق ناصحين سعيا لجمع الكلمة وإصلاح ذات البين وما زلت محدقا في وجهه بعد تلك المقابلة وأخبرناه بما جرى لنا فقال ما معناه :
” أرى أن الوضع قابل للانفجار فغادروا صنعاء ولا تتأخروا ” وقد صدق ونصح والله.
وبارك الله في العمل الدعوي الذي كنت فيه خارج صنعاء واستمر.
مع عظم ما فقدناه من الاستقرار وتوقف بعض الطموحات نتيجة مغادرة العاصمة والحمد لله فالخيرة فيما أختاره الله
وجزى الله شيخنا الملهم خير الجزاء.
ولأنني لا أقصد الحديث عن تجربة شخصية في هذا السياق بقدر ما أود لفت نظر القارئ الكريم والأخت الكريمة لمواطن الاقتداء والأسوة في حياة هذا العلم الجهبذ فسوف أترك للقلم الذي خذلني في اليومين السابقين عن التعبير عن شعوري الشخصي بفقده أن يسجل ما ألهمني به الباري _ عز وجل _ بعد تأملات ما بعد الصدمة الأولى مما بقي في الذاكرة ومما أحسبه بمثابة الوصية التي أوصى بها الشيخ محبيه وطلابه بها بلسان حاله ولسان عمله دون لسان مقاله.
وهكذا هم الرواد ستبقى حياتهم وسيرتهم مدارس تعلم وتربي وتوجه وتنصح من بعدهم بقدر ما شاء الباري جل وعلا.
وإلى العلامة الفارقة الأولى في الحلقة الثانية إن شاء الله تعالى.
رحم الله فضيلة الشيخ المجاهد عبد المجيد بن عزيز الزنداني وغفر لنا وله وجمعنا به في مستقر رحمته ودار كرامته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
*كاتب وباحث يمني ..