ذاكرة الانكشاف الكبير” إلى أهل العلم والدعوة والفكر: ما زلنا ننتظر المزيد “الخضر الشيباني *
هذه المقالة نداء لمن هم أعلى قدرا ومنزلة وأسبق في الاسلام والدعوة ولها أسباب أربعة:
السبب الأول:
التذكير والنصيحة، قال تعالى:
(وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) الذاريات: 55.
وقال صلى الله عليه وسلم كما في حديث تميم الداري رضي الله عنه في صحيح مسلم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الدين النصيحة)
قلنا لمن يا رسول الله؟
قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
السبب الثاني :
العتاب لمن نحبهم لطاعتهم لله ولدعوتهم لسبيل الله لأن عملهم أفضل الأعمال بحكم العلي الخبير.
قال تعالى: ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) فصلت : 33 . والاستفهام هنا معناه: لا أحد أحسن.
والسبب الثالث:
أننا في زمن كثر فيه المطبلون بالباطل والمدلسون على حساب الحق.
وفجار الخصومة السياسية والمذهبية والبائعين للذمم والأوطان بمتاع قليل من الدنيا.
السبب الرابع:
توجيه الجهد والخطاب للفئات التي نعتقد أن نفعها متعد وأن في صلاحهم صلاح للأمة جمعاء وفي مقدمة ذلك أهل العلم والدعوة والفكر وأساتذة التخصصات العلمية لأنهم سبب جعله الباري عز وجل لإيصال هدايته للقلوب والعقول بعد أنبيائه بما حباهم ومنحهم من العلم الرباني والخلق القويم وأمانة الكلمة .
وعليه ومستعينا به جل وعلا أقول:
هناك مقولة لأحد السلف الصالح رضوان الله عليهم قليلة الكلمات لكنها توزن بالذهب بل بالألماس والجواهر الثمينة:
إنها قول القائل _ رحمه الله _ : ” من أحسن بك الظن فكن عند ظنه ما استطعت “.
ولعل مما تشير إليه من الفوائد التخلق في التعامل مع المخلوق بما يليق به اقتداء بما ينبغي للإنسان الالتزام به مع ربه جل وعلا بما يليق بجلاله وعظمته من حسن الظن به والثقة والتوكل عليه.
وقد أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى كما في الحديث القدسي:(أنا عند ظن عبدي بي) وهذا اللفظ في البخاري ومسلم ( فليظن عبدي بي ما شاء ) وهذا اللفظ في مسند الإمام أحمد .
فإحسان الظن بالله سلوك أهل الإيمان والتقوى وهو محل قدوة بما يليق بالإنسان مع أخيه فإحسان الظن بأهل الإسلام من خلق المؤمنين فما بالك بإحسان الظن بعلمائهم وعقلائهم وخبرائهم وتيجان رؤوسهم.
وبناء على ما سبق أوجه خطابي لعلماء الأمة ودعاتها فأقول:
أيها الرواد النبلاء الأجلاء:
الرائد لا يكذب أهله وأنتم رواد وقادة فاعلموا أنكم ما زلتم قادرين وما زلتم في نعمة من الله وفضل. وما زال الكثير منكم أصحاء معافين يستطيعون عمل الكثير قياسا بغيرهم من أقرانهم في بلاد المسلمين.
فقط اعقدوا العزم والنية وشمروا عن ساعد الجد وانفضوا عنكم غبار السلبية وحطموا أغلال التيه وذهول تسلط الاستبداد والظلم.
يا علمائنا ودعاتنا:
إياكم ثم إياكم أن تتكيفوا مع الأجواء الملوثة التي سيطرت على الأمة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها فتتحولوا إلى مقاعد المتفرجين والخاملين والصامتين والمنتظرين لمبادرات الآخرين فلكل منكم كسبه ولكل منكم ساعته قال تعالى:
(وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) لقمان: 43.
إن هذا الجمود وتلك الاستكانة والخمول عن بيان الحق لمن يحتاجه وفي وقته خاصة في القضايا العامة ليست طريقكم ولا نهجكم ولا سنة من سبقكم في ميدان تبليغ العلم والدعوة وهذا الموقف ليس ما ينتظره منكم من تتطلع أعناقهم وعيونهم لمن يحسنون الظن بهم من علماء دينهم ودعاته في مختلف البلاد.
