مرتكزات وأهداف المشروع الإيراني في العراق

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

منظور وطبيعة وأسس العمل التنظيمي والعقائدي للنظام في طهران أنه يعمل باتجاه الحرص على مكانته ودوره في المنطقة العربية وتعزيز تواجده في العواصم العربية المهمة والتي تشكل امتدادا لتواجده ونفوذه في العراق والذي تحقق نتيجة إطلاق يد أدوات النظام الإيراني من قبل الإدارة الأمريكية بعد غزوها للعراق وأبان إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، حيث عملت وبشكل واضح وميداني على تكوين مسارات الدولة العميقة التي سماتها التحكم بالقرارات المهمة في جميع الميادين السياسية والأمنية والاقتصادية والتي تلقي بظلالها وفعلها الميداني على قرارات الحكومة في بغداد وبما يحقق  انسجاما وتطابقا وتوافقا مع المشروع السياسي التوسعي الإيراني وأهدافه ومنطلقاته في التحكم بمسارات الحياة في العراق.

نجح هذا المشروع في احتواء العراق والهيمنة عليه بل تطويقه في جميع المجالات وإرساء دعائم هذا الاحتواء في خلق العديد من المشاكل والأزمات داخل المجتمع العراقي والتأثير على نسيجه الاجتماعي وتواصله الإنساني فعزز الجانب الطائفي في حياة الشعب العراقي ورسخ مفهوم المحاصصات السياسية الطائفية التي كان لها الدور الفعال في هيمنة الأحزاب والكتل السياسية المدعومة من قبل إيران على الحياة السياسية في العراق والعمل وفق ما تمليه مصالح وأهداف المؤسسات الأمنية والسياسية في طهران وبما تسعى اليه في تحديد مفهوم دورها العقائدي الميداني في رسم السياسات الواقعية في العراق، لهذا فقد شهد المشهد السياسي العراقي العديد من المشاكل التي انعكست بشكل واضح على طبيعة الأحزاب السياسية الحكومية في علاقتها مع بعضها وعدم تمكنها من إيجاد رؤية مشتركة للأوضاع والأزمات التي يعيشها أبناء الشعب العراقي نتيجة تبعيتها الى أهداف ومصالح إقليمية ودولية وعدم اهتمامها وإعطاء المعيار الأساسي في عملها لخدمة الشعب العراقي بكل طوائفه وفئاته وانتماءاته بل البحث عن ما يرضي طموحاتها الشخصية وأهدافها الفئوية ومصالحها المادية ،لهذا استمرت صور المراوغة والخداع في إكمال تشكيل الحكومة العراقية واتخذت مسارات عديدة كان لأدوات ووكلاء إيران أثر بالغ في التأثير على طبيعة وعمل هذه الأحزاب والشخصيات السياسية التي مارست الكثير من عمليات التضليل السياسي والخداع الفكري والتأثير المذهبي والطائفي على طبيعة وسلوك المجتمع العراقي ولكنها لم تفلح في الاستمرار في سياستها التضليلية بسبب وعي وانتباه ويقظة أبناء الشعب العراقي.

كان من أبرز هذه الملامح والمعطيات هي إطلاق اليد الطولى للنفوذ والهيمنة الإيرانية في العراق والسماح والتغاضي على الأساليب التي اتبعتها الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإيرانية وتوجهات قيادة الحرس الثوري الإيراني وتدخلهما في الشأن الداخلي العراقي  واستخدام جميع الوسائل والأدوات في إحكام السيطرة على العديد من المؤسسات والدوائر الحكومية المتنفذة في العراق وتأسيس فعال لأدوات الدولة العميقة التي أنشأتها ودعمتها الأجهزة السياسية والعسكرية والأمنية الإيرانية واختارت العديد من الشخوص والوكلاء التابعين لها وأغدقت عليهم المال والسلاح لتمكينهم من السيطرة والنفوذ واستخدام شتى أنواع الاضطهاد والتعسف ضد كل مواطن عراقي يقف بوجه المشروع الإيراني في العراق.

هذه المنعطفات التي آلت إليها الأوضاع العامة في جميع محافظات ومدن العراق وتمكن النظام الإيراني من الهيمنة على القرار السياسي العراقي والتدخل في تشكيل جميع الحكومات التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق ودعم وساند جميع أحزاب السلطة والكتل السياسية والمليشيات المسلحة التي تنتهج وتتبع خطوات المشروع الإيراني والتي كانت تتمتع بعلاقات وثيقة مع النظام الإيراني وأجهزته التنفيذية والأمنية قبل الغزو الأمريكي للعراق وأثناء تواجد العديد من قيادات هذه الأحزاب والكتل والمليشيات على الأراضي الإيرانية وتحظى برعايتها.

