نقص القادرين
الناقد أدهم الشبيب
لغير القادرين على فعل الخير أو المواقف الساندة عذر مقبول هو عدم قدرتهم على ذلك، فالعرب تقول: “الجود من الموجود”، فإن كان احتياجك مالا وصاحبك فقير أو غني لكن صادف أن لا مال تحت يده وقت حاجتك فله العذر، وإن كان احتياجك دفاعا وهو ضعيف لا طول لديه للدفاع عن نفسه فضلا عن دفاعه عنك فهو معذور، وإن كانت حاجتك لجاه أو موقف وهو غير ذي جاه أو حسب فلا حجة لك عليه، فمودته تدوم بحسن عشرته وبصفاء سريرته، ويكفيك منه وفاؤه وحفظه ونصحه.
أما القادر أن يمدك بمال عند افتقارك أو احتياجك ولا يفعل فهذا لا يصلح صاحبا ولا يعد صديقا، ومثله من يقصر في الدفاع عنك ضد خصمك وأنت على حق وهو مقتدر على ذلك، فهذا قليل المروءة عديم النخوة لا يستحق المصاحبة، وقرينهما صاحب الجاه الذي لا يعينك بجاهه في خطبة أو زواج أو رد مظالم الناس عنك أو شهادة حق لصالحك عند غيبتك أو ما شابه ذلك.
فهؤلاء تركهم أولى، وتمضية العمر معهم مضيعة ومرافقتهم خسارة، وإن كان قد وقع لك ذلك متأخرا وكنت قبل ذلك مخدوعا ظانا بهم الخير فأسرع بالهجر قبل فوات مزيد السنين فإن بقاءك مع أحدهم يعديك طباعه أو يورثك النفاق حيث العشرة دون محبة، وأما ما ضاع من عمرك من سنوات فإنه من نصيبك ورزقك مثل ضياع جهد أو خسارة مال فاحتسبه عند ربك.
بقي في جعبة مقالنا أصله وما كتب من أجله، وهم أولئك الذين وضعوا أنفسهم بين بين، واتخذوا من الكرم ستارا وهم ليسوا اهله، ومن حفظ الود وشاحا لا يليق بهم، إذ لا يبذلون شيئا ذا قيمة دونه، ومن حسن المواقف ثوبا لم يحسنوا غرزه ولا درزه، فهؤلاء يريدون أن يهربوا من موقع التخلي المخجل بحيلة، ويطمعون أن يكونوا في موقع المتفضل المساند بأقل وسيلة. يحتجون عليك بدراهم يقدمونها في شدتك وهي لا تغني لك شيئا ولا تسد حاجتك، قصدهم التهرب مما وجب عليهم من ذمة الصاحب ومما يقدرون عليه.
ويتفضلون عليك بوقفة شكلية لا تفضي إلى نتيجة ولا توصلك إلى غايتك ليثبتوا أنهم ساندوك وليسجلوا موقفا لا يفي بغرضك وهم مقتدرون عليه، ومرامهم من ذلك مجرد التظاهر والحسابات وخداع أصدقائهم والمساكين، فإن سألتني: وما اعتراضك عليهم، أليسوا خيرا من الذين لا يقدمون شيئا، أقول لك: لا.
فرغم أنه ما زال بين ظهرانينا مثل يقول: (حلاة الحسنة بالتمام) ولكننا نظن أن أداء جزء منها من قبل المقتدر فضلا، بيد أن العرب لا تعد الفاعل متفضلا بل تراه مسيئا، فقد كان الصاحب الغني على أيام المروءة يرسل إلى صاحبه المعوز -مبادرا دون سؤال- كسوة عياله وميرتهم لعام قادم ومعه سداد دينه مالا ومثله معه ليتصرف فيه.
وقد جاء في التراث -عبرة لذلك- أن شيخا كبيرا وفد على معاوية -وهو على الشام- مستعطيا فطلب منه الأمير عظةً أبيات شعر من قريضه وتجاربه فأنشد:
صحبت الناس قرنا بعد قرن ،،،، فلم أر غير ختّال وقالِ
فأعطاه معاوية على قوله ولم يجزل وقال أكمل واسأل:
فقال:
وذقت مرارة الأشياء طرا ،،،، فلم أر ما أمر من السؤالِ
فزاده معاوية لكن دون حاجته، وقال أتكمل؟ قال نعم:
ولم أر في عيوب الناس عيبا ،،،، كنقص القادرين على الكمالِ
وهنا بيت القصيد، ففهم معاوية أنه قصّر وهو المقتدر وإن هذا من أكبر العيوب، فقال: صدقت فأكرمه حتى أرضاه.
وهو يردد بيته من بعده:
ولم أر في عيوب الناس عيبا ،،،، كـ “نقص القادرين على الكمالِ”