رمضان شهر التوبة في حق الفرد والجماعة

بقلم : مضر أبو الهيجاء

من مميزات رمضان باعتباره الركن الرابع من أركان الإسلام، أنه يحقق حالة وحدة الأمة الإسلامية المرتكزة على الوحدة الثقافية والتي يشكل القرآن الكريم والسنة المشرفة ركيزتيها الأساسيتين.

فكيف يمكن أن تنعكس ظلال تلك الوحدة في واقع الأمة الإسلامية مع كل رمضان مبارك تعيشه شعوبنا العربية والإسلامية المرتبطة بالدين؟

دون أدنى شك فإن ظلال رمضان تتشعب في مناحي كثيرة لترسم بركة الشهر المبارك الذي أنزل فيه القرآن، وذلك على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع.

ولعل مفهوم التوبة وسلوكها يعتبر من أهم وأبرز ظلال رمضان المبارك، حيث نلمسه في أنفسنا ومحيط أهلنا وأحبابنا وجيراننا، إذ يجسر رمضان الهوة بين الاخ وأخيه وبين الجار وجاره المتشاحنين، وبين الفقراء والأغنياء المتباعدين، وقس على ذلك في كل الأوساط الاجتماعية.

فإذا كانت تلك الأشكال تجسد سلوك التوبة الفردية، فكيف تتجسد سلوكيات التوبة الجماعية والمجتمعية؟

إن أشكال التوبة الجماعية والمجتمعية هي الأهم والأبرز والأكثر فاعلية ونجاعة في تغيير الواقع البشري عموما والإسلامي خصوصا، ويدل على ذلك أن الخطاب القرآني في عمومه خطاب جماعي، سواء في خطاب الأمر والنهي، أو في النصوص المشيرة إلى استحقاق النصر أو الهزيمة والهلاك، وهو سلوك مفقود في شهر رمضان المبارك منذ عقود طويلة تعيش أمتنا فيها أوضاعا كارثية!

وتوبة الجماعة تختلف عن توبة الفرد في شكلها ومضمونها وإن توحدت في أهدافها، حيث توجب التوبة الجماعية اقلاع الجماعات والتنظيمات والحركات والأحزاب الدعوية والسياسية والجهادية عن خياراتها الخاطئة أو الضالة أو المنحرفة، ولو في أحد زواياها التي تورث الخيبات والخسارات والهزائم، كما تورث الخصام النكد والشقاق بين الجماعات العاملة في نفس المسار والمنطلقة من نفس المنطلقات الرسالية!

ومما يشير إلى التوبة الغائبة في واقع الجماعات والحركات والتنظيمات الدعوية والسياسية والجهادية هو عدم مراجعاتها لأفكارها التي تتبناها، وعدم مراجعاتها لسياساتها التي تنتهجها وأحلافها التي تبنيها، وعدم مراجعاتها لمواقفها التي تتخذها تجاه الدول والحكومات والأحزاب والمحاور السياسية انطلاقا من رعاية أحوال الأمة!

ومما يعزز تلك الغيبة المذمومة هو الخطاب الإسلامي القاصر في حديثه المفرط عن وجوب توبة الأفراد، فيما لا يطرح وجوب توبة الجماعات والتنظيمات، ولا يفصل أشكالها الواجبة رغم رائحة آثامها التي تملأ الساحات!

فهل سمعت يوما عن لقاء رمضاني يبحث جسر الهوة بين الاشاعرة والسلفيين، أو بين الاخوان المسلمين والحركات الجهادية، أو بين حزب التحرير وغيره، أو بين بعض الحركات الإسلامية المتنوعة في ساحة واحدة، رغم أنها تنطلق من نفس المنطلقات وتدعي نفس الأهداف!

إن أقصى ما وصلت إليه بعض الجماعات العاملة هو اللقاء بين المسلمين والمشاريع المعادية والمخالفة في المنطلقات والمفارقة لبعضها في الأهداف! وهذه لا تعتبر توبة، بل هي غرق في الإثم واستمراء للمعاصي والكبائر السياسية!

كما أن غياب التوبة المجتمعية بين الأعراق المختلفة رغم ثقافتها المشتركة وأرضها الواحدة وتاريخها المشترك علامة سيئة تشير إلى غياب التوبة الواجبة في حقها، وذلك رغم أن شهر رمضان المبارك يجمع تلك الأعراق في إفطار وسحور وقيام واحد كل يوم وليلة!

فهل سمعت عن مصالحة بين العرب والأكراد المسلمين الصائمين في جغرافيا مشتركة؟ وهل سمعت عن الأمازيغ والعرب يتوبون إلى الله ويؤوبون إليه في رمضان مصلحين ما كان بينهم من تناحر وعداء في جغرافيا مشتركة؟ وقس عليه حالات الفرقة القائمة بين أبناء البلد الواحد أو البلدين المتجاورين في المشرق والمغرب!

إن بروز تجسيد مفهوم التوبة بين الأفراد في رمضان وغيابه بين الجماعات يشير إلى قصور في الخطاب الإسلامي، الذي لم يتجاوز مستوى الوعظ العام إلى النقاش الواجب في المسائل والأوضاع التي تشكل حجم التأثير الأكبر في واقع البشر والمجتمعات والجماعات!

كما أن غياب التوبة المجتمعية هو انعكاس مباشر لاهتراء أو ضعف دور الجماعات الدعوية والحركات والتنظيمات السياسية في تجسيد هذا المفهوم بينها وفي سلوكها البيني، الأمر الذي ينعكس على المجتمعات وأعراقها، بل بين أهل المدن وأهل الحضر وغيرهم!

الخلاصة: لابد أن يرتقي الخطاب الإسلامي الدعوي التوجيهي في حديثه الواجب عن وجوب التوبة في حق الجماعات كما الأفراد -بالذات في شهر رمضان المبارك-، كما لابد أن تبادر بعض الجماعات والتنظيمات والحركات السياسية بأخذ هذا الدور على مستوى الحركات نفسها لترسم صورة وقدوة تنعكس على الجماعات والأعراق والمجتمعات التي تدين جميعها بهذا الدين العظيم، والتي يجمعها رمضان في أوقاته وعباداته وأحكامه وكل تفاصيله التي جعلت منه عبادة وشعيرة جماعية تجمع ولا تفرق وتبني ولا تهدم وتقرب ولا تباعد.

Similar Posts