أكبر دشداشة أم أكبر تحول

(مبحث سايكولوجي)

الناقد أدهم الشبيب

الدشداشة قطعة الزي العربي الشهيرة، رمزية الشخصية العربية في أفلام هوليوود “المسيئة” برفقة العقال، ليس الترميز بها ينقصنا شيئا بل هو مصدر اعتزاز كما يعتز كل بلد بزيّه وتقاليده، ولكنّ لباس المدينة وأبنائها الرسمي لم يكن يوما هو الدشداشة في المدارس والدوائر والجامعات، وإنما هي لباس المناطق الريفية المحيطة بها ولم يلبسه أهل المدن إلا في صلاة الجمعة وبعض المناسبات.

فإذا كان معنى طغيان الدشداشة على اللباس المدني هو طغيان ثقافة الريف على ثقافة المدينة فلا انتقاص ولا بأس ولكن هنا لنا وقفات مهمة نقيم بها انتشار هذا الأمر على غيره؛ فلماذا تطغى عادات الريف في العلوم المتأخرة والدراسة البدائية -والذي هو دائما لصالح المدينة- بينما لا تطغى ثقافة الريف الزراعية والخضراء وهي هنا لصالح الريف ولخير المجتمع، ولماذا لم تطغ الثقافة الريفية بما تحمله من معاني النقاء والفطرة والشهامة والتآلف والتكاتف وإنما طغت مفاهيم المدينة الأنانية المنعزلة والمتنافرة على الأغلب ، فامتدت إلى الريف.!

ولا أسجل اعتراضا هنا يسجله عموم الناس وهو بروز تحكم رجال الأرياف بمصائر أهل المدن سياسيا في العهد الجديد، فالمجتمع المدني أصله ريفي وهناك صلة دم ومصاهرة، والحق إنه وإن كان أمر تولي أهل الريف مفاصل التحكم في المدن يقلل من فهم الحاجة المجتمعية المدنية من بنية تحتية وتطوير عمراني وتحسين الأجواء ، فابن الريف على سبيل المثال لا يبهره في المدينة خضرتها وتشجيرها لأنه اعتاد ذلك و ملّه ولكن ابن المدينة تبقى في نفسه الحاجة إلى منظر البساتين البهي وهوائها النقي فترى المهندس الريفي يميل لإكثار الخرسانة والمقرنص والإسفلت بينما يحرص المدني على إكثار الطبيعة في مدينته والمساحات الخضراء ، وذلك من منظور لعلم النفس يقول إن “الإنسان يميل في حاضره ومحيطه الجديد إلى تعويض ما افتقده في ماضيه ومحيطه السابق”،

وهذا يفسر لك تحجر مدننا اليوم وجفافها واقتصارها على الشواهق العمرانية والأرصفة الإسفلتية والبيوت الخالية من الحدائق مع شمس صارخة وحر قاتل حتى فاقت درجات الحرارة معدلاتها عما سبق بشكل ملحوظ.

ولكني أريد أن أسجل وألفت إلى أمر أهم هو كيف تأتّى أن رجال المدينة يعودون للاعتزاز بلبس الريف المتستر الجميل بينما نساء الريف نزعن إلى أزياء المدينة الأكثر تحررا ومعهن نساء المدينة أيضا ، ولماذا الدشداشة الرجالية وحدها هي التي صارت مصدر الاعتزاز ، فهلا اعتززتم بـ (الملفع) البناتي الريفي الذي قام مقام الحجاب لعقود وستر نحور بناتنا ثم اندثر، والـ (چرغد) النسائي الريفي الذي غطى شعور نسائنا وجيوبهن ثم اختفى أو ندر ، وأين جلابيهن الزاهية الوقورة وجواربهن الطويلة المستورة ، فلولا كان الأمر عدلا ومساواة في الأقل فكما تحتفظون بهذا تحتفظون بذاك، أم هي دشداشة الرجال وحدها الأهم وهي التي ستدخلنا كتاب غينيس وموسوعته، بينما تخرجنا أزياء النساء من كتاب الله وموسوعة رحمته .

Similar Posts