عشرون عامًا والعراق سجن كبير
بقلم : د. أيمن العاني
لعل أول تصريح لأول حاكم فعلي على العراق عقب الاحتلال الأميركي للبلاد عام 2003، جي غارنر، بأنه تمت المباشرة ببناء خمسة سجون كبرى في العراق يعبر عن جانب مما كان يُراد للبلد أن يكون عليه في ظل احتلال بغيض وحكومات متعاقبة جاء بها وظل يقدم الدعم لها وإنعاشها للبقاء متسلطة على رقاب العراقيين ومتحكمة بثرواته ومقدراته.
ومنذ ذلك الحين؛ يتم التحكم بالعراق من خلال تكريس نسف مفهوم الدولة وتغييب المواطنة وإشاعة الظلم والفساد والعمالة، وتمكين الميليشيات الإرهابية التابعة لـ “الجارة” إيران، واستفراد تلك الميليشيات بحكم العراق بمباركة المجتمع الدولي، الأمر الذي أفضى إلى غياب سلطان القانون وفرض قانون القوة وتنفيذ موجات من الاعتقالات الجماعية واحتجاز الآلاف من الأشخاص بطرائق غير قانونية، وانتشار أماكن الاحتجاز السرية وتفشي فوضى السلاح وشيوع جرائم القتل والخطف والاختفاء القسري والاعتداءات بكل أشكالها، وسط إفلات مطلق لمرتكبي الانتهاكات من العقاب.
وبات العراق سجنا كبيرا للعراقيين تعبيرًا عن الشعور السلبي بشأن الأوضاع في العراق ما بعد الغزو الأمريكي، وأن العراق أصبح مكانًا صعبًا لمعظم العراقيين. وقد عانت البلاد من عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة والتحديات الاجتماعية لعدة سنوات، مما تسبب في صعوبات كبيرة لمواطنيها. ومنذ 2003؛ يواجه العراق العديد من التحديات، بما في ذلك ظهور الميليشيات والتوترات الطائفية والصراعات من أجل الحكم والسلطة. وساهمت هذه العوامل وغيرها في خلق بيئة صعبة لكثير من العراقيين، مما أدى إلى مخاوف حقيقية بشأن السلامة الشخصية، والحريات المحدودة، ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي العراق الجديد يوجد أكثر من 50 سجنًا كبيرًا والكثير من السجون المتوسطة والصغيرة المنتشرة في عموم البلاد، إلى جانب ذلك يوجد أكثر من ألف موقف في مراكز الشرطة الحكومية والمئات من أماكن الاحتجاز الخاصة بهذه الجهة السياسية أو بتلك الميليشيا أو في هذا المقر العسكري أو ذاك، جميع السجون الكبرى ومعظم السجون وأماكن التوقيف الأخرى شديدة الاكتظاظ بالسجناء وما يرافق ذلك من انتهاكات واسعة وفظائع وحشية، وسط تزايد مستمر ملحوظ في أعداد السجناء.
وعلى الرغم من عدم توفر إحصائية رسمية لأعداد السجناء في العراق، فإن أرقاماً وتقديرات تؤكد أنها تقارب المائة ألف سجين يتوزعون على سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون تمتلكها أجهزة أمنية مثل جهاز المخابرات والأمن الوطني ومكافحة الإرهاب والحشد الشعبي، وسط استمرار تكشف الحقائق بشأن وجود السجون السرية غير المعلنة التي تنتشر في عموم البلاد وتشرف عليها الأجهزة الأمنية الحكومية والميليشيات وتضم عشرات الآلاف من المعتقلين الذين جرى اعتقالهم من دون تهمة وبلا أسباب.
