التحذير من اليأس القنوط
الشيخ عبد المنعم البدراني
وبينهما عموم خصوص فاليأس أعم من القنوط، لأن القنوط هو على أعلى درجات اليأس، ولذلك نهى الله تعالى عنه اليأس عموماً، ونهى عن القنوط على وجه الخصوص، لأن اليأس هو استبعاد ذهاب المكروه، وأما القنوط فهو استبعاد رحمة الله، وهذا أخطر درجات اليأس .
فأما ما يتعلق بالنهي عن اليأس، ففي قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام، وعلى لسان سيدنا يعقوب عليه السلام:((وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
و:((رَّوْحِ اللَّهِ)) هو الترويح والتنفيس والتيسير والرفق والإرشاد لما فيه الخير والصلاح.
وجاء اليأس مقرونا بالكفر، فلا ييأس من رحمة وكرمه وعفوه وترويحه بالعموم إلا الكفار.
وأما القنوط وهو أشد اليأس فلقد جاء مقرونا بالضلالة ، فقال جل وعلا في سورة الحجر على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام :((قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)).
وجاء نهي الله تعالى للمؤمنين عن القنوط فقال جل وعلا في سورة الزمر:((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)).
واليوم تمر الأمة بمخاض عسير، ومصيبة كبرى، من الذل والضعف والهوان على أعدائهم، فلا يرقبون فيهم إلّاً ولا ذمة، ولا يُعظِّمون لهم دماً مسفوحا، ولا نفساً زاهقة، ولا أمولا تالفة، إنما يستبيحون ذلك جميعه منهم.
ومع هذا كله، فإننا لا نيأس من روح الله تعالى، ولا نقنط من رحمته، إنما نحسن الظن بربنا، وأنه يمحص إيماننا، ويمتحن صبرنا، ويبلو اخبارنا.
ومن حكمته جل جلاله، أنه جعل الأيام دولا بيننا وبين الكفار والمشركين فقال جل وعلا في سورة آل عمران :((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140).
وفي الآية جملة من المسائل :
الأولى: قوله تعالى :((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ))
فكما أصابنا منهم في العراق وسوريا وفلسطين واليمن وليبيا،
فقد أصابهم منا يوم خيبر ويوم بني النضير وبين قريظة وبني القينقاع وفي القادسية وفي اليرموك وفي حطين وفي عين جالوت وغيرها.
الثانية: قوله تعالى:((وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)) اي يوم لكم عليهم ويوم لهم عليكم.
الثالثة :قوله تعالى:((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ)
وهذه الحكمة من المداولة، ليميز أمر المؤمنين من المنافقين ، وليفضح الله المنافقين والمرجفين الذين يعبدون الله على حرف اي على شك وريبة دون يقين، ومنه قوله تعالى في سورة الحج :((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)).
الرابعة :قوله تعالى:((وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140))
والظالم هنا المنافق الذي يدعي الإيمان في السرّاء، وينقلب على عقبيه في الضرّاء
فهذه الأيام ايام امتحان واختبار من الله تعالى لنا ولإيماننا به وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبكتابه الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فالصبرَ الصبرَ يا إخوة الإيمان واليقينَ اليقينَ من رَوْح الله تعالى ورحمته وكرمه وفضله على عباده الصابرين المحتسبين الثابتين على دينهم ثبوت الجبال.