قضايا وآراء | التعليم والتعلّم .. بين المدرّس الناجح والطالب المجتهد

(مبحث تربوي)

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

يُظن في مهنة التعليم أشياء خطأ كثيرة ، ويشاع عن مهمة التعلم أشياء أكثر ، وهي المهنة الأكثر فهمًا مخطوءًا على الإطلاق، فنحن نعرف المهندس الناجح بسهولة من نتاجه على الأرض وذاك واضح بيّن لا يختلط مع غيره من المهندسين كزميله الفاشل، الذي نحكم بسهولة أنه لا يستحق أن يكون مهندسا فهو لن يعمل أو يتقلد وظيفة إلا “بمحسوبية” أو في دولة فاشلة مثل “العراق الجديد” أو “دول الموز” في إفريقيا ، أما في البلدان المحترمة فإنه يُركن ويَشق طريقه بمهنة أخرى تناسبه وتليق بتركيبة عقله ومهارات بدنه، ويستكمل المجتمع بنيانه بمهندسين موهوبين ناجحين يسيرون به إلى هذا التطور الذي نراه ، وهكذا الطبيب والمحامي ، فهذا طبيب فاشل لم ينفع الناس بل نفع نفسه “ماليًا” من خلال شهادة مزورة الفحوى مجوفة العلم لم تكن له ولم يكن لها وإنما انتحلها ظلما تبعا لنظام دولة فاشلة التعليم خارجة من التصنيف مثل “العراق الديموقراطي” أو “دولة قبائل الزولو الإفريقية” أو بعض الدول غير المنضوية تحت نظام الأمم المتحدة صحيًا أو تعليميًا ، فصار طبيبا دون تطبيب ، وأكمل المجتمع حاجته من أطبائه الحقيقيين أو فر أبناؤه إلى تلك البلدان المحترمة طلبا للنجاة.

أما المدرس فلن يعرف بهذه السهولة ولا حتى بالصعوبة ، فأغلب المدرسين الناجحين لا يدري أحد عنهم شيئا إلا طلابهم النبهاء أو الأوفياء المخلصون ، ويُرفَع كثيرا -بسببهم- قدر المدرسين الفاشلين وشأنهم دون استحقاق ، وسأفصل ذلك في هذا المبحث ومعه فائدته بإذن الله ، لكن أولًا علينا أن نعود إلى مقارنة المهن الأخرى فنقول : إن طريق الرجل ليكون مهندسًا ناجحًا ومحاسبًا ناجحًا وغيرهما من المهن أسهل كثيرا من ان يكون مدرسًا ناجحًا، وشروط ذلك ومتطلباته أكثر بكثير، رغم أن الشهادة المطلوبة للمهن الأخرى نيلها أحيانا أصعب من نيل شهادة تعمل بها كمدرس، بل إن كثيرا من البقالين والسواقين وعمال البناء يعملون -في البلدان المنهارة هذه – “مدرسين ومحاضرين” ويتقاضون رواتبًا أو يأخذون أجورًا على أحسن ما يكون.

عملية التعليم لها ثلاثة أطراف محورية لا غنى عنها وأطراف أخرى ثانوية ساندة أو مؤثرة، فالمعلم -بكل ألقابه- والمتعلم -بكل أعماره- والمنهج -بكل أشكاله – هي الأطراف الرئيسة، ثم المؤسسة التعليمية -بكل مسمياتها- ، والعائلة -بكل أفرادها ومستوياتها – ، والبيئة المحيطة -بكل سماتها ومميزاتها – ، والمجتمع -بكل تفاصيله الراقية أو المنحطة، هي الأطراف الداخلة في التأثير على العملية التعليمية التي هدفها فرد واحد وخلق مستقبله وصناعة دوره للمجتمع في المستقبل ،، وهو “المتعلم” ،

اهتمت بحوث التربية ونظرياتها ومدارسها على مر العصور بالسبل الموصلة لإنجاح العملية التعليمية وبرصد مراحل التعلم وصولًا إلى هدفها النهائي وهو إعداد طالب مؤهل لما خَطط له هو أو لما خططت له الدولة حسب المجتمع، وقد درسنا ذلك وساهمنا فيه ودرّسناه ولو بشكل بسيط، لكن هذا المبحث يسلط الضوء على طرفي العملية التعليمية (الطالب والمدرس) من زاوية واحدة فقط، وهي التفاعل الصفي ومتعلقاته لفهم الدرس وإيصال المادة العلمية والخروج بنتيجة مرضية صحيحة.