وخلاصة المقال:
هناك انتشار للسلبية المقنعة بالورع البارد أو الفقه المترقب والعاجز أو الانتظار للمبادرة ممن ليس أهلا لها من أصحاب السلطة والنفوذ أو الباحثة عن غطاء رسمي لا يتوقع حصوله في ظل تزايد الخيانات ولا توفره في وقت قريب بسبب الركون والسعي لإرضاء العدو الذي لن يرضي ولو رضي لن يسمح بالإسلام الحق أن ينتشر ويسود.
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن أتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير ) البقرة : 120 .
وكل ما سبق وغيره أصناف من الخدع النفسية والتفنن في التهرب من مسؤولية وأمانة البلاغ الملقاة على عاتقكم.
وهي أمانة تحملتم ألقابها وتصدرتم لها وقبلتم بها وارتقيتم منابرها وحجزتم وظائفها العامة والخاصة.
ولذلك فإن القيام بواجباتها وتحمل تبعاتها ليس فضلا منكم ولا منة بل هو براءة للذمة وإقامة للحجة ودعوة للحق والخير وكل ما سبق هو جزء من العهد والميثاق الذي أخذه الله عز وجل عليكم.
قال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) آل عمران 187.
إن المخالفة المحذر منها في هذه الآية هي :
طريق ضياع العلم أولا.
وطريق الجمود ثانيا.
وطريق التبرير ثالثا.
وطريق السقوط رابعا.
وطريق الانسلاخ خامسا.
وطريق إحباط العمل سادسا.
وطريق الحور بعد الكور سابعا.
يا علماء الأمة ودعاتها وأحرارها: ما زالت الأمة تحسن الظن بكم فلا تخيبوا ظنها ولا تخذلوها. ولا يأتي من يستكبر ويعاند فيقول:
هذا رجل أعمى لا يرى ولا يسمع ويتكلم بالباطل مستهدفا العلماء وآكلا من لحومهم بسوء الظن والغيبة والنميمة.
ألا يرى جهودهم.
ألا انجازاتهم.
ألا يرى محاضراتهم ومؤتمراتهم.
ألا يرى كتبهم ومصنفاتهم وتحقيقاتهم.
ألا يرى نصائحهم ووعظهم وفتاويهم.
ولذلك أؤكد:
لابد من التركيز وفهم المقصود حتى لا ينجح الشيطان في الوقيعة والتحفيز لرد النصيحة وهذا دوره وعمله.
وبناء عليه أوضح المراد فأقول: هناك أدوار علمية ودعوية وفكرية كثيرة معتادة أصبح يجيدها طلابكم النجباء من بعدكم صغارا وكبارا رجالا ونساء فلا تنشغلوا بها _ كخيار أسهل وأقرب إلى نفوسكم _ وتتركوا أدوار القيادة للناس والمجتمع بالعلم والرؤية الشرعية للأحداث والمستجدات وتقديم البيان للموقف الشرعي والواجب في وقته. فهذا النوع من القيادة هو الأهم والأعظم تأثيرا في حياة الناس اليوم. وهو اللائق بأهل العلم شرعا وعقلا وعرفا وإذا لم يشغره أهل العلم الأكفاء المؤهلين، ملأه السفهاء والرويبضات وأهل الدنيا وتجار البيع والشراء بالدين والأخلاق وتجار الحروب.
إنني لا أدعوكم لمغادرة حلقات التدريس في المساجد والمراكز العلمية فهي لكم بمثابة البحار للأسماك والحيتان. ولا أدعوكم لتحرموا أنفسكم من أجر تلك الوظائف والوسائل وأجر ثمرة العطاء فيها، فهي وظيفتكم ودوركم المطلوب المرابطة فيه دوما.
لكن أود أن تصلكم الفكرة كاملة غير منقوصة فأقول مستعينا بالله للمرة الثالثة:
لقد طال الأمد وقست القلوب وزاد الكرب وضعفت الهمم وتسلط الأوباش ولا مخرج للأمة من مكر هؤلاء وكيدهم إلا كما هي سنة الله بالتدافع بين الحق والباطل وبالجهاد العلمي والعملي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والإعلامي والثقافي وغيره من مجالات الحياة.
