حقوق الإنسان في العراق بين الانتهاك والتسويف
[vc_row][vc_column][vc_column_text]بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تمنح الشعوب الحياة آفاقها الرحبة وسعتها الوجدانية وألقها الوجداني لتكون واحة خضراء للمشاعر الطيبة والعلاقات الإنسانية الراقية وتساهم في احتواء جميع أطياف المجتمع وتمنع أي تدخلات أو أدوات أو وسائل تحاول النيل من وحدة وتواصل الشعب والتعرض لحقوقه وحريته لتكون يد واحدة في الدفاع عن وحدة البلاد وتراب الوطن التي ترويها بقطرات ومداد عشقها وتمد يد العون للجميع في سبيل الحياة وديمومة البقاء والحفاظ على أمن وسلامة الأفراد وصولا إلى تحقيق الغاية الأساسية التي تسعى إليها جميع الأطراف الخيرة في تعزيز مفهوم احترام حقوق الإنسان وحريته الشخصية وفق القيم والمبادئ التي يؤمن ويلتزم بها المجتمع الذي ينتمي إليه الأفراد والعمل على إشاعة روح التفاؤل والأمل والحياة الكريمة ورسم صور التعاضد والسلم الأهلي بين جميع مكونات المجتمع الإنساني وفق مبادئ العدالة الاجتماعية واحترام إرادة الإنسان وتطبيق القوانين والأنظمة ضمن مجتمع تسوده روح التعاون والتسامح للوصول إلى حياة سعيدة وغد أفضل وتعزيز المفاهيم والقيم المجتمعية القائمة على رفض الاستغلال.
عندما نصل إلى هذه الآفاق من العمل المتواصل والتفاني نكون قد حققنا الغاية المثلى من بناء الإنسان وإعداده ليكون عنصرا فعالا في الحياة والبناء والازدهار وهي الغاية المثلى التي تسعى إليها المجتمعات الراقية في بناء مجتمعات مدنية تحترم قيمة الإنسان وتقدس حريته وتمنع انتهاك حقوقه والتعدي على حياته بعيدا عن الأمراض المجتمعية والأزمات الاقتصادية والمشاكل التربوية والقرارات العبثية التي تؤخر عملية البناء والنجاح في الحياة وتجعل من الإنسان كائنا تحيطه دوائر البؤس والشقاء وتتفاعل به أمواج اليأس والقنوط وتقتل فيه روح الابداع والعطاء.
تجتاح البلدان وقائع كثيرة ومتاعب عديدة وحقب سوداء تؤثر ميدانيا على طبيعة الحياة والنواحي الإيجابية التي كانت إحدى سمات حياتها وتشكل عمقا اجتماعيا يمثل السمو والرفعة في العلاقة بين أفرادها وصورة للنسيج الاجتماعي المتماسك وروح من العطاء والبذل من أجل الحفاظ على الأهداف العليا في حياة شعوبها، وعندما تكون الأخطار الخارجية محدقة بها من جميع الجوانب عندها نعلم مدى الألم والوجع الكبير والجرح النازف والمعاناة الكبيرة التي يعيشها أبناء البلاد، ومنها شعبنا الأبي الذي عانى ولا يزال من آثار الغزو والاحتلال الأمريكي لعراقنا الغالي في التاسع من نيسان عام 2003 وما آلت إليه أوضاع البلد والنتائج الوخيمة التي رافقت سلوك وإجراءات المحتل الأمريكي والأدوات المتعاونة معه والأهداف العدوانية التي ساهمت في إيذاء المواطن العراقي بإجراءات تعسفية وملاحقات أمنية واعتقالات سياسية وتغييب قسري استهدف حياة وحرية وحقوق الإنسان المحتسب.