يظن الناس أن المدرس هو خريج الجامعة الفلانية بالاختصاص الفلاني والمعين من قبل الوزارة المختصة براتب وقدره، والأمر ليس كذلك، المدرس هو بالأساس أسلوب التوصيل وطريقة الجذب وإعادة غير المفهوم -من المادة العلمية- وملامسة عقل وإحساس كل الطلبة الراغبين وإقناع عدد من غير الراغبين للالتحاق بدرسه والانضمام للفهم الجمعي والمشاركة بالنشاطات ، وهذا لا يتم بالخطة “الصمّاء” التقليدية التي يطالب بها المشرفون بل بتطبيق ستراتيجية أساسها الموهبة وأدواتها النشاط والاحتراف، فالمدرس الناجح -كما ألمحنا في أول المقال ونفصِّل هنا- لا يقاس على نتائج الطالب المتفوق فطريا، بل على الطالب المجتهد الطامح للتفوق “والذي قد يكون متكاسلًا أو ضعيفًا في بادئ الأمر” وهذه النسبة الغالبة من الطلبة فإن تركناها بحجة الضعف أو الكسل فلن ننقذ المجتمع تعليميا ، وسنأتي على الفرق بين الطالب المجتهد والمتفوق عند بلوغنا جانب الطالب من هذا المبحث.

المدرس:

1-على المدرس أولًا أن لا يدرس نفسه ويلقي المعلومة بين الطلبة على أنها معروفة وأولياتها مهضومة وما قبلها قد حسم فهمه في مراحل سابقة، وعلى أن فهم الطالب لتلك المراحل ليس من مسؤوليته فيأخذ الأمر من وسطه أو من أعلاه “بحسب تقدم المرحلة” إنما لابد من العودة إلى أساس المعلومة ومقدمات تركيبها -وإن بقدر- يتحكم بمداه ومقداره فحص تأثير سرد المعلومة “القديمة” على الصف ونسبة من يجد عندهم فهم مسبق-جاء من إخلاص ونجاح المدرس الذي قبله وظروف الطالب – وكذلك عدد من لا يجد عندهم مثل ذلك الفهم، فإن قل أو زاد يبدأ المدرس بإعادة تذكير من وجده فاهما وتأسيس جديد لمن وجده غافلًا عن ذلك، من أجل رسم خط واحد للانطلاق يتخذ الفهم الأدنى -بين الطلبة- نقطة للشروع بشرح موضوعه الجديد رابطًا إياه بأساسه القديم، فالطالب ليس “أنت” وعقله ليس عقلك، وإنما هو طالب مبتدئ وأنت مدرس محترف ، فاستحضر ذلك.

2- يلزم المدرس في أول دخوله إلى طلابه من كل صف أن يختبر -ضمنيًا وأثناء الشرح ودون تقنين- قدرات طلبته الاستيعابية خلال الأيام القلائل الأولى من مباشرته العام الدراسي وذلك لينطلق في تدريسه من أقل الطلاب كفاءة في الاستيعاب وأبطأهم سرعة في الفهم، حتى يطبق “سيروا على أضعفكم ” ويكون العمل جماعيًا لا انتقائيا، فيجد طلبة الصف الواحد أنفسهم متساوين عند حديث المدرس وشرحه، فيرفع أولا الطالب الضعيف -على الأقل في تفاعله الصفي- إلى مستوى الطالب الجيد ثم السير بعد ذلك على نسق واحد بعدم ضمانه لردم هوة التفاوت، فإنك إذ لا تستطيع جبر الفروقات العقلية بين الأفراد فعليك أن تجبر الفروقات الفهمية، فهذه في وسعك، ووسائلها كثيرة؛ منها جذب الانتباه والمتابعة والإصرار على محاورة الطالب الضعيف -بلطف- وتعريضه للأمثلة والتطبيق، وحثه على التواصل في الإنصات وإدخاله في مشاركة ينظر فيها إلى الطالب المستوعب بمقال جديد، وينبهه بطريقة تنافسية شيقة أن يتابع إجابة ذلك الطالب الشفوية الآنية الصفية وفقا للمثال المطروح، فيرى الطالب الضعيف أن الامر ليس عصيًا على غيره من الطلبة ومقصورا على المدرس بل هو أمر بمتناول زملائه وقد رآهم رأي العين يتعاملون بإيجابية واقتدار مع المثال، فلم لا يكون أحدهم أو ربما يتفوق عليهم.