ويستمر التعذيب الوحشي بأساليب سادية في جميع السجون وأماكن الاحتجاز الحكومية في العراق، الذي لا يمكن أن يكون الغرض منه الوقوف على الحقيقة وإنما مجرد أداة للانتقام من المعتقلين والتنكيل بهم. ومن خلال التوثيق يظهر أن معظم المعتقلين الذين فارقوا الحياة شبان قضوا تحت التعذيب أو من جرائه، في حين تكتفي إدارات السجون بالقول إنهم فارقوا الحياة في “ظروف غامضة” للتهرب من المسؤولية. وبحسب ذوي ضحايا أو مقربين منهم، فقد تعرض الجميع بشكل شبه يومي ومن دون سبب للضرب المبرح بالعصي وخراطيم المياه والصعق بالكهرباء والتعليق من الأكتاف في السقف والإغراق المتوهم وضروب أخرى من التعذيب السادي التي لا يمكن ذكرها، وبات الكثير منهم يعاني من أمراض ضغط الدم وقرحة في المعدة في الوقت الذي لم يكن لديهم أي تاريخ طبي قبل الاعتقال، إلى جانب ذلك هناك إهمال طبي متعمد لأوضاع المعتقلين الصحية ورفض معلن لتقديم العلاج للسجناء المستحقين، بل وعقوبة مغلظة لمن يطالب بإخراجه لأغراض تلقي العلاج.
ويُزاد على الاكتظاظ في السجون والتعذيب المستمر للمعتقلين داخلها، التدخلات الحزبية والسياسية في ملف الإطعام وتشغيل الحوانيت وغير ذلك، والفساد الكبير والمتفاقم في هذا الملف، علمًا أن الشركات العاملة على ملف الإطعام لا يمكن السيطرة عليها بسبب النفوذ السياسي، وأن كل محاولات التدخل في هذا الأمر باءت بالفشل بسبب نفوذ جهات سياسية معروفة لكل مراقب للشأن العراقي.
أما على الصعيد العام في العراق الذي بات سجنًا كبيرًا في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة، فإن كل أبناء الشعب متهمون من قبل الحكومات المتعاقبة حتى يثبت عكس ذلك، متهمون بمناهضة الاحتلال وحكوماته المتعاقبة ورفض جميع التدخلات الخارجية، ولا سيما التدخلات الإيرانية، ولعل الأهزوجة الشعبية “إيران برة برة .. بغداد تبقى حرة” الأكثر تعبيرًا للإرادة الوطنية العراقية والأكثر رعبًا لحكومة إيران وأذرعها في العراق، وهذا ما أكدته أحدث استطلاعات الرأي العالمية مثل بيانات مؤسسة “غالوب” لاستطلاعات الرأي للعام 2023، التي أظهرت بأن الغالبية الكبيرة في العراق يكرهون التدخلات الإيرانية في بلادهم، وأن 86% من العراقيين يعارضون حكومات بغداد التابعة لطهران، وأن إيران لا تتمتع بشعبية جماهيرية في العراق حتى بين الأوساط الشيعية الشعبية العراقية.
وسيستمر هذا الحال بالنسبة للعراقيين الرافضين للاحتلالين الأمريكي والإيراني للعراق ما دامت أسباب ذلك، حتى يكتب الله الخلاص للعراق وأهله من التسلط الإيراني والطمع الأمريكي. ومع ذلك، من المهم أن نلاحظ أن العراق دولة ذات تاريخ غني وتنوع سكاني. وفي حين أن هناك تحديات كبيرة بلا شك، من الضروري أيضًا الاعتراف بتصميم الشعب العراقي ومواصلة الكثير من العراقيين العمل من أجل مستقبل أفضل، ويسعون من أجل السلام والاستقرار وتحسين الظروف المعيشية. وبالمقابل على المجتمع الدولي بذل جهود جادة وطويلة الأمد لمعالجة القضايا التي يواجهها العراقيون بشكل جذري لا ترقيعي، بما في ذلك تغيير النظام السياسي القائم على المحاصصة ونبذ الطائفية وإحقاق العدالة والعمل على تحسين الأمن وتعزيز المصالحة ودعم التنمية الاقتصادية. بحيث تهدف هذه الجهود إلى دعم المبادرات التي تعزز السلام العادل والاستقرار الحقيقي والرفاه المستدام للشعب العراقي خلق عراق موحد أكثر شمولاً وازدهاراً.