العراق… واليوم العربي للمياه

إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تحيي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم اليوم العربي للمياه الذي يصادف اليوم الثالث من شهر آذار من كل عام، وتتوجه بهذه المناسبة إلى الجمهور العربي والمعنيين بشؤون المياه في الوطن العربي للتأكيد على أهمية الموارد المائية وقيمتها كثروة لا تقدر بثمن، وتعاني الأقطار  العربية نقصًا في المياه وتأتي  في المرتبة الأخيرة من حيث توفر موارد المياه العذبة المتجددة، وحصة الفرد فيها من المياه هي الأقل دوليًا مقارنة مع مناطق العالم الأخرى، الأمر الذي يضعها أمام تحديات كبرى مقارنة بسكان باقي بلدان  العالم.

وأسباب هذه المشكلة متعددة ومتداخلة، بعضها ذو أبعاد طبيعية وبيئية ومناخية كوجود معظم الدول العربية في المناطق المناخية الجافة وشبه الجافة، وبعضها الآخر يعود لأسباب إقتصادية وإجتماعية، وقد ترتب عن هذه الأسباب وجود فجوة بين ما هو متاح من موارد مائية متناقصة، وما هو مطلوب لسد الاحتياجات الضرورية المتزايدة، وهذه الفجوة تزداد اتساعًا عامًا بعد عام، وقد قامت الدول العربية ببذل جهود كبيرة من أجل مواجهة هذه المشكلة، وتحديد الأولويات في توزيع الموارد المائية وترشيد استخدامها، بالإضافة إلى توطين التقنيات المستخدمة في مجال المحافظة على مواردها المائية.

واليوم العربي للمياه يعد فرصة للتأكيد على ما يواجه وطننا العربي من تحديات في مجال المياه وما تبذله الأقطار العربية من جهود لتحسين عملية إدارة المياه وتعظيم العائد من وحدة المياه، والاستفادة من هذا اليوم لزيادة الوعي بين أبناء الشعب العربي بقضايا المياه ودور المواطنين في الحفاظ على المياه، وتشجيع الأفكار الجديدة والبحث العلمي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بالدول العربية وخاصة الهدف السادس المعني بالمياه والذي ينص على (ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة).

وتعتبر المياه ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة التي ينبغي الاهتمام بها وإدارتها على النحو الأمثل، وهو ما يتطلب تعزيز الوعي العربي الجمعي لدى فئات المجتمع بما فيهم الشباب والأطفال  بأهمية المحافظة على الموارد المائية ورفع الوعي ووقف الاستنزاف وضمان استخدام المياه بصورة مُستدامة،  وتنمية المصادر المائية عبر القيام بالدراسات الفنية  والاكتشافات المائية  مراقبة الوضع المائي والبحث عن مصادر مائية جديدة وترشيد الاستخدامات المائية وترسيخ الوعي المائي لدى أفراد المجتمع العربي كافة للحد من الهدر والاستنزاف، بالإضافة إلى مراقبة الأوضاع المائية وإيجاد مصادر مائية جديدة واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية مصادر المياه من التلوث والاستنزاف والجفاف وتنمية الحس العربي الوطني بما يضمن استدامة المياه للأجيال القادمة.

مازالت مشكلة المياه من أخطر المشكلات التي تواجه المنطقة العربية خلال القرن الحادي والعشرين، حيث يقع الوطن العربي في المنطقة الجافة وشبه الجافة، كما تقع خمس عشرة دولة عربية تحت خط الفقر المائي، وذلك حسب إحصائيات البنك الدولي، حيث تعتبر قضية المياه في الوطن العربي قضية استراتيجية حيوية مهمة تشغل اهتمام الباحثين بمختلف اختصاصهم وذلك في ضوء عدم كفاية المصادر المائية المتاحة لسد احتياجات سكان المنطقة والذين يتزايدون باستمرار وهو ما قد يؤدى إلى تفجر صراعات سياسية وربما عسكرية على هذه المصادر.

وتوصيف الفقر المائي الحاد في الوطن العربي الذي يعانيه  12 قطراً هي: (اليمن والسعودية وسلطنة عمان والكويت والإمارات وقطر والأردن وفلسطين وليبيا وتونس والجزائر) وتبلغ حصة الفرد السنوية للفرد بهذه الدول أقل من 500 متر مكعب.

واذا ما أخذنا أخي القارئ الكريم التداعيات  الميدانية في مسألة الحفاظ على الثروة المائية ومعالجة الأزمات القائمة فيها في العراق، فإن الوضع القائم يشكل أزمة كبيرة تتعلق بمفهوم الأمن المائي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد في التاسع من نيسان عام 2003 حيث سادت كثير من المفاهيم التي ابتعدت عن حماية أمن وسلامة العراق وساهمت في ضياع حقوق الشعب والإضرار بمصالحه الذاتية والعامة بما انعكس سلبياً على طبيعة الحياة واستمرارها وأضحت المنظومة الأمنية عرضة لتهديدات خارجية أخذت أبعادها ليس بصورة التهديد لأمن البلاد من خلال التدخلات والتفاعلات ذات الطابع الأمني الفني فقط وإنما امتدت لتهدد سلامة المواطن وقوته اليومي وحياته المستقبلية فأصبح العراق محاصراً بالجفاف رغم ما يمتلكه من نهرين عظيمين هما دجلة والفرات والعديد من الروافد المائية المتفرعة منه و أراضي خصبة للزراعة تدر الملايين من الأطنان الخاصة بالإنتاج الزراعي وتنوع المحاصيل من الحنطة والشعير والرز وباقي الأنواع الأخرى وتحولت هذه الأراضي إلى صحراء قاحلة هجرها أهلها والمزارعون بسبب قلة المياه وانحسارها وعدم وجود بدائل للأمطار وقلة المخزون المائي في السدود والبحيرات وانقطاع المناسيب المياهية التي كانت من أهم أسبابها عدم قدرة الحكومات العراقية التي تعاقبت بعد الاحتلال الأمريكي من استرداد حقوق العراق المائية وضعف إمكانياتها  عن محاورة دول الجوار والمصب المائي (تركيا وإيران) بضرورة تأمين الحصص والحقوق المائية للعراق وفق القوانين والأنظمة الدولية ومراعاة حسن الجيرة والعلاقات المشتركة وهذا ما أدى إلى انخفاض الخزين المائي للبلاد بنسبة 12% عن معدل الخزن العام وحسب تصريح وزارة الموارد المائية الأمر الذي أدى إلى تصنيف العراق ضمن الدول الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية، فقد شكل انخفاض الخزين المائي بنسبة لم يشهدها السجل التاريخي للعراق خلال العقود الماضية من السنين .