3- بعد أن اطمأن المدرس لفهم المستوى الأول من الطلبة لشرحه للنقطة المعينة وهؤلاء قد يصل عددهم إلى نصف الصف في أعلى المستويات، يعيد الشرح لنفس النقطة-بحسب أهميتها في حلقات الفهم- قاصدًا المستوى الثاني من طلبة صفه، فيختار من الشريحة غير المشاركة سابقا بشكل عشوائي طالبا أو طالبين فيعيد الشرح بنفس المثال ولكن بطريقة أخرى “تحاورية” أو يبتكر مثالا جديدا بالطريقة نفسها مع الإصرار على التحاور وإعطاء الدور الأكبر للطالب في الحل مع إشارات بسيطة عند الحاجة، حتى إذا اطمان أنه فهم تماما يقيس عليه أمثاله بالمراقبة والمسح التلقائي من تعاببر الوجوه أو الأسئلة المستفزة للتفكير والتحليل، إذ لا يمكن -لمحدودية وقت الدرس- أن يستنسخ هذا الفعل التفصيلي على كل طالب على حدة، فمعلوم أن إحدى معوقات التعليم الناجح هي الوقت المحدد للدرس، ولا يمكن إطالته وإن كان درسا خصوصيا، وذاك لتجنب الملل، فالملل هو الآخر عائق كبير أمام الطالب للتعلم فوجبت الموازنة.

وهكذا ينتقل للمستوى الثالث وربما الأخير قبل إنهاء الدرس، ولا شك أن اتباع هذا الأسلوب وإن بدا متعبًا معقدًا في البدايات إلا أنه ناجع نافع في النتائج، مع الوقت تتقارب مستويات الفهم ويعتاد الطلبة على طريقة الأستاذ فتخف مهمته وتتقلص الفوارق ومعها تتقلص المستويات ويسهل العمل. فالمدرس الناجح هو الذي يُفهم الطالب وليس الذي يفهم هو فقط، ففهمه لنفسه لا نفع فيه وإن كان عالمًا نحريرًا، مالم ينقل من علمه شيئا ينفع به الناس، ومن فهمه فهمًا ينتقل إلى طلبته الذين سيكونون يومًا مثله، “مدرسين” يحتاجهم العلم والمجتمع.

كنت أدرس صفًا للغة الإنكليزية -طلبته عرب- وأثناء سوقي للأمثلة اضطر للانتقال للغة العربية للمقارنة بحسب أسلوب الـ Linguistics فأعطي مثالًا عربيًا يقود إلى قاعدة نحوية عربية لأقرّب للطالب “العربي اللسان” فهمه، فاضطر لشرح الاستفهام العربي أولا لأنتقل منه إلى نظيره الإنكليزي، أو الجملة الفعلية العربية ومقارنتها بجملة (الفاعل) الإنكليزية أو أسلوبَي1 الشرط ب إن أو اذا مقابل “If” ومعانيهما، فحدث يوما أن استوقفني مدرس اللغة العربية الذي يشاركني المرحلة وكان بارعًا في اللغة العربية مشهودًا له، فقال: يا أستاذ ألسْتَ مدرسًا للغة الإنكليزية قلت بلى،

قال ألا ترى فيّ كفاءة في العربية ونحوها وصرفها، قلت بلى،

قال فلماذا طلابي يقولون إننا فهمنا الموضوع الفلاني -وأشار إلى موضوع نحو عربي- من مدرس اللغة الإنكليزية بشكل أسرع، وكانوا مبتسمين، فهل أنت أقدر مني في العربية ولا ادري!

قلت: لا حاشا، أنت أقدر ولكني سأشرح لك فاسمع:

أنت رجل بمرتبة عالم في تخصصك وأنا مدرس، أنت تعرف من النحو العربي 60 % وأنا أعرف 30% ولكن أنت لا توصل للطلبة من علمك إلا 10 % أو أقل بينما أنا أوصل الـ 30% التي أملكها كلها، فينتفع الطالب مني أكثر مما ينتفع منك، وخصوصًا الطالب الأضعف الذي لا يعني له العالم شيئا، بل علاجه المدرس، فلا تبتئس فأنت ما زلت الأقدر، فرضي وابتسم وكان زميل ثالث لنا واقفًا فاستحسن الجواب واعتبره تخلصًا دبلوماسيًا مني، وأخذ المدرس المقصود بنصيحتي وتفرغ لإكمال بحوثه العلمية وترك التدريس حينًا.

