تجوال فقهي في أحكام واجب الوقت

الشيخ عبد المنعم البدراني

التوحيد المجرد ولا مُشاحّةَ في الإصلاح، هذا ما تبين لي في الدعوة إلى التوحيد في الدول التي تتبناه، وأقصد بالدعوة إلى توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد السماء والصفات تعالى دون الدعوة إلى مقتضياتها من الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراء من الكفار والمشركين والمنافقين، وجهادهم باليد والمال واللسان، والحفاظ على بيضة الإسلام والمسلمين وبلدانهم من أن يدنسها محتل كافر وغاصب ومعتدٍ أثيم.

أي توحيد هذا الذي لا يأتي بمقتضاه من التراحم والتعاطف والتوادد لكل مسلم ونصرتهم يوم يُظلم على أيدي الكفرة والفجرة!

أي توحيد هذا الذي تباع فيه أراضي المسلمين بلدا بلدا!

أي توحيد هذا الذي جعل الجهاد في سبيل الله سُبّةً وإرهابا!

أي توحيد هذا الذي يرتضي أن يُسجَنَ الصالحون ويُطلَق قيد الفاسدين المفسدين!

أي توحيد هذا الذي يفرح أهله ويرقصون على اشلاء المسلمين في غزة!

إن الله ورسوله والمؤمنين الصادقين يعتدون بالدعوة إلى التوحيد ومقتضياته.

اما التوحيد الأكاديمي المجرد من الإتيان بمقتضياته ولوازمه وواجباته فلا خير فيه ولا بركة، لأنه يفتقر إلى السنة التي جاءت به وبمقتضياته ولوازمه.

المنافق من يجلد الضحية ويعتذر للجلاد

حديث بعضهم باللوم على أهل غزة بأنهم قد خاضوا معركة غير متكافئة القوة والإمكانيات مع الصهاينة، فأقول وبالله التوفيق:

الأَوْلى أن يُتوَجَهَ باللوم للصهاينة في قتالهم للمسلمين في غزة، لعدم التكافؤ بينهم وبين المسلمين في العدد ولا في العُدّة، فأما العدد فإن المسلمين تعدادهم يقرب من المليارين، واليهود بضعة ملايين، وأما من حيث الإمكانيات فإن إمكانيات المسلمين تفوق إمكانيات اليهود أضعافا مضاعفة، فالخلل إذن ليس في قتال أهل غزة للصهاينة، إنما الخلل في الأمة الإسلامية وحكامها الذين تخلّوا عنها وتركوها تواجه المعركة لوحدها.

فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُلام المرابطون على ثغر من ثغور الإسلام لأنهم رابطوا.

ولا يجوز أن يُلامَ مجاهدون على ثغر من ثغور الإسلام لأنهم جاهدوا، إنما تلام الأمة وحكامها الذين فرطوا في دعمهم والوقوف معهم ونصرتهم وتأييدهم.

إنما هما لباسان

لباسُ عِزٍّولباسُ ذُل، يُلبسه الله تعالى لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء

يقول الله تعالى تعالى في آل عمران :((وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)

و قال الله تعالى في سورة فاطر :((مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ))

وقال جل وعلا في سورة الحج :((وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩ (18))

فقارن أخا الإسلام بين لباس العز الذي ألبسه الله تعالى لأهل غزة العزة، وبين لباس الذل ألبسه للعملاء والخونة الذين تقاعسوا عن أداء الواجب الشرعي تجاه فسطاط الحق والعدل والفضيلة الذي يمثله المرابطون في غزة، وبين فسطاط الكفر والشرك و الظلم الذي تمثله الصهيونية الغازية الجائرة المجرمة ومن أيدها ودعما بسلاح أو إعلام أو صمت مطبق عما يدور من إبادة جماعية لأهلينا المحاصرين المرابطين في غزة العزة والكرامة الإباء.

الأحكام والمواقف الشرعية تُبنى على واقع الحال وليس على الظنيات والافتراضات والتحليلات والتوقعات

نقطة البحث: هي الخوض في ظنيات و غيبيات لا يعلمها إلا الله تعالى بشأن ما قامت به حماس في غزة، فلا يجوز شرعا إجراء الأحكام وإطلاقها واتخاذ المواقف السلبية منهم بحجة هذه الافتراضات والتحليلات لأنها ظنيات، والظن مظنة الخطأ ومجانبة الحق والعدل والصواب، يقول الله تعالى في سورة يونس:((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)).

فالواجب أن تُبنى الأحكام على القطعيات وواقع الحال، والواجب المقطوع به بما يشهد له واقع الحال هو أن حماس وأهل غزة العِزة مسلمون وهم في حالة حرب وقتال مع الكفار والمشركين، فيجب على كل مسلم أن يقف معهم في محنتهم ويُلقي وراء ظهره:

تحليلات المحللين، وتوقعات المتوقعين، وظن الظانين، وتخرص المتخرصين، وتصيد المتصيدين، وإرجاف المرجفين، وإرجاء المرجئين عبدة الحكام الخونة المجرمين، ومنتجة قنوات المتصهينيين، فيتقي الله في دماء المسلمين في غزة وأطفالهم ونسائهم وشيبهم وشبابهم.

الآية الواضحة

بأن غَزَّةَ أختُ سورة التوبة بمسمى الفاضحة، روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قُلتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، قالَ: التَّوْبَةُ هي الفَاضِحَةُ، ما زَالَتْ تَنْزِلُ: ومِنْهُمْ… ومِنْهُمْ… حتَّى ظَنُّوا أنَّهَا لَنْ تُبْقِيَ أحَدًا منهمْ إلَّا ذُكِرَ فِيهَا.

فهذه التسمية لهذ السورة المباركة لأنها فضحت المنافقين وهو المقصود بقول ابن عباس رضي الله عنهما: “ومِنْهُمْ… ومِنْهُمْ… حتَّى ظَنُّوا أنَّهَا لَنْ تُبْقِيَ أحَدًا منهمْ إلَّا ذُكِرَ فِيهَا” اي المنافقون

واليوم كشفت غزة العزة المنافقين وهم أصناف:

صنف: عاب على أهل غزة جهادهم وطعن بهم وانتقص من منهم.

وصنف: طعن بمن أيدهم بقول أو عمل أو تظاهر أو اعتصم أو طالب بقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع العدو الصهيوني وإغلاق سفاراتهم في الدول العربية والإسلامية.

وصنف: صمَتَ صمْتَ أهل القبور وكأن المسألة خلافية في وجوب نصرة أهل غزة أم هو حرام أو مكروه على أقوال لأهل الإرجاء والإرجاف والنفاق والتثبيط. قبّح الله النفاق والجهل وأهله، فهل يُعقل أن يتوقف مسلم في نصرة مسلم يقاتل الكفار والمشركين!

Similar Posts