خطبة الجمعة بغير العربية
بين التعبد ومعقولية المعنى عند الإمام أبي حنيفة
بقلم : د. محمد الحاج عيسى
من المسائل التي يظهر أن الخلاف فيها يرجع إلى دورانها بين التعبد ومعقولية المعنى مسألة خطبة الجمعة بغير العربية، والقول بالمعقولية تؤيده شواهد متفق عليها مما يجعل المنصف يميل إلى رأي أبي حنيفة ميلًا قد يرقى إلى حد اليقين، وهي من المسائل التي اختلف فيها الأئمة الأربعة وكان سبب الخلاف فيها أيضا دوران الحكم بين التعبد ومعقولية المعنى فمسألة إلقاء خطبة الجمعة بغير اللغة العربية ، وهي مسألة تشددت فيها المذاهب الثلاثة تشددا غريبا حيث أكدوا على اشتراط كون الخطبة باللغة العربية ولو للأعاجم الذي لا يفهمونها، ومن تشددهم أنهم نصوا أنه إذا لم يوجد من يحسن العربية سقطت صلاة الجمعة، ومن الغرائب أن تجد في كلام بعض الفقهاء التسوية بين القوم لا يحسنون العربية وبين قوم كلهم بكم في سقوط صلاة الجمعة ، وكأن هذه الخطبة ذكر مجرد عن المعنى يؤتي به على صفة معينة في وقت مخصوص، ولما طال النقاش في جدوى خطبة لا تفهم قال بعض الشافعية يكفي أن يعلموا أنه يعظهم وإن لم يعلموا ما يعظهم به !، ولا شك أن هذه ظاهرية لا يرتضى نسبة مثلها إلى دين الله تعالى، ولا سيما أنه لا يوجد دليل قاطع أو ظاهر على الاشتراط إلا ما توهم من حجية جريان عمل الناس في بلاد أهلها عرب، أو قياس لا يطرد ولا ينعكس وتنقضه الفروق الكثيرة مفاده اعتبار الخطبتين بمثابة الركعتين ومنه إعطاء حكم الخطبة حكم القراءة وحكم الكلام فيها بغير العربية حكم الكلام في الصلاة، وحتى قول من قال منهم إن الجمعة تصح بغير العربية حال العجز لم ينظر إلى حال المستمعين ونظر فقط إلى حال الخطيب، فلا يرخص له أن يخطب بغير العربية إن أحسنها ولو كان في بلد الأعاجم ووسط من لا يفهمها وإنما يرخص له إذا كان أعجميا لا يحسن العربية ..
وأما الحنفية فقد نصوا على صحة الخطبة بالفارسية ولو من عربي ، وهذا المذهب هو الذي يتناسب مع مقصد الذكر والتذكير المشار إليه في قوله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة: 9] وهو المتناسب مع قصد الإفهام في الشريعة المنصوص عليه في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم: 4] ولا يضر المسألة أن ربطها بعضهم بالقراءة في الصلاة بناء على مذهبهم، لأن بين المسألتين فروقا كثيرة عند الفريقين تمنع هذا القياس كما سبق.
وفي نهاية المطاف نتساءل عن جدوى الجمود على المذاهب في مسائل كشف البحث الموضوعي أنه لا حجج سالمة لها، وتبين أنها آراء تنافي مقاصد الشريعة وتمنع تحققها في الواقع …
ومن الفقهاء المعاصرين –من غير الحنفية- من أجاز الخطبة بغير العربية كلها أو بعضها، وأوكد أن اختيارهم هذا كان من منطلق النظر في الأدلة الشرعية والمقاصد المرعية وليس من منطلق تتبع الرخص وتكييف الإسلام وتفصيله حسب الواقع والأهواء.
تذييل
ولا بأس أن أنبه أنه في بلادنا (الجزائر) لا يزال بعض الأئمة يتعرضون للتحذير أو التوبيخ وربما العقاب إن خطبوا في الناس باللهجة المحلية القبائلية مع أن الحاجة ماسة إلى ذلك، ورغم أنهم لا يجعلونها خالصة بغير العربية بل القدر المجزئ منها يأتون به بالعربية، وذلك بدعوى الحفاظ على المرجعية والتمسك بالمذهب ضد المذاهب الدخيلة، ونسمع بذلك رغم أننا نرى الوزارة الوصية من جهة أخرى ساكتة سكوتا تاما عمن يخطب بالدارجة لا بالفصحى، بل تأذن في المخالفة وربما تشترطها في الأئمة المنتدبين في فرنسا. الأمر الذي يجعلنا نحكم بأن تصرفات الوزارة في القضايا الفقهية لا تخضع لاعتبارات علمية ومصلحية ثابتة وواضحة، وإنما هو المزاج وأهواء من يتولى المناصب فيها ويتصرف باسمها.