طهران والمعادلة السياسية في العراق

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

يبقى المشهد السياسي العراقي أسير التراكمات التي أحدثها الغزو الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 وما آلت إليه نتائج هذا العدوان السافر من تأثيرات ميدانية أسهمت في ضعف الترابط السياسي العراقي وسيطرة توجهات الاحتلال الأمريكي ومن بعده النفوذ الإيراني على تقاليد الحياة السياسية وطبيعة الإجراءات اللازمة في تشكيل الحكومات العراقية التي تلت الاحتلال الأمريكي البريطاني وفرض العملية السياسية التي أتت بها الإدارة الأمريكية وأجهزتها الاستخبارية ولاقت رعاية واحتضانا من قبل النظام الإيراني كونها حققت له أحلام الماضي في الهيمنة والسيطرة على مقدرات العراق والتحكم بقراره السياسي بما يحقق أهدافه ومصالحه في تنفيذ مشروعه السياسي الذي سعى إليه قبل الغزو الأمريكي ولم يفلح بذلك حتى تمكن الغزاة من احتلال العراق والعبث بمقدراته وهدم وتحطيم مقوماته والإساءة لحضارته وتاريخه المجيد ومواجهة شعبه المقاوم وقواه الوطنية الرافضة للهيمنة والاحتلال البغيض، جاءت هذه التطورات لتحمل في طياتها التوافقات السياسية والأهداف الإستراتيجية والأحلام المريضة للنظام الإيراني والإدارة الأمريكية وأصبحت نظرية التخادم السياسي من أولويات التحالف بين واشنطن وطهران بما انعكس سلبيا على الأوضاع الميدانية القائمة في العراق وأثرت على حياة ومستقبل أبناء الشعب العراقي وأصبح المواطن يعيش حالة من المأساة اليومية وأثقلت كاهله أدوات العملية السياسية التي احتوتها الأحزاب والكتل السياسية وصاغت أهدافها بما يحقق مصالحها المادية وتطلعاتها الفئوية بعيدا عن أمنيات وتضحيات  الشعب العراقي الذي قاوم قوات الاحتلال بكل أطيافه وساهم في التصدي لجميع المخططات والبرامج التي استهدف بها الأمريكان حياة الشعب ومستقبل أبنائه، وفي كل المرات كانت الأدوات المشتركة للنظام الإيراني هي من تدعم تحركات وتوجهات الإدارة الأمريكية وتسعى للتصدي لكل محاولات العراقيين في شجب وإدانة ومقاومة قوات وجيوش الاحتلال الامريكي البريطاني والمليشيات المسلحة التابعة للحرس الثوري  وفيلق القدس الإيراني.

بعد عقدين من الزمن وفي ظروف سياسية قاهرة وأعباء اقتصادية ثقيلة وأحداث مأساوية ألمت بالمجتمع العراقي أصبحت الإرادة السياسية فاقدة لأدواتها وصلت حركة المجتمع وأصبحت جميع مقدرات البلاد تدار حسب الأهواء والأهداف العدوانية الأمريكية الإيرانية، وأمام هذه المعطيات أصبحت مقومات النظام الإيراني وتطلعاته راسخة في العمق السياسي الذي تبنته أدواته عندما أنشأ ورعى مفهوم الدولة العميقة التي أخذت أبعادها واتجاهاتها بالهيمنة على جميع مراكز ومؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية والخدمية

والعسكرية وأصبحت تدار حسب ما تمليه المصالح العليا الإيرانية وبهذا سعت طهران إلى تعيين سفراءها بعد الاحتلال الأمريكي حسب متطلبات وتوجهات أجهزتها الأمنية والمخابراتية  فجاء جميع السفراء ( حسن كاظمي وحسن دنيفار وايرج مسجدي ) من القيادات التابعة للحرس الثوري المرتبط بفيلق القدس والذي يمتلك الرؤية السياسية ولديه من الطموحات الميدانية لتنفيذ المشروع السياسي الإيراني واتخاذ العراق واحة ومحطة الانطلاق نحو عواصم الاقطار العربية، ولهذا جاء قرار الخارجية الإيرانية بتاريخ العاشر من نيسان 2022 يتعين( محمد كاظم صادق ) سفيرا في بغداد والذي كان يشغل منصب النائب الأول للسفير الإيراني لعدة أعوام وهو من ولادة محافظة النجف ويتقن اللغة العربية ويجيد اللهجة العراقية وعمل مع الحرس الثوري  وتم تعينه خلفا للسفير ايرج مسجدي الذي شغل المنصب منذ عام 2017، وهذا ما يعطينا أخي القارئ الكريم انطباعا راسخا ذا أسس ومرتكزات ميدانية على أن الملف العراقي لا يزال بيد فيلق القدس وليس تابعا لوزارة الخارجية الإيرانية.

