قضايا وآراء | عجائب وغرائب ..غـ.ـزة ودرس القرن الجديد
بقلم : د. عبد الرحمن الخزرجي
لم يتفاعل المجتمع الدولي مع قضية دولية منذ مأساة حرب فيتنام مثلما يتفاعل اليوم مع حرب غزة بكل مشاهدها المأساوية التي فاقت حدود العقل والمنطق لتنقل العالم الى التعاطي مع مشهد أقل ما يوصف بحرب الإبادة الجماعية والسياسة المتعمدة إلى إنهاء وجود شعب واقتلاعة من أرضه بتأييد مخزٍ من الغرب الذي طالما تبجح طويلا بشعارات حقوق الإنسان وكرامة الشعوب فلم يعد المجتمع الدولي يصدق الرواية الإسرائيلية والأمريكية بعدوان حـ.ـماس وإن إسرائيل هي ضحية الإرهاب والحرب اليوم وبعد مرور قرابة الخمسة أشهر كشفت عن نواياها الحقيقية وأهدافها المريبة التي سخرت لها آلة حرب وقوة نار وتدمير فاقت ما تم رصده وتعبئته للحرب العالمية الثانية ولم تشهد أي حرب في العصر الحديث أن تكون بهذا الشمول التدميري بالقصف الشديد بالأسلحة ذات التدمير الهائل جوًا وبحرًا وبرًا مع حصار مطبق ومنع دخول أي نوع من أنواع المساعدات حرب ضد المدني والطفل والمرأة والشيخ والطبيب والمسعف وعلى كل من شأنه أن يديم مقومات الحياة الإنسانية حرمان من الماء والطعام والكهرباء والوقود والدواء والمأوى حرب ضد استقرار المواطن وراحته ونومه بشكل لا يمكن لأي عقل بشري استيعابه وفهمه.
وحتى المنظمات الإنسانية الدولية ولجان حقوق الإنسان التي يجب أن تبقى عاملة تحت أقسى ظروف الحرب مأساوية أعلنت إسرائيل الحرب عليها وحرمتها وقيدتها عن تقديم المساعدة . . أي حرب نشهد وأي زمان نعيش وأي نضام عالمي سمح بحدوث هذا الخلل العظيم في مجريات العلاقات الدولية .. نعم إنه زمن قيادة الغرب الرأسمالي الذي تقوده أمريكا المدججة بأسلحة الدمار والموت وآلتها الحربية التي جعلت من الشعوب المستضغفة حقل تجارب لها .
لقد أفصحت حرب غزة بكل تجلياتها عن درس عظيم يبدع أبناؤها كل يوم في إيصاله للعالم حتى استفاق العالم وبدأ يصحو من غفلة وسكرة الخدر والخداع التي عاشها لعقود طويلة وخصوصا شعوب الغرب المخدوعة من قبل حكوماته التي ظلت طويلًا تسوق عبر الآلة الإعلامية الضخمة أن الغرب هو العالم الأول حضارة ورقيًا وأن عالم الشمال هو الذي يجب أن تقتدي به بقية العوالم وتقلده حضارة وثقافة.
لكن حرب غزة أعطت نتيجة جديدة ومعطيات لم يعد بمستطاع صانع القرار الغربي حجبها أو تزييفها وبينت أنها حرب قذرة تورط الغرب وساهم في توسيع دائرتها وعمق وبشكل متعمد بمأساويتها لتعطي لأهل غزة وفلسطين أفضلية جديدة لدى الوعي الجمعي الغربي بأن المسألة تتعلق بنضال شعب ينزف من أجل الكرامة والحرية والتخلص من الاحتلا ل الجاثم على أرضه منذ عقود .
وبدأ المجتمع الغربي بعدما اكتمل وعيه وفهم درس غزة يناضل ويعبر عن تأييده لأصحاب الأرض ويرفض استمرار هذه الحرب بل تصاعدت حدة الرفض إلى مستويات غير متوقعة عرضت الكثير من الرجال والنساء للاعتقال والضرب والإهانة هذا إضافة إلى جهود الآلاف بالتظاهر ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية وعدم دفع الضرائب للشركات الداعمة لإسرائيل وإرسال مئات الآلاف من الدولارات لدعم غزة وهذا بلغ ذروته في أمريكا نفسها .
ولم يكن في حسبان أحد أن يدفع درس حرب غزة وعبرتها إلى لجوء ضابط طيار في سلاح البحرية الأمريكي أن يقدم على حرق نفسه احتجاجا على حرب الإبادة ضد أطفال غزة وستظل كلماته الأخيرة التي رددها والنار تأكل جسده( لن أسكت بعد الآن عن حرب إبادة الأبرياء .. الحرية لفلسطين) .
في موقف بطولي سيؤسس لمرحلة جديدة لطوفان عالمي قادم للضغط باتجاه إيقاف هذه الحرب . .والغريب أن مثل هذه المواقف لم نشهدها في أي بلد عربي أو إسلامي إلا ماندر ..وهذه من غرائب وعجائب حرب غزة أن تجد من يساند أهل غزة ويضحي بنفسه في بلدان تقود حكوماتها الحرب على غزة وتجد من حكومات المسلمين من يؤيد الحرب على غزة ويمنع حتى أبسط مظاهر الدعم والتأييد لغزة ..
أمريكي يحرق نفسه احتجاجًا على قتل النساء والأطفال ويضحي بنفسه وهو في مقتبل عمره ..موقف سيسجل من ضمن عبر ودروس غزة .
وقوات أمن سعودية تعتقل مسلمة لمجرد رفع علم فلسطين سيسجل ضمن دروس وعبر حرب غزة .
ما أعظم دروسك يا غزة وما أغربها يستحق درسك أن يكون درسًا للقرن الجديد .