السلم والاستسلام والفرق بينهما

بقلم : د. سعد الحلبوسي

ونحن في نهاية الشهر الخامس على انطلاق معركة طوفان الأقصى ونتابع المظاهرات والمسيرات في أغلب عواصم العالم, والأحرار الشرفاء يطالبون بوقف العدوان الصهيوني على الفلسطينيين الأبرياء في غزة وهم يرزحون تحت نير الغطرسة الصهيونية وصمت العالم الغربي الذي يدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان, فمن جهة يدعم الكيان الغاصب بالجسر الجوي الذي يوفر لهذا الكيان المسخ كل أنواع الدعم المادية والمعنوية والسلاح, وفي الوقت ذاته يصمت عن مجازر الصهاينة بحق أهل الفلسطينيين العزّل, ويصمت عن التجويع والوحشية, وكأنّ حقوق الإنسان عندهم للصهاينة فقط دون الأبرياء الفلسطينيين أصحاب الحق الشرعي في الأرض!!

ومن هنا انكشف سوءة الغرب وادعائهم الحرية وحقوق الإنسان وأنهم صانعي سلام في العالم, والدليل: رغم وحشية الصهاينة وغطرستهم, الا أنهم يصفون أنفسهم بأنهم يريدون السلام, وهذا ليس الا محض افتراء, فهم يريدون استسلام وخنوع وخضوع فقط, ولا يهمهم حتى لو امتزجت مياه البحر بدماء الفلسطينيين, فهم يريدون استسلاما على مقاسهم, وقد تباينت مواقف العالم الغربي وما يسمى بالمجتمع الدولي وأصبحت واضحة للعيان, ففي أوكرانيا أظهروا تعاطفهم ووقوفهم إلى جانب الأبرياء, وصمتوا عن تجويع وترهيب أهل غزة المدافعين عن حقهم, وصمت اعلامهم تماما عن هذه الجرائم.

وتكشفت كذلك حقيقة الصهاينة العرب اللاهثين وراء التطبيع، وادعائهم بأنهم يريدون السلام للمنطقة، وهم في الحقيقة منافقون انحازوا إلى جانب الاحتلال لأمرين اثنين، الأول: للحفاظ على عروشهم، والثاني: إرضاء للغرب الذي جاء بهم ليكونوا سيوفا مشرعة بوجه الأحرار من أبناء شعوبهم.

لقد مضى أكثر من ثلاثة أرباع القرن على العدوان الصهيوني على فلسطين والأمة العربية والإسلامية، وما نجم عن هذا العدوان من صراع دامٍ، إلا أن الكيان الصهيوني لم يقدم بادرة سلام واحدة, وفي الواقع ثبت أنهم لا يريدون السلام مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بل يريدون الاستسلام لمشروعهم الاستيطاني منذ قيام كيانهم المسخ في عام 1948م، وقد طُرحت العشرات من مبادرات (السلام) لحل هذه المعضلة، وإنهاء مأساة الشعب الفلسطيني، التي نجمت عن هذا الاحتلال، وقد عملت الحكومات الصهيونية المتعاقبة على الالتفاف على كل هذه المبادرات، والسعي لتمييعها.. والمضي قدماً في خططها الرامية للاستيلاء على كامل فلسطين، عبر الاستيطان وغيره، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه في وطنه، وهناك مبادرات تظاهرت بقبولها. ثم اتبعت أسلوب المماطلة الصهيونية المعروف، لكسب الوقت، ومن ثم وأد تلك المبادرات، الغير مرحب بها أصلا من كل الاحرار الشرفاء في العالم.

وللأسف نجد من بعض البسطاء خلطا معيبا بين السلام والاستسلام, وشتان بين المفهومين, فالسلام لا يكون إلا من قوّة, أما الاستسلام فهو على العكس تماما فهو ذل وانكسار وخنوع وخضوع كما أسلفت, وهو لا يليق بالمؤمنين الذين أعزهم الله بالإسلام, فالمسلم شجاع قوي واثق بربه معتز بنفسه معتز بالانتماء لدينه ولا يقبل بالمهانة والذلة, فالمسلم مسالم لمن يسالمه ولا يعتدي عليه, ومحارب شديد البأس لمن يعتدي على حقوقه, فهو ممتثل لأمر الله سبحانه: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ), فهل الصهاينة أهل حق في فلسطين أم محتلين معتدين محاربين؟!!

ويحق لي سؤال المتخلفين عن ركب الكرامة في هذه المعركة الفاصلة بدعوى البحث عن السلام: كم نهر دم سينبع من أجساد الفلسطينيين حتى تبقى قضيتهم حية في نفوسكم؟ إنها قضية اجتمعت على أصحابها كل الشرور: الطرد والنفي والتهجير والسجن والأسر والقتل والتدمير والتشويه، في ظل فصل عنصري، تقع فيه إبادات جماعية مرعبة، وكل هذا يجرى تحت احتلال يرزح تحت نيره الأبرياء العزّل، فمن أين يأتِ السلام؟!!

ولذا فإنه من المعيب القبول بغطرسة الصهاينة بدعوى أننا أمة سلام, فهذا حوار مذموم عقيدةً وعرفا وواقعاً, وهذا الحال لا يتناسب مع حال أمتنا التي من سماتها العزّة والكرامة, والمعادلة المنطقية والدينية في حالة معركة طوفان الأقصى تقتضي أن نكون يداً واحدة يؤازر بعضا البعض الآخر, ولا يتخلف منا أحدا, وتكون ذمتنا واحدة, فإن موازين القوى في العالم الآن أثبتت بجلاء أنه لا احترام إلا للقوي, وأن الضعيف المتخاذل مطمع لكل طامع, وقد حذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من أن نكون غثاء كغثاء السيل لا قيمة لنا في موازين القوة, وهذا يدحر حجة المتخاذلين بدعوى المصلحة الشرعية مرة, وادعاء عدم تكافؤ القوى مرة أخرى, وهذا يقتضي أن تستعيد أمتنا قوتها ومجدها وعزتها, لتكون سلماً على من سالمها وناراً حارقة تفتك بمن يعاديها ويحاربها كما هو الحال في غزّة.

وليعلم كل المرجفين والمتخاذلين في معركة طوفان الأقصى, أن توفر القوة عند المقاومين في غزة يفرض فرصة إحلال السلام، عبر إيجاد حالة من إدامة الرعب لعدونا وعدوهم الصهاينة الملاعين، وحسب المبدأ الواضح الذى يقول: “من يُرد تفادى الحرب فعليه أن يعد لها العدة”، وهو ما تجليه الآية القرآنية الكريمة التي يقول فيها رب العزة سبحانه وتعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم), فهذه الآية لا تتحدث فقط عن القدرة الهجومية كما فهمها الكثيرون من الفقهاء، بل تقر أيضًا مبدأ الردع، الذى يكبح جماح العدو ويجعل يده مغلولة في شن الحرب، وهذا الأمر الذى يفرض السلام ويبنيه ويحافظ عليه, وهذا سنشهده بإذن الله بعد انكشاف المعركة.

فلا استسلام، ولا تنازل، ولا تخاذل، فالحقوق لا تنتزع الا بالقوة، ولا حل مع الصهاينة الا المقاومة، وما عداه فهو كالمستجير من الرمضاءِ بالنارِ، (فستذكرون ما أقول لكم) وإنه لجهاد نصرٌ أو استشهاد.

Similar Posts