جاء الاحتلال الأمريكي ليؤكد طبيعة ونهج الإدارة الأمريكية في تعزيز مصالحها في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية ولهذا نراها عملت على إدامة العلاقة مع النظام الإيراني خاصة أثناء المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني التي سعت الولايات المتحدة الأمريكية لإنهائه في عهد الرئيس أوباما وتحقيق مكاسب ذاتية لإدارته ونتيجة لهذا الاتفاق فقد ساهمت هذه الإدارة في تسيد النظام الإيراني للواقع الميداني في العراق وتعزيز تغلغله داخل المجتمع العراقي والتأثير على نسيجه الاجتماعي وزرع مفهوم الطائفية الدينية ومن بعدها الطائفية المتلونة بالسياسية لتكون عاملا في تمزيق الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي المتماسك الذي عرف واتصف به المجتمع العراقي الواحد بغية السيطرة عليه والتمكن من تحقيق الغرض الأساسي في اعتبار العراق حجز الزاوية المهم والممر الرئيسي في العبور باتجاه عواصم الأقطار العربية ونشر وتوسيع دائرة المشروع الإيراني في الهيمنة والسيطرة والنفوذ على جميع مقاليد الحياة والتحكم في مقدرات الأمن الوطني والقومي للمنطقة العربية.

هذا المشروع الذي أصبح معلوما لدى العراقيين وأيقن الشعب العراقي أن الإيرانيين لا يبحثون إلا عن مصالحهم ومأربهم وأهدافهم في العراق والمنطقة العربية وأثبت الأحداث صحة هذه التوقعات من خلال العديد من السياسات الواقعية ذات النهج المصاحب في التعامل مع الأزمات التي مر بها العراق وشعبه من انقطاع للطاقة الكهربائية وشحة المياه في جنوب العراق وتلوث مياه شط العرب وتغيير مسارات الروافد المائية الرئيسية لنهر دجلة باتجاه الأراضي الإيرانية وبأدوات وأساليب اتبعها النظام الإيراني بعيدا عما يحاول نشره وتداوله من أحاديث ولقاءات ومقالات صحفية من قبل العديد من المسؤولين الإيرانيين بأن ايران والعراق حالة واحدة والعلاقة التي تربط البلدين علاقة وثيقة ومتينة مبنية على أهداف مشتركة ورؤية سياسية واقتصادية واحدة، كل هذا الحديث أصبح لا قيمة له وكلاما أجوفا وأستطاع الشعب العراقي وقواه المناهضة للاحتلال الأمريكي والرافضة للتواجد الإيراني وأدواته أن يعبر بصورة إيجابية عن هذا الرفض الشعبي للمشروع الإيراني بالتظاهرات الشعبية العفوية التي انطلقت في عموم محافظات الفرات الأوسط والجنوب العراقي الأصيل ونادت وطالبت بحقوق أبناء لبلد وضرورة توفير الخدمات الرئيسية وتلبية متطلبات العيش الكريم ومعالجة السلبيات والإخفاقات التي رافقت العملية السياسية التي جاء بها المحتل الأمريكي والتي اعتبرها المنتفضون الأحرار عملية فاشلة مرهقة أثقلت كاهل المواطن العراقي وأصبحت تشكل عبئا ثقيلا إضافيا في حياته.

طالب المنتفضون بمحاسبة الفاسدين والمفسدين ومسؤولي الأحزاب والكتل السياسية في البلد وإحالتهم على المحاكم والحفاظ على ثروات البلاد والمال العام والعوائد المالية بعد أن تسبب الفساد المالي في إهدار الكثير منه خلال سنوات الاحتلال والحكومات المتعاقبة على حكم العراق.