وإذ نتذكر أخي القارئ الكريم هذه الوقائع لأنها لا تزال تؤرق الحياة العامة في العراق ومعها نستذكر اليوم العالمي في 10 كانون الأول إحياءً لذكرى اليوم الذي اعتمدَت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة والإعلام العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 والذي يتألف من 30 مادة تحدد مجموعة واسعة من حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحق لنا جميعنا أن نتمتع بها أينما وجدنا في العالم. ويضمن الإعلان حقوقنا بدون أيّ تمييز على أساس الجنسية أو مكان الإقامة أو الجنس أو الأصل القومي أو العرقي أو الدين أو اللغة أو أي وضع آخر، وقد صاغ الإعلان ممثلون عن المناطق والتقاليد القانونية كافة. وعلى مرر السنين تم قبوله كعقد مبرم بين الحكومات وشعوبها وقبلت به جميع الدول تقريبا ومنذ ذلك الحين شكّل الأساس لنظام موسع يهدف إلى حماية حقوق الإنسان وهو يركز على الفئات الضعيفة مثل الأشخاص ذوي الإعاقة والشعوب الأصلية والمهاجرين.
وترتبط قضية حقوق الإنسان بشكل مباشر بقضية وجوده ذاتيا ونقطة الارتكاز فيه هي الإنسان بحكم إنسانيته له حقوق معينة ومحدودة على جميع الناس والمجتمعات والحكومات أن ترعاها وتحافظ عليها ويجب توفير الضمانات القانونية والأخلاقية لها وإعلاء شأنها.
بعد الاحتلال الأمريكي أصبحت أوضاع حقوق الإنسان في العراق متردية وأسفرت المواجهات مع قوات المحتل دفاعا عن الأرض العراقية عن استشهاد آلاف المواطنين الأحرار والأبرياء المدنيين واستباحت أرواحهم بانتهاكات واسعة النطاق في ظل المواجهات المستمرة ضد الأهداف والمصالح العدوانية المحتل الأمريكي وأذرعه في العراق، وبسبب ما ارتكبته قوات الجيش الأمريكي من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان جعلت البلاد تعيش في أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية مأساوية وظروف حياتية قاسية يتحمل المجتمع الدولي جزءا كبيرا منها بعد الانهيار الواسع لمنظومة ومؤسسات الدولة العراقية والانتهاكات المروعة والمخيفة التي استهدفت حياة المواطن لتستمر الاعتقالات والتعذيب الجسدي ضمن ممارسات ممنهجة ووسائل معتمدة التأثير على روحية العراقيين ورفضهم للاحتلال البغيض وأدواته من المليشيات والفصائل المسلحة التي ارتكبت أبشع جرائم القتل والخطف وساهمت في عمليات التطهير العرقي والاكتفاء القسري.
وكانت ظاهرة الاختفاء القسري من الأمور الحيوية التي حظيت باهتمام دولي وإنساني عبر نشاطات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان التي تتابع بدقة الأوضاع الميدانية القائمة في العراق بعد الاحتلال الامريكي والنفوذ والهيمنة الإيرانية ووجود المليشيات المسلحة التي تمتلك العديد من الإمكانيات المادية والتسليحية مما يساعدها على تنفيذ سياسة التغيب القسري واعتقال الناشطين السياسيين والإعلامين الأحرار والشباب المنتفض والأصوات الداعية للتغيير واستمرار عمليات المتابعة لهم واعتقالهم في سجون خاصة لا تتمكن حكومة بغداد من متابعتهم والوصول إليهم أو اتخاذ أي إجراءات لعودتهم والضرب بقوة على الأدوات المنفذة لهذه العمليات.
وجاءت البيانات الأخيرة لمنظمة (هيومن رايتس ووتش) مطالبة الحكومة العراقية بضرورة الاهتمام بمتابعة قضايا المغيبين قسريا وإعداد قوائم بأسمائهم والاتصال بذويهم وعوائلهم وفق قواعد القانون الدولي والقوانين والاتفاقيات الخاصة بالاختفاء القسري حيث يعرف التغييب أنه (توقيف شخص ما على يد مسؤولين في الدولة أو وكلائها أو على يد أشخاص أو مجموعات تعمل بإذن من السلطات أو دعمها أو قبولها غير المعلن وعدم الاعتراف بالتوقيف أو الإفصاح عن مكان الشخص أو حالته ) .
