النُكتُ اللُّذاذ في حديث معاذ

الشيخ عبد المنعم البدراني

عن معاذ بن جبل رضي اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أخَذ بيدِ معاذٍ فقال: (يا معاذُ واللّهِ إنِّي لأُحِبُّك) فقال معاذٌ: بأبي أنتَ وأُمِّي واللّهِ إنِّي لأُحِبُّك، فقال: (يا معاذُ أوصيك ألّا تدَعَنَّ في دبُرِ كلِّ صلاةٍ أنْ تقولَ: اللَّهمَّ أعِنِّي على ذِكرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك)

رواه ابن حِبّانَ في صحيحه

وفي هذا الحديث مسألتان:

الأولى: كمية الحُبِّ المتبادَلِ بين رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وبين معاذ بن جبل رضي اللَّهُ عنه، وأكَّدَ الطرفان هذا الحُبَّ بجملة من التوكيدات:

التوكيد الأول: أخذ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بيد معاذ وفيه دلالة على التحنُّنِ والتودُّد.

التوكيد الثاني: القسم فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:(واللَّهِ)).

ومعاذ قال:(واللَّهِ) وزاد عليه بقوله:(بأبي أنتَ وأُمِّي).

التوكيد الثالث: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(إِنِّي) والحرف (إنَّ) هو حرف توكيد ونصب.

التوكيد الرابع: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(لأُحِبُّك).

واللام في كلمةِ: (لأُحِبُّك) تفيد التوكيد.

التوكيد الخامس: قوله صلى اللٍّهُ عليه وسلم: ((يا معاذُ أوصيك) وفيه دلالة على الخصوصية في النصح لخصوصية المحبة.

التوكيد السادس: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:( ألّا تدَعَنَّ) وفيه توكيدان:

الاول:أن المضمرة في (ألّا) وأصلها :أن لا والحرف أن يفيد التوكيد.

الثاني: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(تدَعَنَّ) والنون التي في آخرها هي نون التوكيد الثقيلة.

المسألة الثانية: هو ما تضمنته هذه الوصية الغالية لمعاذ وهو دعاء يقال دُبُرَ كلِّ صلاة:(اللَّهمَّ أعِنِّي على ذِكرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك).

وكلمة:(اللَّهمَّ) تعني:( يا اللَّهُ) فتكون الميم المشددة في آخر الكلمة تقوم مقام حرف النداء (يا) وهذا هو مذهب سيبويه.

وكلمة:(أعِنِّي) بمعنى طلب المعونة من اللَّهِ تعالى

وهو أصل أصيل في الدين، إذ لا يمكن للعبد أن يعبد اللّهَ تعالى على الوجه الأكمل إلا بمعونة اللَّهِ تعالى له، ومنه قوله تعالى في سورة الفاتحة :((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) (5).

أي نعبدك وحدك ونستعين بك على تلك العبادة ولولا معونتك لنا لما عبدناك حقَّ عبادتك.

وقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(على ذِكرِك) يدل على أن المرءَ لا يتحرك قلبه ولسانه بذكر الله تعالى الا بمعونته وفضله وإحسانه جلَّ وعلا.

وقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(وشُكرِك) أي لا يشكرك الشاكرون إلا بفضلك ومِنَّتِك.

وقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(وحُسنِ عبادتك) فإن حُسْنَ العبادة وتمامَها وكمالَها لا يتحقق إلا بفضل اللَّهِ تعالى ومعونته لعبده.

فاللَّهُمَّ أَعِنّا على ذكرك وشُكرِكَ وَحُسْنِ عبادَتِكَ يا أكرم الأكرمين

ويا أجودَ الأجودين

ويا أمَنَّ الممتنِّين.

فائدة

قال ابن القيم رحمه الله:

“كمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين”.

الداء والدواء، ص (99).

قلت: رحمَ اللَّهُ تعالى شمسَ الدين، أوجز الحكمة من إرسال الرسل وبعثة الانبياء وإنزال الكتب المقدسة، فكل ذلك تفضّل اللَّهُ تعالى به على خلقه ليُرشدَهم الى الحق ويحذرَهُم من الباطل ومدارُ ذلك تقوى الله تعالى فكلما كان المرءُ تقيِّاً كان أقدَرَ على معرفة الحق وتمييزه عن الباطل.

ومنه قوله تعالى في سورة الأنفال :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

وفي الآية جملة من المسائل:

الأولى: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))

هو خطابٌ لأهل الإيمان والإسلام فإنَّ معرفةَ الحقِّ وإيثارَه على الباطلِ لا يتحققُ إلا بالإسلام والإيمان

الثانية: قوله تعالى:((إِن تَتَّقُوا اللَّهَ))

وهذا شَرْطٌ.

الثالثة: قوله تعالى:((يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ ))

وهذا هو جوابُ الشرْطِ وَتُحَفُهُ وهداياهُ ومِنَحُهُ من الله تعالى الكريم

وأَوَّلُها : يُلْهِمُكُم الآلةَ والقدرةَ والمُكْنَةَ على التفريقِ بين الحقِّ والباطل وهي معنى قوله تعالى:((يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا))

وثانيها: تكفيرُ السيِّئات وهي معنى قوله تعالى :((وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ))

وثالثها: مغفرةُ الذنوب وهي معنى قوله تعالى :((وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ ))

المسألة الرابعة: قوله تعالى:((وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29))

أيْ إنَّ تقواهُ جلَّ وَعلا والتفريقَ بين الحق والباطل وتكفيرَ السيئات ومغفرةَ الذنوب بفضلِه وكرمِه على من يشاء من عباده.

ولا يُقتَصَرُ على معرفةِ الحقِّ والتفريقِ بينه وبين الباطل وإنما يستلزمُ ذلك إيثارَه على الباطل.

فإن عرفَ الحقَّ ولم يُقدِّمه على الباطلِ ولم يَتَبَنَّهُ وَيَدْعُ إليه وَيُوالِ فيهِ وَيُعادِ فيه فإنَّ معرفَتَهُ للحق وفرقانَه عن الباطل لا ينفعُ إذا لم يرافقْ ذلك انتماءٌ إليه ولأهلِه ونُصرتُهم على اهل الباطل والبراءةُ منهم.

وبالفرقان بين الحق والباطل وولاءِ الحقِّ وأهلِهِ والبراءةِ من الباطلِ وأهلِهِ يتفاوتُ فيه الناسُ تفاوتًا عظيمًا وبه يُحَدَّدُ منازلُ الناسِ عندَ اللَّهِ وفي الجنَّة.

Similar Posts