الطالب

لتنجح العملية التعليمية وتثمر تحتاج لنجاح الطرف الرئيس الثاني فيها والهدف والأهم وهو المتعلم (الطالب) ، ونجاح هذا الطرف أوضح للملاحظة من نجاح الطرف الأول (المدرس)، فهو مخرجات العملية التعليمية وربما يقاس عليه نجاح المدرس وليس العكس وإن كان في هذا المقياس كلام ولكن عمومًا هذا هو الدارج ولا يمكن ثني المجتمع أو حتى الدوائر الإحصائية والاستبيانية عن هذا الفهم، وأنا أرى أنه يصح قياسا لكن مع شروط أولها الطالب المجتهد (بمعنى الذي لا نية لديه ولا قرار في نفسه أن يقاطع التعليم)، وإذا قلت وكيف يقاس المدرس الناجح على طالب هو أصلا متفوق قبل وصوله ليد المدرس، وكيف تناقض ما قلته في مقدمات المبحث من أن المدرس عليه ألا يتفاخر علينا بنتائج الطالب المتفوق في الأصل بل بالطالب الضعيف، نعم وما زلت على قولي ولكن دعنا نقف على تعريف هذا الطالب ليتوضح اللبس، فالطالب المجتهد غير الطالب المتفوق، فكل متفوق مجتهد قطعًا ولكن العكس غير صحيح، فربما مجتهد ولكن لم يقتدر على التفوق لأسباب احدها وقوعه بين يدي مدرس فاشل أو مقصر، أو دراسته لمناهج فاشلة أو وجوده بمؤسسة تعليمية أو تربوية فاشلة بتأثير مدير فاشل أو تحت جناح دولة فاشلة مع قوانين فاشلة و أوضح مثال لذلك دولة العراق ما بعد 2003 تحت الحكومات الديموقراطية الفاشلة، فالفرق بين مخرجات التعليم قبل ذلك ويعده من زاوية مراقبة الطلبة المجتهدين لا تقارن، كان يخرج منهم علماء واليوم يخرج منهم في أحسن الأحوال مهندس أو مدرس أو طبيب أو حقوقي “شبه ناجحين”، ويحدث هذا أيضًا في مصر الحاضر وسوريا، بينما يحصل العكس في ماليزيا وسنغافورة وتركيا، فقد تطورت هذه الدول بتطوير قوانين وأنظمة التعليم وطرق القياس والتقويم، فالطالب المجتهد هو الذي عقد النية واقتنع بالواقع ونصب الهدف و أحب التعلم، ولك أن تسميه “الملتزم” إن شئت حتى لا تخلطه خطأ بالمتفوق، وهذه هي شروط الاجتهاد الأولى دون شرط أن يكون قادرًا على التفوق أو لا، ودون ضمان أن سيجتاز مرحلته التي بلغها أم لا، ودون تأكيد قدرته على الإصغاء أو المشاركة في النشاط الصفي والبيتي أم لا، فكل ذلك دور المدرس والمؤسسة والأنظمة والمنهاج، ليس على هذا الطالب لينجح أو ربما يتفوق إلا شروط الاجتهاد الأولى، فإن فشل في التعلم واجتياز مرحلته لأي من الأسباب أو الشروط أو الأركان الأخرى فهي مسؤولية المؤسسة والمنهاج والمدرس، ويتحمل المدرس العبء الأكبر في ذلك، وعليه اللوم الأول، فقد وضعت بين يديه خامة صحيحة ولم يصنع منها شيئا، فإصغاء الطالب المجتهد أسلوب المدرس، ومشاركة الطالب المجتهد ستراتيجيته ونشاط الطالب المجتهد مرتبط بنجاح دافعيته (أقصد المدرس) أيضا، وتعلم الطالب المجتهد مهمته وتفوق الطالب المجتهد مهارته في التدريس ونجاحه في إدارة الصف، وقبل كل ذلك “علميته ومعرفته وكفاءته”.

ولا لوم على جهة الطالب إلا إذا كان متغيبا متهربا معاندا متمردا على أهله ونفسه والنظام، فهذا إصلاحه عند أهله أو عند المرشد التربوي وليس عند المدرس الذي لا يجده أمامه و إن وجده فهو منشغل بتدريس المجتهدين والجادين والمتابعين -وهم مسؤوليته الأولى وأمانته- ولا وقت ولا جهد لمطاردة المتسيبين في حوانيت المدرسة ونوادي الكلية وزوايا الجامعة، إنما تلك وظيفة الإدارات والدولة والنظام والأهل والطالب نفسه.