بينما كان الدور الأمني والاستخباري الإيراني واضحا في عملية الإعداد والتدريب لعناصر المليشيات المسلحة والتي أخذت بالتدخل في الشؤون الأمنية وسيطرتها على الأوضاع الداخلية في مدينة بغداد وباقي المحافظات العراقية الأخرى واستغلت الأوضاع التي مرت بالبلاد وصعدت من عمليات انتشارها وتدريب عناصرها وتلقي التوجيهات والتعليمات من الأجهزة العسكرية والأمنية في إيران وأصبحت تشكل قوة كبيرة تنافس القوات العسكرية والأمنية العراقية من حيث العدد ونوعية التسليح وطبيعة التدريب والواجبات المكلفة بها واستمرت عملية الإعداد لهذه العناصر الميليشياوية لكي يصل عديدها الى (120) ألف مقاتل وبدعم مالي يدفع من قبل حكومة بغداد لإدامة عملية الزخم والتدريب وإعداد المناهج والمعسكرات التي يشرف عليها ضباط الحرس الثوري الإيراني.

كان الهدف الرئيسي للنظام الإيراني هو تشكيل قوات مسلحة ذات إمكانيات كبيرة وتوجهات خاصة في العراق تكون مماثلة لتشكيل الحرس الثوري الإيراني بحيث يكون هذا التشكيل لديه القدرة على السيطرة على جميع مقاليد الحكم في العراق ولا يرتبط بأي جهة أمنية أو عسكرية تكون مشرفة عليه ،فهو لديه المرجعيات السياسية والعسكرية التي تشكل عمق العلاقة بين هذه التشكيلات والمرجعيات التي تساهم في إرساء دعائم المشروع الإيراني  وتلقي التوجيهات منه وفق المصالح الميدانية والحيوية للنظام الإيراني في العراق وعدم وجود أي ارتباط لهذا التشكيل بوزارة الدفاع وهيئة الأركان العراقية بل يرتبط مباشرة بمرجعية عسكرية إيرانية تمثل  فيلق القدس وقيادات الحرس الثوري الإيراني .

يمتلك النظام الإيراني تصورات وأفكارا وأفاقا إستراتيجية يسعى لتنفيذها في الأقطار العربية ويأمل في أن يكون قوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط لينافس الدول الكبرى في العديد من المشاريع السياسية التي تجري وتتفاعل في المنطقة العربية وواضح أن إيران تنافس الوجود الأمريكي منذ احتلاله للعراق في 9 نيسان 2003 وتعتمد إيران في العمل على تنفيذ مشروعها السياسي والأمني في العراق على العديد من المليشيات التي ترتبط بها وتوجه من قبل الحرس الثوري الإيراني وقيادة فيلق القدس وبهذا تحاول إيران جاهدة على أن يكون العراق أداة لتصفية حساباتها مع واشنطن ومشاع لتحركات النظام الإيراني وأدواته ووكلائه وتدخلاته بما يتلاءم ومصالحه وأهدافه التوسعية وتحقيق سطوته ونفوذه حتى على القرار السياسي في بغداد، وفي الوقت نفسه هناك العامل الدولي المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية التي تراقب بدقة وكثب هذه العلاقة وتعلم جيدا مديات التدخلات الإيرانية وطبيعة العلاقة المتينة التي تربط طهران بأدوات الحكومة في بغداد وتنظر بشكل حذر الى التوسع في العلاقات الإيرانية داخل المجتمع العراقي وفي جميع اتجاهاته وصوره وتعمل جيدا على متابعة هذه الأحداث ولكنها توازن بين مصالحها وأهدافها في العراق وسعيها للمحافظة على أدوات العملية السياسية التي رعتها وأتت بها بعد احتلالها للعراق في 9 نيسان 2003 لذلك فهي تسعى الى إعطاء إشارات ورسائل لحكومة بغداد للحد من هذه التدخلات أو الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران من قبل بغداد مع علم الإدارة الأمريكية ومؤسساتها أن الهيمنة  الإيرانية لديها القدرة على التحكم بمقاليد الكثير من الأمور والاتجاهات في العراق ومنها السياسية والأمنية وحتى الاقتصادية .

 هذه أهم التوجهات التي يسعى النظام الإيراني لتعزيزها وركائز وأسس رئيسية للدولة العميقة في العراق لتشكل خطرا على البنى الفكرية والسياسية والإستراتيجية لمفهوم الدولة في العراق وتساهم في تنفيذ المشروع السياسي الإيراني بإشرافه على جميع المؤسسات والدوائر الأمنية والعسكرية والأمنية ولتكون تحت هيمنته وسيطرته عبر تشكيلات الدولة العميقة ولكي تفقد الحكومة وأحزاب السلطة في بغداد قدرتها على التحكم في السلطة والسعي لتكون جميع قرارات وتوجهات السلطة في العراق موازية لأهداف وتوجهات المشروع الإيراني.

Similar Posts