حرية الرأي …بين الحقيقة والخداع

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعيش الأمم والشعوب الحرة فترات عصيبة ومحن كثيرة وأيام موجعة عندما تحيطها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتفتقد فيها حكوماتها لرؤية ميدانية دقيقة وواضحة لكيفية معالجة الأوضاع السائدة وعدم قدرتها على استيعاب الظروف التي تمر بها شعوبها وافتقارها إلى قيادات شعبية وجماهيرية تتمكن من فهم تطلعات وأهداف الشعوب وتقدر تضحياتها وتنسجم مع مبادئها وتلتحم مع وهجها وألقها وتكون جزءًا حيويٍا من حياتها، هذه الشعوب الحية تبحث دائما عمن يداري واقعها ويواسي مكابدتها ويرفع الظلم والحيف عنها ويكون السند القوي والدرع المتين والسياج المنيع في حفظ وجودها وديمومة حياتها واستمرار تألقها وحضورها الإنساني وتأثيرها في المجتمع الذي تنتمي إليه، هذه الصفات تسعى إليها الأمم المتقدمة المتحضرة التي تمتلك تاريخًا ناصعًا وأمجادًا تليدة وحضارة راسخة وجذورًا متماسكة تستمد منها عزتها وعنفوانها وثبات موقفها وديمومة حركتها ونور وضياء ألقها.

عندما نكتب عن هذه الشعوب الحرة الأبية يكون منارنا ورمزنا شعبنا العراقي الكبير وجماهيرنا المنتفضة الواعية وأمامنا تاريخنا المجيد الحاضر بوجدانه المتألق بسماء حرية أهلنا وسمو ورفعة مكانتهم الإنسانية، نتذكر ونحن نخط بأحرف من نور تاريخ أبناء الشعب ومقارعتهم لكل المخططات الاستعمارية والتآمرية التي استهدفت ماضيهم وحاضرهم وتحاول زرع اليأس والقنوط لمستقبلهم، ولكن الإرادة الصلبة والقيم الروحية العليا والمبادئ الإنسانية التي يتحلى بها شعبنا المكافح ويقظته وفطنته الطيبة وروحه الكبيرة تمكنت من جميع هذه المشاريع والوقوف أمامها فكان شعبنا ( أيقونة الشعوب المتحررة) وصاحب الثورات العظيمة والمواقف النبيلة والحناجر الصادحة بالحق والصوت الهادر نحو التغيير الشامل وتحقيق الإرادة الشعبية في بناء المجتمع العراقي الموحد المنشود.

أمام هذه المبادئ القيمة والأهداف السامية والتطلعات النبيلة والأصوات النقية تحاول العديد من الجهات السياسية والأحزاب والكتل المنضوية تحت ما يسمى العملية السياسية في العراق وعبر ممثليها في مجلس النواب العمل باتجاه إقرار ( قانون الجرائم الإلكترونية ) ليكون حاجزا ومانعا بين إرادة الشعب وصلابة موقفه وبين مطامع وفساد أحزاب السلطة ولكي تستمر سلسلة وأعمال الفساد الاقتصادي والسياسي التي تحقق لهؤلاء الساسة المزيد من عمليات النهب وسرقة الأموال وضياع ثروات البلاد واستمرار حالة الانحدار والسقوط بعيدًا عن آمال وأماني وتطلعات أبناء الشعب العراقي، محاولة بهذه الأساليب استخدام مفهوم الشرعية النيابية التي تزيد من معاناة الشعب عبر توسيع دائرة خنق التعبير والحريات وإبداء الرأي والتمسك بحقوق المواطنة والقيم الإنسانية والدفاع عن حرية الشعب والعمل باتجاه تصعيد وتائر المواجهة مع كل من يعارض العملية السياسية وقمع الإرادة الشعبية والجماهيرية التي انطلقت في ثورة تشرين المجيدة وأصبحت تشكل عاملًا أساسيًا في رفض وهيمنة وسطوة أحزاب السلطة في بغداد ومواجهة الأزمات التي يعانيها النظام الحاكم .

بنود ونقاط قانون الجرائم الإلكترونية تحوي في معظم متونها على عوامل تعمل على مواجهة وسائل الإعلام الرصينة والأقلام الجريئة وفيها استهداف الناشطين السياسيين والإعلاميين وتحديد حركة تعاملهم الميداني في الحصول على المعلومة السياسية والاقتصادية ومنعهم من النقاش المفتوح والمؤدي الى ايجاد أفاق رحبة من التفاعل الميداني والحقيقي مع أوضاع البلاد وتحديد مسارات التغيير الجذري الحقيقي لبعض من مرافق الحياة العامة في العراق، ويعمل القانون على تضيق مساحات الحرية العامة والنقاشات الواسعة ومواجهة حقوق الإنسان والمس بحرية الفكر والاعتقاد والدفاع عن المبادئ والقيم التي يتحلى بها الفرد والتي لا تتوافق والنظام السياسي الحاكم، كما أن بنود القانون يساعد على تكميم أفواه المواطنين وملاحقة الناشطين تحت مظلة قانون الجرائم بهدف توسيع الملاحقة عبر الأجهزة الإلكترونية ( الحاسوب -الهاتف النقال و أي وسيلة ) للاتصال والتحدث والكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويمنح القانون السلطات العراقية صلاحيات مفرطة لفرض عقوبات قاسية تصل إلى السجن المؤبد عن جرائم مبهمة وبكلمات وعبارات فضفاضة تشير إلى المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامتها ومصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية دون تحديد المفهوم الدقيق لهذه العبارات وجعلها سائبة في نهايتها لكي تتم عمليات المتابعة والملاحقة باتجاه فرض عقوبات قاسية على حرية الرأي والصحافة والكلمة الحرة بما يخالف القانون الدولي وحقوق الانسان وحق الوصول على المعلومة ، وأخطر ما في القانون أنه يحتوي على كلمات مقتضبة وتعريفات فضفاضة وعبارات ضبابية وكتب على عجالة ليخدم أهدافًا سياسية.

تبقى حرية الرأي هي إحدى أبرز سمات الحريات المهددة التي سعى إليها واضعو القانون وبما يحدد ويمنع حركة الناشطين السياسيين من المطالبين بالتغيير الشامل والإصلاحات الجذرية للنظام السياسي ووضع الكثير من العراقيل أمام أي تحرك جماهيري شعبي للحد من الفساد وتدهور الأوضاع السائدة في البلاد.

Similar Posts