جهاد النفس وثبات الموقف
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تمنح الأمة أبناءها رموزاً حية لها وتقدمها هدية زاهية تحمل في طياتها رونقًا وبهاءً للشخصية القيادية ونبع وأصالة انتمائها وضياء وجودها والدافع الحقيقي لاحتضانها واستمرار وهج عطائها، لأنها تشكل الأمل المنشود والهدف الأسمى في تحقيق أمل الجماهير المكافحة من أجل حريتها واستعادة كرامتها وحفظ حقوقها والنضال من أجل وجودها واحترام إرادتها وصون تاريخها وتعزيز مكانتها بين الشعوب والأمم الحرة، هذه الشخصية القيادية لها سماتها من الحكمة والرزانة ورجاحة الفكر والمبادئ والقيم العليا وحسن الإدارة والتدبير والعطاء والتضحية التي تشكل عنصرا رئيسيا في مفهوم قيادتها للأحداث وكيفية معالجة الأزمات وإيجاد الحلول الجذرية لحماية المجتمع وسيادة القانون واحترام إرادة الإنسان المكافح المجاهد من أجل بلده وحريته، ونحن إذ نقف أمام هذه المعطيات الكبيرة والأهداف السامية والمبادئ العليا نستذكر وبكل إجلال وإكبار الذكرى التاسعة لرحيل شيخ المجاهدين ورمز المقاومة العراقية الوطنية فضيلة الدكتور الشيخ حارث الضاري رحمه الله بعد أن ودع أحباءه وأبناءه وشعبه في الثاني عشر من شهر آذار ٢٠١٥ وهو في أوج عطائه وثباته وإيمانه الكبير بقدرة شعبه على تحقيق النصر المؤزر على أدوات وأذناب الاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني وتطهير الأرض العراقية من رجس أعداء الوطن والأمة بعد أن أسس لركائز مهمة وثوابت رصينة لمفهوم الكفاح الوطني والنضال الشعبي والكلمة الحرة الأصيلة وقول الحق والجهاد في سبيل تحقيق الغايات العليا والأهداف السامية والدفاع عن حرية العراق ومواجهة الخونة والعملاء ، واتسمت أفكاره النيرة بحسن الإدارة والقيادة والتوجيه فقد كان حاضنًا لأبنائه وإخوانه من المجاهدين باذلًا ساعيًا في عطائه الفكري والعلمي في تنوير عقول المحبين والقريبين إليه.
ومن معاني الوفاء والأصالة والثبات على المبادئ والتمسك بالقيم السماوية والروحية والأخلاقية أن نتذكر بأسمى آيات الاحترام والتقدير الدور الريادي الذي قام به الشيخ المجاهد حارث الضاري في رفع شأن الأمة والتمسك بتاريخها وحضارتها الإنسانية والدفاع عن أهدافها وقيمها وحفظ مكانتها بين الأمم، وعلينا التوقف عند محطات كبيرة المعاني عميقة الدلائل لنؤكد فيها حقيقة ما قدم وضحى وكابد شيخنا الجليل من أجل عزة وكرامة العراق الحبيب واستمرار الحياة الكريمة لأجياله فهو من قاوم وقارع الاحتلال الأمريكي بالسلاح والكلمة الصادقة وكان ثابتا على المبادئ والقيم الإسلامية والعربية شامخًا وسدًا منيعًا أمام جميع المؤامرات والتحالفات التي أرادت النيل من سيادة العراق.
اتسمت شخصية الدكتور الضاري بسجية الكفاح وفطرة الشجاعة وكان مدافعًا صلبًا متمسكًا بعرى التقوى صادقًا مع الله ورسوله مؤمنًا بأن النصر قادم والعراق سيتعافى، حياته حافلة بالعطاء والجهاد والتصدي للمحتلين الأمريكان وقوله الحق في المواجهة والدفاع عن العراق، يعتبر الشيخ المجاهد الضاري من أبرز القيادات الوطنية التي قاومت الغزو الأمريكي وركز في جميع لقاءاته والمؤتمرات والحوارات التي حضرها على قضية وحدة العراق داعيًا الجميع للوحدة والتراحم والصفح وتحقيق العدالة الاجتماعية والتماسك المجتمعي من أجل مستقبل العراق لأنها تشكل في فكره المشرق المهمة الأولى في إزاحة الاحتلال الأمريكي حيث دعا جميع القوى السياسية الوطنية على تبني مشروع سياسي باسم (القوى الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال ) وحدد المشروع بأربع أسس هي (رفض الاحتلال ورفض التعامل مع نتائجه مع تبني القوى الوطنية لمشروع استراتيجي يعمل على انهاء الاحتلال والعمل من أجل عراق موحد).