أما كيف يساعد الطالب المجتهد نفسه ومدرّسه على تمام الفهم والنجاح متقدما إلى احتمال التفوق؛ فإن مهمة الطالب في ذلك لا تقتصر على الحضور الجسدي أمام مدرسه وإنما الحضور الذهني والشعوري والتفاعلي، وهذا وإن كان من وظائف المدرس ومهاراته إلا أننا لا يجب أن ننسى أن الطالب بإصغائه الطوعي ومحاولة التركيز التلقائي وإصراره على التقاط المعلومة ومتابعتها بالسؤال والمثال والمشاركة والمناقشة سيثبّت الفهم في عقله والمعلومة في حافظته.

وكما إن المدرس الناجح يكون ماهرًا في الإفهام فإن الطالب المجتهد ليكون متفوقًا عليه أن يتحصل على مهارة الإصغاء وقدرة الاستيعاب وتلكما تأتيان ببدء المتابعة من أول الكلام وانقطاعه عما حوله من مؤثرات وما خلف مدرسته من خيالات وتصورات وعما في بيته من حوارات، فإن فاته ذلك دون قصد عليه أن يوقف المدرس ويطلب منه إعادة التمهيد، ثم يتابع مستويات الشرح دون إغفال وكذلك مشاركات زملائه وانتقالات المدرس، وكلما فاته جزء من فهم الموضوع حاول استدراكه أولا بالانتظار كي لا يقطع استرسال الدرس فلعل الآتي سيكون تعزيزًا للفهم السابق فيستدرك، فإن لم يجد ورأى أن الدرس متجه إلى موضوع جديد فإنه إما يسجل ملاحظة تذكره أن يسأل عن ذلك لاحقًا أو يسال مَن فهم من زملائه عند انتهاء حصة الدرس أو يتحين فرصة أخرى يطلب فيها من المدرس الإعادة، وكم من طالب مجتهد لحقني في الممرات قبل وصولي لغرفة الاستراحة واستدرك فهمه واستكمل معلومته.

والانتباه لا يتحقق بطريقة الجلوس أو بإدامة النظر فعلى المدرس ألا يحاسب الطالب المجتهد على طريقة جلوسه طالما لم تخل بالآداب العامة ولا أن يطالبه بإدامة النظر، نعم النظر إلى المثال على اللوحة ضروري ورؤية تعابير وجه المدرس وإشاراته تساعد على الفهم ولكن أحيانا يحتاج الطالب أن يدوّر الفكرة برأسه لثوان لا يكون فيها قادرا على إدامة النظر، ثم أن ليس كل مفتّح العينين متابع، فعلى الطالب المجتهد منع نفسه من “السرحان” إلى الخارج وعلى المدرس الناجح تفسير النظرات فربما هي صورية غير شعورية.

والطالب المجتهد عليه أن يستثمر كل الامتحانات الشفوية والتحريرية والاختبارات الصفية والبيتية لفحص صدقية استيعابه ولا يعتمد على الامتحان الرسمي فقط والذي يكون في المؤسسات الجامدة والدول المتخلفة تعليميا -كما فصلنا في مقال سابق- مجرد ترديد للحفظ ويمكن اجتيازه بالغش أيضا-، بل وأن يكون الكتاب وملحقه النشاطي وواجبات المدرس هي السبيل لذلك وليس “الملازم الجاهزة الحلول” والمكررة الأسلوب ثابتة المعلومات صامتة عن المحاورة والإجابة ، وهي من الأدواء في مجتمعنا التعليمي اليوم وليست من الدواء.

ودور المدرس هو حماية هذا الطالب المجتهد من الانزلاق وراء فشلة المدرّسين ومستغليهم بواسطة النصح والتبيين ومنعه من أن يسحبه معهم الطلبة المتسيبون وألا يؤثروا عليه إن جلسوا إلى جنبه في الدرس، وألا يدفعه-أقصد المدرس- أن يكون مثلهم برتابة أسلوبه وجفاف معلوماته ونضب مصادره، وعلى النظام والأهل ألا يحاسبوا المدرس على الطالب المتسيب المتمرد بل على الطالب الملتزم أو المجتهد فإن لم يتطور فإن مدرسه مقصر وإن المؤسسة التي هو فيها قاصرة أو أن الخلل في المنهاج.

Similar Posts