وكلمة السر في نجاح هذه الطرق والمجالات “اجتماع الوازع الديني مع الوازع التخصصي والدنيوي بشكل متكامل “
ولن يقود إلى ذلك إلا مواقف علماء الأمة من أهل الشريعة ودعاتها والمتخصصين الصادقين فيها وخطابهم الحصيف لأصحابها وخبرائها نصحا وترشيدا وتحفيزا وتذكيرا لهم من خلال الرسائل المباشرة للأفراد والكيانات وإرسال الوفود محملة بالخطاب القرآني والنبوي ترغيبا وترهيبا.
قال تعالى:(فذكر بالقران من يخاف وعيد) ق: 45.
وإذا حصل ذلك بوتيرة متكاملة موحدة ومطردة ومتراكمة فيتوقع أن ينتج عنه بإذن الله العلي القدير الآتي:
1 _ عملية إنعاش وتصحح لمسار الأمة وإنقاذها من الاستعباد البشري والخنوع والذلة لمن لا يستحق من الأوثان والأصنام المصنوعة والمطاعة بغير طاعة الله والمتعدية على حدوده وأوامره ونواهيه.
2 _ توجيه دفة العقول والقلوب في المجتمع بواسطة العلم الرباني للإعداد وبناء الإنسان روحا وجسدا وفق ما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عقيدة وتصورا وعبادة وسلوكا وأخلاقا وإعمارا للأرض.
3 _ المساهمة في تقديم الحلول للأمة المسلمة من خلال تحفيز قادة المجالات المؤثرة للقيام بدورهم في تحديد الأولويات لللتغيير والعمل في كل بلد بحسبه .
أخي القارئ الكريم من أهل العلم والدعوة والتعليم:
لك ولأمثالك أدوار لا تنكر في نشر العلم الشرعي وتعليمه والفتوى والإرشاد والتعليم في شتى الأزمان والأماكن.
لكن عندما تراجع دورك ودور أمثالك في بعض المجالات الحيوية وتحاول أن ترصد الجهود فيها تجد أنها قد تراجعت وانخفض منسوبها كثيرا وارتفع في مقابل ذلك صوت الباطل وتزايدت السهام السامة التي توجه ضد أهل العلم والدعوة والتعليم وهي سهام لا تستهدف أشخاصهم بقدر ما تستهدف ما يحملونه من ميراث الأنبياء من العلم والدين والأخلاق.
فتجد السهام توجه لهم بصور منها: أنهم سبب للفتنة وتفريق الأمة والفوضى. وأنهم أعوان السلطان ومفاتيح رغباته. وأنهم يجيدون ثقافة الموت لا ثقافة الحياة. وأنهم يريدون إعادة الأمة أربعة عشر قرنا للوراء. وأنهم لا يملكون رؤية للمستقبل ولا يواكبون متطلباتها!
والجواب:
العدل مطلوب مع كل أحد ولو كان عدوا. والتعميم بدون دليل من الظلم. والعلماء المعتبرون عندنا مجتهدون لكنهم غير معصومين كما يروج أهل البدع والضلالات.
وبالتالي لابد من إتاحة الفرصة لهم للبلاغ من أصحاب السلطة والنفوذ وجوبا لا منة وفضلا. ويجب عليهم الاجتهاد في بذل النصيحة والرأي للمسلمين بجميع مستوياتهم والمدافعة للقيام بمقتضيات هذا الواجب بأقل المفاسد والأضرار.
ووصولا لتحقيق هذا الأمر وإعادته لنصابه أدعوا لتفعيل العمل في المحاور التالية وجعلها ضمن برامج هيئاتهم ومشاريعهم عاجلا غير آجل:
أولا: الاجتهاد في تصفية الصف من المتلبسين بلباس العلم زورا وبهتانا بالمقارعة بالحجة والبرهان من خلال عدم السكوت عن أهل الباطل المتجاوزين لحدودهم _ خاصة في القضايا العامة _ بدون علم ولا دليل وكشف عوارهم لعامة المسلمين بالأساليب المناسبة أولا بأول ودون إعطائهم أكثر مما يستحقون.
