تجلي البيان في آيات القرآن
بقلم : أدهم الشبيب
التحوط من المضلين في سورة آل عمران ولايدع القران في بيانه لمدع أو متصيد أو متشكك أو ذي مآرب أخرى صلحت أم فسدت مصدرًا لطعن أو موردًا لشك فيورد في -آل عمران- ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾46
فلو كان كاتبًا من البشر مهما علت قدراته الأدبية وإمكاناته اللغوية لاكتفى بقوله إنباءً عن معجزة عيسى عليه السلام :”و يكلم الناس في المهد””ومن الصالحين” ،ولكن القران العظيم و لأنه كتاب عقيدة –في أحد أدواره العظمى- يعرف أن نفوس البشر من المحرفين للكلم عن مواضعه ومن المتنطعين ومن المتصيدين سينفذون من أي منفذ ولو كان واهيًا، ولكن المنفذ الواهي يغري الأحمق المشاحن و الناعق خلفه، و ما أكثر الناس إلا تابعون ،
ولذا فإنك ترى القران يحكم الآية من آياته فلا يدع لمتربص غرضا يطاله أو هدفًا يناله، فقال “ويكلم الناس في المهد وكهلا” وسيقول المجادل العارف بطرف من البلاغة وفنونها (ولكن ألا يعد هذا من الاستطالة غير الواجبة، فالمعجزة هي أن يكلم الناس “في المهد” وهذا ماوجبت الإشارة إليه، أما (كهلا) فكلنا نكلم الناس كهولا، فما الداعي لذكرها)؟
أقول لك : نعم وقدر تعلق الأمر بالخطاب العام و البسيط والذي يعنى بشؤون الحياة الأخرى نعم ، أما في الأمور العقدية و توجس مراء الناس وجدلهم و تتبعهم لكل شاردة و واردة إن تعلق الامر بالدين ، فستخرج اليك فرقة -كما خرجت إلينا كثير مثلها- لتقول إن الله لم يذكر (إن عيسى تكلم في كهولته ورجولته) و لا أتى بأحكام ولا رسالة ، وإنما تكلم في المهد فقط “كما أشار الله” إعجازًا وتبيانًا لخصوصيته ، و لهذا تحوط القران بهذه اللفظة و التي هي من صلب البيان، نعم لا أحد يتكلم في المهد إلا عيسى و كذا كثيرون لا يتكلمون في الكهولة لعارض يعرض لهم من علة أو غيره ، لكن المسيح تكلم ﴿فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ﴾ فلأجل هذا ورد البيان بهذا التجلي.
ولو تتبعنا (آل عمران) في كثير من مواضعها لوجدناها في غاية التحوط من ذلك على الدوام و لانقول في غاية الإحكام فالقران كله محكم بتنزيل الله سبحانه ، وما أراده الله (متشابها) بنصه تعالى فإنما اراد منه غاية أشار إليها في معرض آية أخرى(من آل عمران نفسها) ووصف فيها ﴿ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ والذين يتبعون ما تشابه منه ﴿ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ -قصدًا-منه سبحانه ،وهؤلاء الذين في قلوبهم زيغ ومن أهل الكتاب الذين نزل بعض القران بين ظهرانيهم كانوا يتتبعون ألفاظه ليتسقطوا –كما يظنون- وعلى هذا تجد الله تعالى يقول على لسان عيسى عليه السلام:﴿فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ ولولا هذا التحوط لقال: “فانفخ فيه فيكون طيرا” واكتفى، فلاشك ان كله باذن الله “خالقه”. ولكن الذين ادعوا أن عيسى هو الله محرفين ماورد في الإنجيل لاغرابة أن اقتطعوا نصا من القرآن محتجين على اتباعهم مغررين.
ويتأكد لك هذا المذهب المتبع في القرآن العظيم من آيات أخر في جزء آخر وفي حزب آخر من السورة ذاتها إذ يقول الله تعالى على لسان الحواريين الذين ناصروا عيسى عليه السلام ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
مايعنينا منها في هذا المقام ويلفتنا هو تكرار لفظ الجلالة في محل كان يمكن استخدام الضمير العائد عليه كما هو الدارج في اللغة العربية، فلا ضرورة لتكرار اسم ورد للتو “،،نحن انصار الله آمنا بالله،،”بل إيراد ضمير دال عليه (خصوصا كآخر مذكور) بل أحيانًا ما يتقدم على الآخر إن لم يتغشاه لبس، انظر لقوله تعالى في البقرة ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي (آتى داود) ولم يكن هو آخر من ذكر بل (جالوت) ولكن هنا عقلًا لا لبس إذ إن جالوت هزم وقتل فلن يؤتى الملك مقتولا، و إذن فلا مسوغ لقول (وآتى داوود الملك).