هي شذرات مضيئة ومبادئ نيرة وأهداف مشعة ومواقف ثابتة رصينة ساهم في تعزيزها ورسم ملامح أصولها الشيخ المجاهد عندما أكد على أحقية الشعب العراقي في التحرير وطرد الغزاة والتمسك بأحقيته في الدفاع عن بلده عندما خاطب أبناء شعبه في الذكرى الأولى الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان ٢٠٠٤ في خطبته من منبر جامع أم القرى عندما خاطب الامريكان بكل شجاعة وإيمان قائلا( افعلوا ما شئتم …شعب العراق كبير وشعب العراق فيه البركة وشعب العراق طويل النفس وإن هذا الشعب الصامد ثابت على مطلبه وهو تحرير بلده وأن العراقيين عاقدون العزم على أن يواصلوا الكفاح بشتى أنواعه من أجل إخراج هذا العدو المحتل)، أعطى مفهومًا راسخًا بمنحه المقاومة العراقية الوطنية قدرًا كبيرًا ورسم لها طريقًا واضحًا في الكفاح والمطاولة ضد قوات الاحتلال الأمريكي بأحقية الشعب العراقي ضرب جميع أدواته وأماكنه وتواجده على أرض الوطن وإن المقاومة العراقية هي مقاومة أصيلة وحقيقية وجدية ولها أهدافها ومبادئها التي تقاوم إنهاء الوجود الأجنبي وبكل مسمياته واستخلاص السيادة والاستقلال لهذا البلد الجريح المسلوب السيادة والإرادة، واتسمت آراءه بالرؤية الثاقبة والاستشراق الإيماني الذي كان أهم المميزات التي اتصفت بها شخصية الشيخ المجاهد الضاري عندما كان دائما يؤكد على أن الأمريكان سيخرجون اليوم أو غدًا عاجلًا أم آجلًا هذا هو قدر الله وهذه إرادة الشعوب المحتلة عبر التاريخ وأنها مستمرة وتزداد صلابتها وقوتها باستمرار تواجد الاحتلال فلا مهادنة ولا استسلام للعدوان والاحتلال بكل أنواعه وأشكاله حتى يتم التحرير الكامل للعراق أرضًا وشعبًا.
عندما يكون مستقبل العراق بيد أبنائه الشرفاء المقاومين والمتصدين للاحتلال الأمريكي وأدواته والساعين لتعزيز الوحدة الوطنية وتعميق رباط النسيج الاجتماعي لأبناء العراق بعيدًا عن الطائفية والمحاصصة السياسية نكون أمام رؤية صادقة رسم معالمها الثابتة الشيخ الضاري عندما رأى أن المستقبل المشرق للعراق لا يقصي أحدًا على أن تناط فيه الأمور لأهل الكفاءة وذوي القدرة على تجاوز المحنة وإعادة أعمار البلاد دون النظر للطائفة والعرق ويكون قوامه التداول السلمي للسلطة بوسائل مشروعة ويحظر فيه أي عمل سياسي يعتمد طائفية أو عرقية والاتفاق على دستور جديد للبلاد يحفظ حقوق الجميع بعيدًا عن حراب الاحتلال وأطماع الطامعين وعدم الرضوخ للمشاريع التي تعد دوليًا وإقليميًا والداعية لتقسيم البلاد والتمسك من قبل العراقيين الشرفاء بوحدة بلادهم ومنع أي عمليات ممنهجة وداعمة للتقسيم بحجج واهية وغير فاعلة تدعو لتمزيق البلاد وزيادة معاناة أهله.
تبقى شخصية الشيخ المجاهد الضاري من الشخصيات الوطنية البارزة التي اتسمت بالثبات على المبادئ والقيم التي تربى ونشأ عليها أثناء دراسته ومراحل صباه وشبابه وتفوقه العلمي في كافة مراحل الدراسة التي عاشها أو التي مر بها وعمله في العديد من المؤسسات التربوية والعلمية وكليتي الإمام الأعظم والشريعة وحرصه على التفاني والعمل من أجل إرساء مبادئ العقيدة الإسلامية والسنة النبوية الشريفة وإيمانه وثقته العالية بقدرة الشعب العراقي على تحقيق المعجزات في مواجهة الاحتلال الأمريكي والنفوذ والتمدد الإيراني وقناعته الراسخة بكفاح وجهاد أبناء العراق الغيارى وقدرتهم على طرد المحتلين من أراضيه واستعادة كرامته ومكانته بين الأمم.