تأمل واقرأ وتدبَّر
(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)
بقلم : محمد الحسني
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات والبركات وبتوفيقه تتحقق المقاصد والغايات، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد صلاة تزيدنا فيه حبا وإليه قربا ومن كأسه شربا وعلى آله وصحبه ما سلك سالك لله دربا وما قال قائل رضيت بالله ربا ٠
أما بعد:
فلقد كان العرب من الصحابة الكرام والسلف الصالح العظام يدركون معاني القرآن بسليقتهم اللغوية؛ وبلاغتهم الفطرية؛ فيفهمون من عمق معانيه، ودقائق إعجازه، ما نشأت عليه فطرتهم اللغوية السليمة البليغة في البيان، ولقد كانت بلاغتهم الفطرية في ذلك منقطعة النظير، فنشأ جيل قرآني فريد لامثيل له، تلقى محكم البيان بفطرة البيان، وفطرة الإنسان معا، فخالط القرآن أرواحهم، ووصل تأثيره إلى شغاف قلوبهم، إذ فهموه وعقلوه وحرك فيهم مالم يحرك في الأجيال المتعاقبة كلها، فكان الواحد يرخي السمع لبعض آيات محكمه؛ فيغيره إنسانا آخر يتحرك بالقرآن فهما وتنزيلا في واقع الحال، وهذا أمر تتصاغر دونه شوامخ قمم الجبال، وسر ذلك أنهم عقلوا البيان بفطرة البيان، وهو ما قصرت دونه البلاغة الذوقية في مرحلة لاحقة في الأجيال المتعاقبة، ثم البلاغة التقعيدية التعليمية بعد ذلك؛ لذلك ففهم الجيل الأول من الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم جميعا- لبيان القرآن، حجة على من جاء بعدهم وبرهان.
ثم ضعفت السليقة اللغوية، وداخلها دخن المخالطة مع غير العرب في زمن الفتوحات، وما بعدها؛ فضعف اللسان وضعف الفهم له؛ تبعا لذلك، فكان لابد -والحالة هذه-من تعلم اللسان، وضبط فهمه، والتعمق في معرفة أسرار اللغة، ودقائق تعبير القرآن العظيم؛ لفهم إعجازه ونظمه، ودلالات بيانه.
فنشأت لذلك علوم اللغة والبلاغة، وكان الغرض، منذ نشأتها الأولى؛ فهم معاني القرآن، وتراكيبه وأساليبه، ولم يكن الداعي لذلك- فقط- شيوع اللحن كما يقال. (البيان القرآني بين عروج المعاني والقصور الإنساني / عبدالله الهتاري / مقال من موقع إسلام أون لاين)
نقف اليوم على قوله تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) الأعراف ١٣٧
السؤال لماذا هذا التغيير في استخدام الأفعال بين الماضي والمضارع ؟؟ ولمن يعود الضمير في (ربك) والقصة كلها عن بني إسرائيل؟؟
جاء في تفسير البحر المحيط قوله:
كانَ كَما تَرَجّى مُوسى فَأغْرَقَ أعْداءَهم في اليَمِّ، واسْتَخْلَفَ بَنِي إسْرائِيلَ في الأرْضِ ﴿الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ كانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَعْبِدُهم ويَسْتَخْدِمُهم، والِاسْتِضْعافُ طَلَبُ الضَّعِيفِ بِالقَهْرِ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى قِيلَ اسْتَضْعَفَهُ، أيْ: وجَدَهُ ضَعِيفًا ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي الأرْضُ كُلُّها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وأمّا عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّهُ مَلَّكَ ذَرِّيَّتَهم وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ﴾ الشّامُ ﴿ومَغارِبَها﴾ دِيارُ مِصْرَ، مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إيّاها بِإهْلاكِ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وقالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَصَرَّفُوا فِيها كَيْفَ شاءُوا في أطْرافِها ونَواحِيها الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: هي أرْضُ الشّامِ، وفي كِتابِ النَّقّاشِ عَنِ الحَسَنِ: أرْضُ مِصْرَ والبَرَكَةُ فِيها بِالخِصْبِ والأنْهارِ وكَثْرَةِ الأشْجارِ وطَيِّبِ الثِّمارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ بِإقْدامِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ مَقامِهِمْ بِها ودَفْنِهِمْ فيها ٠ انتهى ( البحر المحيط / ابو حيان الغرناطي / بتصرف )
هذا هو مجمل المعنى للآية الكريمة كان لابد من توضيحها قبل بيان الأجوبة على أسئلتنا التي أوردناها سلفا.