عملت المنظمات الإنسانية بتأكيدها المتواصل على حسم وإيقاف عمليات الاختفاء القسري في العراق وضرورة قيام الحكومة العراقية بإجراءاتها الميدانية يتأتى من عدد المغيبين الذي وصل ما بين ( 12-15) ألف شخص في محافظة نينوى و(6) ألاف في محافظة الأنبار و(4) آلاف في محافظة صلاح الدين وحسب الإحصائيات والمعلومات التي أكدها المرصد العراقي لحقوق الإنسان .
أمام هذه الأعداد الكبيرة والمأساة الإنسانية طالبت مرة أخرى (منظمة هيومن رايتس) بتشكيل لجنة تفتيش مستقلة للتحقيق في الاختفاء القسري في سجون الحكومة أو مراكز الاحتجاز بمواقع أخرى تابعة للمليشيات المسلحة ولأحزاب سياسية متنفذة بعد عدة احتجاجات قدمتها عوائل المغيبين مطالبين الحكومة بضرورة إكمال الإجراءات الخاصة بالتحري عن أبنائهم الحجوزين لدى الجهات الحكومية أو المختطفين من جهات أخرى وتقديم الأجوبة لدى الشافية لهم وإعلامهم حقيقة وجودهم أو إعلان وفاتهم.
تبقى قضية الاختفاء القسري من أهم القضايا التي تهم المجتمع كونها تتعلق بحياة المواطنين ووجودهم وعندما يسعى الآخرون إلى جعلها قضية سياسية وتوجهها بما خدم مصالحهم ومنافعهم الحزبية فنكون أمام فقدان لمفاهيم العدالة الاجتماعية وغياب لحقوق الإنسان واستمرار لإراقة الدم العراق الطاهر وإسكات صوت الشعب الثائر، وهنا تقف الحكومة عاجزة عن التزاماتها بجميع البنود الواردة في الاتفاقية الدولية الخاصة بالمغيبين والتي وقعت عليها عام 2010 ولم تسع إلى إصدار العديد من التشريعات والقوانين الداعمة لعمل وفعالية الاتفاقية وتشكيل اللجان التحقيقية والبحث عن الجناة الميدانين والمسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم الانسانية ولم يتم ملاحقة الفاعلين أو محاسبتهم وإيقاع العقوبات القانونية بحقهم.
ولم تكن جميع الإجراءات والأدوات التي اتبعتها الحكومة العراقية والوزارات والدوائر الخدمية التابعة لها كفيلة بمتابعة حياة وحقوق المواطنين النازحين وحل معاناتهم والتعامل معهم بشكل إيجابي يحقق لهم العودة إلى دورهم حيث بقيت أوضاعهم رهينة الظروف والأحداث القائمة واستخدمت معاناتهم من قبل بعض الأحزاب السياسية في التأثير على مقومات عودتهم بمسميات عديدة كونها تعاملت مع هذا الملف الإنساني بصورة سياسية وليس اجتماعية بعد أن أصبح عودة النازحين يستخدم بصيغ دعائية وتصريحات حكومية لا ترتقي إلى مكابداتهم مع بقاء أدوات الفساد وحلقاته الذين يسعون إلى بقائها والتلاعب بالأموال العائدة للعوائل النازحة وصرف التعويضات المالية واستمرار عملية التسويف والمماطلة التي تتبعها بعض الجهات الحكومية على حساب حقوق النازحين.
تبقى الأهمية المجتمعية في احترام حقوق الإنسان والدفاع عن وجوده والتمسك وكرامته وتحقيق الحياة السعيدة له ولأسرته مرهونة بالعديد من الوسائل التي على جميع الحكومات القيام بها من تعزيز المكانة الروحية للإنسان قائمة على الخدمات المقدمة له وإنهاء خالة الفوضى الإدارية وتفشي الفساد والرشوة والتلاعب بالأموال العامة ومهرها وتبييضها وترتيبها للخارج والعبث بثروات البلاد والسعي لبناء وإقامة مجتمع مدني يحترم ويفيد إرادة الإنسان وطموحاته وغايته في الحياة الحرة الكريمة.
[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]