غلاء المعيشة… صندوق النقد والشعوب الخانعة

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

الحكام والحكومات في البلدان الضعيفة إداريًا والمحكومة بوليسيًا والتابعة سياسيًا ترضخ لتعليمات بل طلبات لا بل أوامر صندوق النقد الدولي، يبدأ الأمر بسقطة واحدة، ماهي إلا سقطة من قبل حاكم أو حكومة مستبدة بوزراء فاشلين أو برلمان فاسدين فيخاطبون البنك الدولي أو صندوق النقد من أجل قرض أو دعم أو تسهيل كان قد نتج عن سرقات الحاكم أو عمالته كما في العراق، أو تخبطه واستبداده بداعي التطوير كما في مصر، أو ضعف الموارد وسوء التقنين كما في بلدان فقيرة (بالمناسبة ليس هناك بلدان فقيرة في الأساس فكل بلاد الله وأرضه غنية متقاسمة الثروات والمعادن أو الطبيعة بشكل متكامل) لكن التآمر الخارجي والعمالة الداخلية تفقرها أو تغنيها.

أقول يبدأ الحاكم الفاسد وأتباعه باللجوء إلى حكومة العالم الخفية متمثلة بواجهتها المالية(صندوق النقد) نتيجة أحد الأسباب السالفة التي لابد للشعوب فيها ولا سبب للطبيعة، وإنما هو يذهب طوعا بعد توريط منهم أو إغراء أو غباء منه أو فساد، فيبدأ صندوق النقد بفرض شروطه الاستعمارية المغلفة، عندما يأتي موعد السداد أو التجديد يبدأ خبراء البنك المزعومون بتقديم المشورة والنصح لإخراجك من الأزمة الخانقة التي يمر بها بلدك والتي صنعتها بيديك، وهذه المشورات هي أوامر لا مناص من تنفيذها، وتبدأ من الإيعاز لك برفع الدعم عن السلع الأساسية حيث “لا يجوز اقتصاديًا دعم سلعة من قبل الدولة في دستورهم” فيبدأ غلاء الخبز كما في مصر او غلاء الوقود كما في العراق، رغم أن مصر تنتج المواد اللازمة والعراق ينتج النفط. فتنهار الطبقة الفقيرة وينشرخ الأمن الغذائي للبلد.

ثم الإيعاز بخصخصة المؤسسات والشركات العامة المملوكة للدولة والتي قوامها الجماهير فيتم تسريح موظفيها وعمالها والاستغناء عنهم وتحويل ملكيتها لأشخاص فتنهار الطبقة المتوسطة وينشرخ الأمن الاجتماعي.

ثم الإيعاز بتقليص الوظائف للتخفيف عن كاهل الميزانية العامة التي جعلناهم الآن شركاء بها، وتخفيض سن التقاعد فتخسر الدولة قمة خبراتها وتخسر المؤسسات الحكومية عصارة مراسها مع غياب الأعمار التي قضت عقدين في العمل فسرحت قبل أن تعكس هذه الخبرات على المؤسسات لتطويرها ويأتي موظفون جدد لا يجدون من يتدربون على يديه فتنهار الطبقة الارستقراطية وينشرخ أمن الأجيال.  

ثم ألحث على الغاء مجانية التعليم وتخفيض الانفاق على البحث العلمي والصناعة العسكرية، وإيقاف الدعم والرعاية الاجتماعية للعاطلين، ومثل ذلك كثير وفي برامج متتالية (يسميها إصلاحية) وحقيقتها عكس ذلك.

وهكذا يسحب صندوق النقد دماء الدول المدينة والمرتبطة معه باتفاقيات عن طريق حاكم أحمق أو فاسد أو وزير مالية فاشل أو رئيس وزراء أطرم حتى تتحول دولة غنية كالعراق إلى فقيرة وضعيفة الاقتصاد يعاني مواطنوها من غلاء الأسعار وكأنهم من دول الجفاف، ودولة كبيرة مصدرة مثل مصر إلى دولة مستهلكة ومضطربة اقتصاديا يعاني أغلب مواطنوها الفقر المدقع وكأنها من جمهوريات الموز.

هل للشعوب دور فيما وصلت إليه دولتهم مع صندوق النقد وحيتانه؟ نعم الشعب هو المسبب الأول وهو الضحية، فالحكام يخافون من بطش الصندوق ومن وراءه فقد يصل به الأمر إلى رفع دعم الدول الكبرى عنهم وبذا يصبحون خارج الحكم بطريقة أو بأخرى، ولكن الذي يخاف منه صندوق النقد ومدراؤه وأصحابه ولا يمكن لهم إجباره أو تهديده هي الشعوب، فإذا اعتذر الحاكم بثورة شعبه أو اهتزاز حكمه الذي يضمن لهم موارده، خفف الصندوق الضغط أو ربما تراجع عما ينوي فعله، فإذا ثار الشعب فسيضيع عليهم كل شيء.

وبطرق الاتكاء على غضب الشعب ووعيه، وقبل ذلك تحقيق الاكتفاء الذاتي والصناعة والزراعة والتطوير والسيادة، تخلصت دول من قبضته بشكل ما أو تماما كما فعل نمور آسيا وفعلت تركيا وماليزيا ومثلهم قليل، فتلك شعوب حية مخيفة وأنتخبت حكاما مخلصين ودهاة.

وإذا رأى الصندوق الشعب ساكتا عما يجري من خطوات تثقل كاهله يستمرئ الأمر ويحاجج الحاكم أن “شعبك متقبل لزيادة الأسعار ورفع الدعم وتسريح الموظفين وتخفيض الرواتب وخصخصة المؤسسات” فعلام تماطل ،، استمر.

فصندوق النقد ومن وراءه لا يريدون شعوبا غنية ومترفة خصوصا من ليس في فلكهم أو بقوتهم، والعامل الوحيد الذي يجعله يستمر بالإفقار والاستغلال وشفط الثروات والدماء، هي الشعوب الخانعة التي لا تثور على الحاكم الفاسد.

ولا عزاء للفاسدين ولا الخانعين.

نسخة منه للناشطين المدنيين وإلى سياسيينا الطامحين.

Similar Posts