و عودًا لآية آل عمران فإن المتوقع والمقبول لدى المتحدث العربي الأصيل أن يقول أو يسمع “نحن أنصار الله آمنًا به ،،، ” و ستكون -الهاء- عائدة على اسم الجلالة حيث هو آخر اسم ورد قبل الضمير العائد، ولمن يحتج باللبس بين الله تعالى و غيره نقول : إنما تقدمت قرينة تزيل اللبس هي قول عيسى : “،،، من أنصاري إلى الله ،،،” وعيسى عليه السلام هو المتكلم فلا يمكن أن يكون الضمير عائدًا له إن كان (هاء) حيث وجب أن يكون (ك) (آمنا بك) لانه مازال في موضع مخاطب إن أريد عيسى نفسه ، ولكن ورغم كل هذا فقد تحوط القران من هؤلاء الذين “يتبعون ما تشابه منه” أو الذين “في قلوبهم زيغ” فأثبت مكررًا(لفظ الجلالة) اسمًا صريحًا لكي لا يدع مجالا لمن يريد التأول كأن يقول (عيسى هو الله الذي آمن به الحواريون) ،، وقد فعلوا قبل ذلك مع الكتب السماوية السالفة بعد أن حرفوها أو لووا أعناق عباراتها لتوافق هواهم و مبتغاهم، ولذا أغلق عليهم القران العظيم هذا المدخل .
فأنت ترى عبارة “عيسى بن مريم” تملأ آيات القرآن في آل عمران أو غيرها للتحوط من الضالين الذين حرفوا كلام الله وغيروا ناموسه و ادعوا أن عيسى ابن الله او انه الله ، وفي زاوية أخرى ومن حزب آل عمران الثاني نجد تحوطا قرآنيا آخر من هؤلاء القوم المضلين إذ يسرد لنا مقطعا قصيرا من قصة نبي الله يحيى عليه السلام فيقول: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾انظر ورود لفظ الجلالة الثاني رغم إمكان تعويضه بضمير يعود عليه بنفس القاعدة النحوية السالفة، (،،،إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة منه،،،) فلا شك أن التصديق سيكون بكلمة من الله وليس من غيره، لكن القرآن الكريم لم يرد أن يدع أي مجال للتاويل أو التحريف للمعنى خاصة وأن لفظ الجلالة هذه المرة لم يكن (آخر اسم مذكور قبل الضمير) كما توجب القاعدة .
ولايقتصر أمر التحوط هذا على سورة آل عمران بل في كل موضع من القرآن وبخاصة تلك المواضع التي تتناول “أهل الكتاب” من المغضوب عليهم ومن الضالين لأن فريقًا منهم ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة 75
ففي سورة البقرة على سبيل الاستدلال لا الحصر ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍۢ﴾
فقد تكررت لفظة “الكتاب” وكانت آخر اسم مذكور ويمكن تعويضه بضمير كعادة اللغة العربية وكما أسلفنا ولكن القرآن أراد التأكيد والتحوط من أن تذهب الأذهان إلى لفظة الجلالة التي وردت في الآية، وهذا من التجلي في التبيان ،
ومايلفتك أيضًا إن تمعنت في آي القرآن من هذا المنظور أن هذا التشديد في التحوط لا يكون مع المسلمين الذين لم يعهد عليهم تحريف الكلم أو تتبع المتشابه فالله تعالى يخاطبهم باللغة العربية السلسة، انظر قوله تعالى من سورة آل عمران نفسها ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾ فالرسول هو آخر اسم ورد قبل فعل الجملة الجديدة “فأثابكم” وفاعله مستتر مقدر ولم يشدد القران بذكر الفاعل الحقيقي وهو اسم الجلالة الذي كان ورد في آية سبقت ذكر اسم الرسول ﴿ ,,,ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾وبعد تبين الآيتين المسافة الحسية ولم يخش القرآن أن يظن المسلمون أو يحرفوا بأن الفاعل يعود على آخر اسم مذكور فينسب للرسول فعل الإثابة بالغم والتي لا يقدر عليه إلا الله إيمانًا وعقلًا . فالخطاب الآن موجه للمؤمنين. الذين لا خوف منهم .
إلا أن الأمر مع أولئك القوم مختلف جدا ومقصود في مواضع القرآن جميعا ، ولنختم بما بدأنا في السورة مدار البحث فمنها قوله تعالى :﴿وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ فلكي لا تتهم مريم عليها السلام -من أهل الأغراض- فقد كررت لفظة “زكريا” رغم وجودها قبلًا كآخر اسم مذكور قبل الفعل “دخل” فالعربية تتيح إخفاء”زكريا” في موضع فاعل “دخل” هنا لتكون -(فكفلها زكريا كلما دخل عليها المحراب) الفاعل ضمير مستتر مقدر بـ -هو- يعود على زكريا عليه السلام -وهذا ما كان سيفعله كبار الكتاب والمؤلفين، ولكن القرآن أراد أن يجب عن القديسة مريم تلاعب المغرضين فيتأولون أن رجلا آخر غير زكريا عليه السلام -الذي صار أبًا لها بالكفالة وهو رجل شيخ كبير-يدخل عليها محرابها، فأغلق باب التقول ، والزيغ والتأول ، بروعة تجلي البيان، الذي يشيع في كل آي القرآن.
وعلى نبينا وآله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
ملحوظة: للمفسرين كلام كثير في الآية لا يتعارض جله مع ماذكرنا إلا ماندر ممن جعل “كهلا” لمعنى آخر، أما بحثنا فيتناول “البيان” وليس التفسير.