كيف بدا العالم مختلفًا بين غزو العراق وغزو أوكرانيا

بقلم : طلعت رميح

بدا العالم مختلفًا بين عمليتي غزو واحتلال العراق –وأفغانستان- في عامي 2001 و2003 من جهة،  وعملية غزو أوكرانيا هذه الأيام (2022 ) من جهة أخرى،  ففيما صمت العالم وجلس في مقاعد المتفرجين على ما يجرى من عدوان وجرائم حرب في الحالة الأولى؛ انقلب رأسًا على عقب في الحالة الثانية.

كان القصف يجرى في حالة غزو واحتلال العراق، كما لم ير العالم من قبل في العنف وقوة الانفجارات والتدمير الشامل والقتل. لكن،  لم تصدر إدانات ولم يعقد مجلس الأمن، ورغم أن الغزو الأمريكي جرى دون قرار من مجلس الأمن،  فلم تجر دعوة لمناقشة وإدانة الغزو، وحين طلبت الولايات المتحدة إصدار قرار بالاعتراف بها دولة احتلال لكي تتصرف كما ترى في ثروات العراق وتشكل النظام السياسي وفقًا لمصالح الاحتلال، لبى مجلس الأمن الدعوة ونفذ المطلوب فورًا

وحتى الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تشهد دعوه للاجتماع وإدانة الغزو، كما لم تتحرك الجنائية الدولية، ولا حتى منظمات حقوق الإنسان ومنظمات الدفاع عن الحريات.

وقفت دول العالم متفرجة.

لكن الأمر اختلف كليًا في حالة غزو روسيا لأراضٍ في أوكرانيا.

انعقد مجلس الأمن الدولي عشرات المرات حتى سجل رقمًا قياسيًا في الانعقاد والتصويت، وجرى فرض العقوبات الأقصى على المعتدى الروسي، من خارج مجلس الأمن؛ عقوبات في كل يوم، وتحركت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، وأصبح ضخ الإعلام المساند لأوكرانيا يجرى بمعدل 48 ساعة في الـ24 ساعة،  للتشهير بالمعتدي.

وبات مساندو الطرف المعتدى عليه –وهم كانوا المعتدين في حالة العراق- يرفعون لواء حق الشعوب والدول في المقاومة ويعملون بأقصى طاقه لإمداد أوكرانيا بالسلاح، وصارت الدعوات تنطلق مدرارة بشأن محاكمة مجرمي الحرب، وبدأت تشكيل فرق جمع البيانات وتحري الوقائع.

هذا الاختلاف في رد الفعل الدولي، يلح على الذهن العربي والإسلامي: لم كل هذا الاهتمام والفزع لأجل أوكرانيا مقارنة بالصمت المطبق أثناء غزو واحتلال أفغانستان والعراق وعن ما حدث ويحدث من جريمة مزمنة في فلسطين ؟ وكيف ولماذا انقلب حال من قاموا بغزو واحتلال العراق وارتكاب كل أنواع الجرائم ضد الشعب العراقي، ليظهروا في ثوب المدافعين عن استقلال الدول والرافضين لأعمال الغزو والاحتلال وتغيير النظم السياسية بالقوة العسكرية؟ وكيف أصبح من ارتكبوا كل صنوف جرائم الحرب في العراق، في وضع المدافعين فجأة وبشراسه عن حقوق الإنسان بين ليلة وضحاها؟

هناك أجوبه كاشفة لأسباب هذا الاختلاف، منها ما كشفته تلك التعبيرات العنصرية المهينة التي تحدث بها الإعلام الغربي في تبرير التعامل المزرى مع اللاجئين من الشرق الأوسط -وقد سميت الدول بالاسم – إذ كان يجرى منعهم من عبور الحدود ومطاردتهم بالسلاح، فيما جرى فتح الحدود أمام اللاجئين الأوكرانيين وتخصيص المليارات لدعمهم ومساندتهم.

 دعونا نقول: الغرب أسفر عن ثقافته الحقيقية، وأنه صاحب ثقافه عنصرية وأنه يحارب الآخرين على الهوية، وما الحديث عن مبادئ عامة لحقوق الإنسان والديموقراطية ليس إلا أدوات لتبرير التدخلات في الدول الأخرى، هم ما زالوا عند ثقافتهم الاستعمارية القديمة هم المتحضرون والمتقدمون والآخر مختلف وبدائي.

وهناك أن من يقوم بعملية الاحتلال في الحالة الأوكرانية ليس أمريكا وبريطانيا.. لو كان الأمر كذلك لفرضت كل القيود على الإعلام بشأن الجرائم المرتكبة ضد المدنيين ولجرى الدفاع عن الغزو والاحتلال وتقديمه باعتباره فعلاً مشروعًا وأن الطرف الآخر هو المجرم والقاتل، وأن الاحتلال الأمريكي والبريطاني هو عمل مشروع وفق ثقافتهم ومصالحهم طبعًا، بعيدًا عن ما يرددوه في الإعلام.