وبهذا فقد ابتعد العراق عن حقيقة المفهوم العلمي للأمن المائي الذي يعرف (بأنه الكمية المتوفرة من الماء الجيد والكافي للصحة والإنتاج ومتطلبات الحياة ومقرون بالمستوى الملائم من الخطر المتعلق بالماء، ولا يمكن تحقيق التنمية المستدامة بدون أمن مائي يبقى على الإنسان وصحته).

وما بين عامي (2020_2022) انخفض مستوى المياه والرطوبة بنسبة 41% من مساحة الأهوار جنوب العراق وجفت مسطحات مائية بنسبة 46% من مساحة الأهوار، وفي تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة نشر في شهر تموز من عام 2022 جاء فيه (إن الأهوار واحدة من أفقر المناطق في العراق وإحدى أكثر المناطق تضررًا من تغير المناخ ونقص المياه وأن هناك آثار كارثية تهدد حياة أكثر من ستة آلاف أسرة ريفية إذ أنها فقدت جواميسها التي تعد مصدر رزقهم الوحيد )، وأصبحت المنطقة متأثرة بالجفاف العام الذي آثر على التنوع البيولوجي بشكل كامل فلا وجود للأسماك والحيوانات والطيور وهناك أنواع من الحيوانات مهددة بالانقراض.

كما وأن إيران قطعت معظم الأنهار المتدفقة من أراضيها نحو العراق الأمر الذي تسبب في جفاف شديد ويقدر عدد الأنهار ب(40)نهراً وهي أنهار دولية عابرة الحدود ويعتبر التصرف الإيراني مخالف للأعراف والأنظمة والقوانين الدولية المتعلقة بحقوق البلدان المائية وما يترتب على دول المصب والدول التي تمر بها هذه الأنهار والروافد والذي أدى إلى زيادة اللسان الملحي ونسب التلوث في محافظة البصرة لعدم صلاحية شط العرب للاستهلاك البشري والحيواني بالتزامن مع زيادة الروائح وحجم الجراثيم، كما وأن هناك ( 42) واديًا مشتركًا بين العراق وإيران وفي السنوات الأخيرة أنشأ الجانب الإيراني (مشروع الإيمان الإيراني) وهو مشروع يحجز (10.2 مليار م3) سنوياً عبر أكثر من 40 سداً وناظمًا، وقد تكامل هذا المشروع الآن، وهذا سيؤدي إلى مشكلات أخرى تتمثل في انحسار الزراعة ونفوق الحيوانات والأشجار والثروة السمكية نتيجة قلة المياه وهذا من أسباب منع أيران للمياه المتجهة للأراضي العراقية وحجزها وعليها إرجاع مسار نهر الكارون إلى وضعه الطبيعي ليغذي شط العرب إلا أنها لم تستجب لذلك مما أدى إلى تراجع في الزراعة ونزوح الكثير من سكان الأرياف نحو مركز المدن واتساع ظاهرة الفقر والبطالة وهناك سبب جوهري سياسي يتعلق بمديات التمدد والنفوذ الإيراني في العراق وبما يمتلكه من وكلاء وأدوات تهيمن على معظم المشهد العام في العراق.

وأدى الجفاف إلى انخفاض مستوى المياه في الخزانات المائية والبحيرات، فبحيرة حمرين التي تعد من أهم البحيرات التي يعتمد عليها سكان محافظة ديالى والتي يبلغ مخزونها(ملياري) متر مكعب وتعد المصدر المهم لري المزروعات وتأمين المياه الصالح للشرب والتي تتغذى من روافد عديدة غالبيتها من إيران باتت معرضة للجفاف بعد أن قطعت إيران تلك الروافد وغيرت مسارها إلى داخل الأراضي الإيرانية حيث تبلغ نسبة المياه التي تأتي للبحيرة عبر الروافد 80% ومن العيون الينابيع 20%.

يتحدد مدى الحفاظ على استدامة الثروة المائية والالتزام بحصص  العراق المقررة من خلال القانون الدولي والعلاقات التي تربطه بدول الجوار عبر  الالتزام بمصالح أبناء الشعب العراقي وتعزيز الجانب الوطني واعتبار ملف المياه عاملاً رئيسيًا يحدد مسار وعمل الحكومات العراقية وإعطائه الأولوية القصوى باللجوء إلى جميع الوسائل والأساليب للضغط على هذه الدول بعيدا عن أي مجاملات أو علاقات تهدد حياة ومستقبل الشعب العراقي ومصالحه الوطنية وإيجاد الحلول الجذرية فيما يتعلق بالأمن المائي وتوفير المياه الصالحة للشرب والحماية الميدانية للأهوار العراقية.

Similar Posts