علينا أن نقرأ الدور الإيراني الحالي الذي ابتدأ بزيارة ميدانية تعبر حراك سياسي للسفير الإيراني السابق (حسن دنائي فر)  بتاريخ 12نيسان 2022 للعراق وهو المسؤول عن إدارة الملف العراقي من قبل النظام الإيراني حيث سبق له وأن خدم في فيلق القدس وعمل مهندس مدني ولوجستي في الحرس الثوري وفي مؤسسة تشخيص النظام التي كان يرأسها هاشمي رفسنحاني الرئيس الإيراني السابق وعمل سفيرا في بغداد  مدة ستة سنوات ، وخلال الزيارة التقى بعدد من مسؤولي الأحزاب والكتل السياسية وسعى لفرض الرؤية الإيرانية حول مستقبل الحكومة العراقية المقبلة التي يراها توافقية تخدم التوجهات الإيرانية وتضمن الكتلة الأكبر للشيعة السياسيين على أن يكون للأطراف السنية والكردية  دور مساهم فيها وهذا بالتحديد ما يخدم المصالح الإيرانية في الإبقاء على حكومة عراقية حليفة لطهران بعيدا عن توجهات وآراء  ما يطالب به التيار الصدري في أن تكون حكومة أغلبية،  ويبقى الهدف الإيراني هو تفكيك المشهد السياسي العراقي وتوسيع حالة الخلاف بين جميع أطراف العملية السياسية لكي يضمن عملية دخوله وتحركاته لتوجيه دفة الحكومة القادمة بنا يحقق له استمرارية للهيمنة والنفوذ على القرار السياسي العراقي والتبعية الاقتصادية وبقاء حالة الضعف الداخلي في العراق لكي يتمكن من توسيع حلقات تواجده واستمرار تنفيذ مشروعه السياسي واستخدام البلاد كقاعدة انطلاق نحو المشرق العربي وإبقاء الاهتمام الإيراني بالعراق كهدف رئيسي لتصدير أفكاره السياسية ونهجه التخريبي الى  أقطار الخليج العربي وباقي عواصم الوطن العربي وتعزيز الدور الفعال للنظام الإيراني   داخل العراق واعتباره جسرا للإمدادات البشرية والعسكرية اللوجستية نحو سوريا ولبنان حيث المليشيات المسلحة التابعة للحرس الثوري الإيراني وإبقاء حالة التعاون الثنائي بشكل منفرد مع إيران في جميع المبادلات الاقتصادية والتجارية وتنفيذ المشاريع الكبرى  ودعم الاستثمارات المالية في العراق.

يعتبر التدخل الإيراني في المشهد العراقي خرقا لجميع الأعراف الدبلوماسية المعتمدة في العلاقات الدولية ويهدد سلامة وأمن واستقرار البلاد وينتهك سيادته.

  إن من أهم أوجه المشروع الإيراني أنه يسعى إلى تعزيز ركائز وأسس الدولة العميقة في العراق لتشكل خطرا على البنى الفكرية والسياسية والاستراتيجية لمفهوم الدولة في العراق وتساهم في تنفيذ المشروع السياسي الإيراني بإشرافه على جميع المؤسسات والدوائر الأمنية والعسكرية ولتكون تحت هيمنته وسيطرته عبر تشكيلات الدولة العميقة و تفقد الحكومة وأحزاب السلطة في بغداد قدرتها على التحكم في السلطة والسعي لتكون جميع قرارات وتوجهات السلطة في العراق موازية لأهداف وتوجهات المشروع الإيراني.

Similar Posts