الحلال والحرام .. في التربية والتعليم
بقلم : أدهم الشبيب
ينشأ الولد في كنف ابيه وفي محيط مدرسته ومعلمه وهو لا يدري ما الصحيح الذي عليه اتباعه ولا الخطأ الذي يجب اجتنابه، فبعد أن علمته أمه طفلا لا يميز حرقة النار من هوة السقطة ولا تنظيف نفسه من توسيخ المكان ورافقته حد التمييز والمشي وسلحته بالصحيح من كل ذلك وجانب مهم من الاعتماد على الذات، جاء دور الأب، فالأب يرشد الولد المميز ويصلحه بما يحمله هو أصلا من رشد وصلاح ، وهو الذي يضل الولد ويفسده بما يلفه هو من ضلال وما يقبله ويعيشه من فساد، فلا تنتظر من رجل مرتش أو منافق او محتال على أموال الناس ان يعلم ولده طريقا ينأى به عن مثل ذلك ، “ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء”
والمعلم ينقل إلى تلاميذه وطلبته قيما يؤمن بها وأخلاقا يتخلق هو بها ومبادئ عاش يدافع عنها وربما يفضل الموت على أن يتخلى عنها ، فالمعلم الضعيف أمام المواقف الفيصلية والمدرس ألمجوف من المبادئ الأخلاقية والسياسية والأستاذ المزور لأبحاثه وشهاداته المطارد لألقابه ومعاشاته وترقياته دون علم في جوفه ولا رسالة في ضميره، كل هؤلاء لا يؤثرون في تلاميذهم وطلبتهم إلا بقدر ما يؤثر صديق السوء ورفيق الشر وقدوة الحرام، يقول الشحوذ في كتابه (أضرار القدوة السيئة) :”فالقدوة السيئة سبب رئيس في قيادة الناس إلى المفاسد، فالإنسان مخلوق اجتماعي، يتفاعل مع بيئته، ويتأثر بها ويؤثر فيها، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه يمكنه العيش في مجتمع فاسد، أو بين أناس فاسدين من دون أن يتأثَّر بهم بنحو من التأثر” انتهى .
فإذا رأيت أبا يأكل الحرام ويحتال على الناس وينافق الباطل ويترصد ضحاياه لمنفعة ويخوض بأعراض الناس دون وازع من ضميره فاعلم إن ابنه مثله حتى ينضج وتتوفر له مصادر أخرى مستقلة يستقي منها خلقه ومنهجه الذي يخطه لنفسه فلربما ابتعد عن أبيه وخالفه وانتقده ولو في سره، أو ربما زاد عليه في فن السفالة والنفاق و أكل السحت والمنافع، فاهرب مبدئيا من الابن كما تهرب من أبيه حتى يثبت فيه عكس ذلك، وكذلك إذا رأيت أبا صالحا بريئا من كل ذلك ، فالأصل أن تثق بولده وتأمل منه خيرا حتى يأتي بما ينقض ذلك، فالولد في الأصل يفضل السير على خطى أبيه و جده: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} ،
ويقول أحمد سحنون في كتابه (توجيهات إسلامية): “والإسلام إذ يأمرنا بمقاومة الشر، إنما يأمرنا بإنهاء القدوة السيئة التي تنشئ البيئة السيئة، فكل رجلٍ خَيِّر هو قدوة حسنة، وكل رجلٍ شريِّر هو قدوة سيئة” انتهى
ومن أولى ما يجب الانتباه إليه في النظرة إلى سوء الظن أو حسنه في الولد الصحيح التربية هو عدم الاغترار بوظيفة الآباء أو مظاهرهم فكم من أب يتخذ شعار الدين أو يرتدي لباس التقوى أو يجعل من نفسه كبيرا لقوم ويسعى للحكم بينهم فيحسن الناس به الظن ويأمنون لأولاده ويحترمون ذريته وهو في حقيقته خبيث المقاصد منحرف السلوك نفعي المساعي، وقد نقل كل ذلك لأولاده فينخدع بهم الناس ويتعاملون معهم ويزوجونهم، وعلى ذلك تربت بناته فيتوهم بهن الناس فيصاهرونه، فينتج من ذلك فساد المعاملات وخراب البيوت، ويبقى ذلك متصلا متوسعا ينشر هؤلاء المتلبسين بمظاهر المروءة الخداعة سمومهم بين الناس حتى يغلب الفساد على الصلاح ويتغلب الشر على الخير دون أن يشعر به أحد.
أما دور الجلساء والخلطاء على الراشدين الناضجين من الناس فهو الآخر دور لا ينكر وأمر لا يستهان به، وأصله عائد إلى ما سبق من مصدرين الأب والمعلم، فهما بفسادهم إذا فسدوا لم ينصحوا الابن والتلميذ أن يختار رفاقه ولم يتابعوه أو يراقبوه حيث لا يهمهم مثل ذلك في أنفسهم فضلا عن أن يهتموا له في أولادهم ومن هم تحت وصايتهم من تلاميذ، فصار تأثير خلطاء السوء عاملا مضافا في نشر سوء التربية وفساد النشأة وينخر في المجتمع المنخور أصلا، وقد جاء في البخاري من حديث النبي عليه الصلاة والسلام “إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» ويعلق عياض بن موسى اليحصبي على ذلك في مقاله (إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم) :”ففي تمثيل الرسول صلى الله عليه وسلم “الجليس السوء والجليس الصالح بحامل المسك أو نافخ الكير: تجنب خلطاء السوء ومجالسة الأشرار وأهل البدع والمغتابين للناس؛ لأن جميع هؤلاء ينفذ أثرهم إلى جليسهم، والحض على مجالسة أهل الخير، وتلقي العلم والأدب، وحسن الهدي والأخلاق الحميدة”
وختاما فإن الأب الفاسد الخلق والمعلم الفاقد التربية والجليس الشاذ التصرف، يجتمعون على إفساد ذرياتهم واضلال تلاميذهم وإصابة جلسائهم بعدوى الشر وفايروس الرذيلة حتى يغلب الباطل ويعم الفساد، أما الصلحاء من الفرق الثلاث -وهم القلة النادرة اليوم- فعليهم البروز والظهور والمقاومة والإصلاح قدر ما استطاعوا حتى لا يعم الشر ويطغى الفساد وتشيع الفاحشة فيأخذ الله الجميع بعقاب واحد لا يستثني أحدا، {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا}
ونستجير من ذلك بالله رب العالمين