وهناك أن الغرب يدافع عن نفسه بشكل مباشر، إذ أوكرانيا هي بوابة أوروبا في مواجهة روسيا، ولأن هذا التمدد الروسي تحت ضغط العمل العسكري يأتى تاليًا لسابق تمدد روسيا في جورجيا بالحرب أيضا، بما بات يشعر الغرب بالخطر ويدفع لحشد كل الطاقات للمواجهة.

تلك الأمور تقدم أجوبه كاشفة.

لكن هناك أمورًا أخرى، تتعلق بالوضع الدولي وتوازناته المختلفة في الحالتين؛ كانت معركة غزو واحتلال العراق تثبيتًا لوضع دولي كان قائمًا، فيما تجرى معركة أوكرانيا تغييرًا لهذا الوضع الدولي القائم الذي يحقق هيمنة الغرب.

ولقد جرى غزو واحتلال العراق في ظرف لم تكن هناك قوى دولية قادرة حتى على قول لا ولو حتى دفاعًا عن مصالحها، فيما يجرى غزو واحتلال وقد تغير العالم لغير مصالح القوى الغربية المهيمنة.

اختلاف طبيعة أهداف الحربين

لقد جرت معركة غزو واحتلال العراق –وأفغانستان- كعملية ترجمه وتأكيد لانفراد الولايات المتحدة –أو الإنجلوساكسون- بالهيمنة والسيطرة على العالم، فيما جرت وتجرى عملية احتلال أوكرانيا كمعركة من معارك تغيير التوازنات الدولية على حساب الطرف المهيمن الذي سبق أن غزى واحتل العراق وأفغانستان.

طبيعة المعركة مختلفة

معركة أوكرانيا تجرى بهدف تغيير التوازنات في الوضع الدولي على حساب الغرب كله، ولذلك حشد الغرب كل قوته السياسية والاقتصادية والعسكرية والاعلامية وصار يحشد دول العالم تحت عناوين الحرية والاستقلال والمقاومة وحقوق الإنسان.

والأهم أنها تجرى في ظل توازنات دولية مختلفة.

لقد جرت عملية غزو واحتلال العراق في ظل ظرف دولي لم تكن فيه الولايات المتحدة في وضع السيطرة المنفردة، فقط، بل كانت تسعى لتثبيت تلك الحالة ليس في مواجهة مختلف دول العالم بل حتى ضد الدول الغربية الأخرى، وهو ما ظهر من رفض فرنسا -شيراك- للقرار الأمريكي ووصل الأمر حد تهديد فرنسا باستخدام حق النقض-الفيتو-حين طلبت الولايات المتحدة قرارًا من مجلس الأمن يضفي شرعية دولية زائفة على العدوان والاحتلال.

لكن معركة أوكرانيا تجرى بعدما عادت روسيا لقوتها وبعدما صعدت الصين وأصبحت قطبًا دوليًا مهددًا للدور الأمريكي المهيمن على العالم.

وقت الحرب على العراق كانت كل القوى الدولية الأخرى،  في وضع ضعف.

روسيا كانت تعاني من انهيار ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

والصين كانت للتو تبدأ تجربة صعودها، ولم تكن في وضع المطالب بتغيير حركة وطريقة اتخاذ القرار الدولي.

وأوروبا كانت لا تزال تحبو في تجربة توحيدها تحت راية الاتحاد الأوروبي.

كانت أوروبا منغمسه في دمج الدول التي خرجت من تحت الاحتلال الروسي وتعيد بناءها اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا.

ولذلك لم تكن هناك قوى دولية قادرة على القول: لا، للولايات المتحدة.

الآن تخوض روسيا معركتها من موقع قوة بتحالفها مع قوى دولية وازنة –كالصين وغيرها- وبفعل حياد بعض الدول المهمة- كما حال الهند وغيرها- ولذلك تقيم الولايات المتحدة والغرب الدنيا وتقلبها رأسًا على عقب، لا دفاعًا عن أوكرانيا بل دفاعًا عن مصالحها، إذ لو انهت روسيا معركتها بنجاح، بعد أن هددت الإطلنطي بالسلاح النووي، وبعد أن نجحت في تحييد نصف سكان العالم وإبعاده عن الهيمنة الأمريكية، لكان ذلك إعلانًا مدويًا بميلاد نظام دولي جديد غير خاضع للهيمنة الأمريكية.

Similar Posts