ثانيا: الاجتهاد في توجيه الجهود لما هو أولى وأنفع من الأدوار في مقابل حال الأمة اليوم وهناك مسارين متكاملين في هذا المحور.
المسار الأول: التربية والتعليم لطلاب العلم وإعداد جيل من النابغين والنجباء والفقهاء الراسخين في مجال العلم والدعوة.
المسار الثاني: الاحتساب المستقل في المجالات العامة وترشيدها وتوجيهها الوجهة الصحيحة وفق ما تمليه النصوص الشرعية وفق قواعد المصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة.
ثالثا: التوجه الجاد لجمع الكلمة ووحدة الصف وجعل ذلك أولوية قصوى تبذل لها الأوقات واللقاءات والبرامج وورش العمل بين أهل العلم ولا ينبغي انتظار أذونات أو رعايات مادية أو معنوية رسمية لهذا التوجه بل لو تحملها العلماء وطلابهم ومن يحبهم ويناصرهم من حر مالهم ومن فتات ما يملكونه فهذا أفضل وأبرك بإذن الله من خضوعها للأجندة السياسية وأذرعها المرتهنة للعدو وفاسدي الذمم في الدول والحكومات وتلاعبات رجال المصالح الدنيوية .
رابعا: تفعيل سنة التدافع الإيجابي وعمل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجميع أنواعه ومجالاته ولو كان في أجزاء بسيطة من حاجيات الناس في العقائد والعبادات والمعاملات فهو مهم في إبقاء جذوة الخير والتعاون على البر والتقوى.
وتراكم آثار هذا التدافع وسلوكياته مؤذن بإذن الله لطرد الخبث في العقائد وإصلاح الخلل في أداء العبادات والمعاملات ومكافحة الخبث في السلوك والخبث في القلوب بعون الله تعالى.
وهذا من أهم أدوار أهل العلم والدعوة خاصة في الأجواء المغلقة والمحاصرة للحق والخير والداعية للكفر والفسوق والعصيان.
ختاما: أرجو أن يكون هذا النداء المحب للعلماء وأهل الدعوة محلا للنقاش في منتديات أهل العلم في شهر رمضان المبارك لهذا العام فإن الاستمرار في بذل العلم وتصحيح الأخطاء وبيانها للناس من أهم ما يوجد القبول للحق أولا ثم لحملته من أهل العلم ثانيا.
ويجعلهم محل الفتوى والتشاور والمرجعية.
وكم رأينا من مشايخنا من كانوا محدودي التحصيل والألقاب الأكاديمية لكن نفع الله بهم بخلطتهم الإيجابية وتقديم المواقف الشرعية وإعلانها على المنابر وفي المنتديات وفي وسائل التواصل والإعلام الجديد. ومناصحتهم لولاة الأمور والمسؤولين بصدق ومحبة وعقل.
ولا يقولن قائل: لا تشغلونا عن رمضان بالسياسة ولا تضيعوا علينا دقائق رمضان بالقيل والقال. فاعمر رمضان بما وفقك الله من الطاعات وليكن لهذه المجالات جزء من ذلك.
وإياك ثم إياك من فقه التخذيل والتهوين والهروب.
فهذا أقل القليل من الجهاد الواجب في ظل ما تواجهه الأمة اليوم.
وتذكر أخي الموفق _ بإذن الله _ أن معركة بدر الكبرى كانت في ( رمضان ) وأن معركة تبوك كانت في ( رجب ) في أشد أوقات الحر والقيظ وفيها قال الله عز وجل: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين أتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ) التوبة : 117 .
فهل من وقفة مراجعة وبرنامج عمل أيها الرواد الاحرار؟
أحسب أن الفكرة قد وصلت _ أيها المشايخ والرواد الفضلاء _ فأكتفي ولا أزيد.
أقر الله أعيننا وإياكم بعز الاسلام والمسلمين عاجلا غير آجل.
وتقبل الله منا ومنكم صالح القول والعمل في رمضان وفي غيره.
* كاتب وباحث يمني _ مدير عام مركز الكلمة الطيبة للبحوث (صنعاء سابقا).