يقول الطنطاوي في تفسير الوسيط:
وجمع-سبحانه-بين صيغتي الماضي (أورثنا) والمستقبل (يستضعفون) للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده، والمراد بهم بنو إسرائيل، وذكروا بعنوان القوم، إظهارا لكمال اللطف بهم، وعظيم الإحسان إليهم، حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة. انتهى
وجاء في تفسير ابن عاشور:
والخطاب في قوله: {ربك} للنبي صلى الله عليه وسلم أدمج في ذكر القصة إشارة إلى أن الذي حقق نصر موسى وأمته على عدوهم هو ربك فسينصرك وأمتك على عدوكم؛ لأنه ذلك الرب الذي نصر المؤمنين السابقين، وتلك سنتُه وصنعه، وليس في الخطاب التفات من الغيبة إلى الخطاب لاختلاف المراد من الضمائر.
وعدي فعل التمام بـ “على” للإشارة إلى تضمين {تمت} معنى الإنعام، أو معنى حقت.
وفعل {كان} في الصلتين (ما كان يصنع) (وما كانوا يعرشون) دال على أن ذلك دأبُه وهجيرَاه، أي ما عني به من الصنائع والجنات. وصيغة المضارع في الخبرين عن (كان) للدلالة على التجدد والتكرر٠ انتهى
وقيل: معنى تمام الكلمةِ: إنجاز الوعْدِ الذي تقدَّم بهلاك عدوهم. ومعنى: «تَمَّتْ» أي: مَضَتْ واستمرَّتْ من قولهم: تَمَّ عليه الأمر إذَا مَضَى عليه.
قوله بِمَا صَبَرُوا متعلِّق ب «تَمَّتْ» والبَاءُ للسببيَّةِ و «مَا» مصدريةٌ، أي: بسبب صبرهم ومتعلَّقُ الصَّبرِ محذوفٌ أي: على أذَى فرعون وقومه. انتهى (اللباب في علوم الكتاب/ ابن عادل الحنبلي )٠
أقول: إن تدبر القرآن الكريم والنظر في آياته تجعل المسلم يتسامى ويرتقي حيث يكون الكرام البررة والدرجات العلى لأن شعوره وإحساسه وروحه حينها ستصل إلى حيث اللامنتهى واللامحدود في عالم من النور والرفعة والقرب لتكون الرؤيا حينها بلا غواش والقلب مطمئن واثق بلا ميل أو تقلب٠
يقول صاحب الظلال:
تتجلى هذه الظاهرة. ظاهرة عدم الاختلاف. أو ظاهرة التناسق. ابتداء في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنية. ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح؛ التوفيق والتعثر. القوة والضعف. التحليق والهبوط. الرفرفة والثقلة. الإشراق والانطفاء. إلى آخر الظواهر التي تتجلى معها سمات البشر. وأخصها سمة ” التغير ” والاختلاف المستمر الدائم من حال إلى حال. يبدو ذلك في كلام البشر، واضحا عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد، أو المفكر الواحد، أو الفنان الواحد. أو أي كان في صناعته؛ التي يبدو فيها الوسم البشري واضحا. وهو: التغير، والاختلاف٠ هذه الظاهرة واضحة كل الوضوح أن عكسها وهو: الثبات، والتناسق، هو الظاهرة الملحوظة في القرآن -ونحن نتحدث فقط عن ناحية التعبير اللفظي والأداء الأسلوبي -فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز -تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها -ولكن يتحد مستواه وأفقه، والكمال في الأداء بلا تغير ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى. كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان. إنه يحمل طابع الصنعة الإلهية؛ ويدل على الصانع. يدل على الموجود الذي لا يتغير من حال إلى حال، ولا تتوالى عليه الأحوال! ٠٠٠ انتهى
والحمد لله رب العالمين