كتابة الحديث من أصول حفظ السنة المشرفة

بقلم : د. محمود الكيلاني

من الطرق التي انتهجها علماء الحديث في التثبت من الأحاديث، الكتابة إلى جانب الحفظ؛ وذلك للمحافظة على الإرث النبوي الذي يعد الأصل الثاني من أصول استنباط الأحكام الشرعية، وقد نقل ابن الصلاح إجماع المسلمين على تسويغ الكتابة، وبين أن الخلاف الذي حصل فيها قد زال، مجيبًا في ذلك على من تمسك في نهي النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه كتابة شيء سوى القرآن، فقال في مقدمته: “إنه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا ‌تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة “(1). ومن الأدلة على جواز هذه الطريقة في التثبت أن النهي عن تدوين غير القرآن قد نسخ، أو أنه كان خاصًا في تدوين القرآن وغيره في صحيفة واحدة كما فسرها بعضهم؛ وكذلك وصول عدد كبير من الصحف إلينا، والتي دونت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:أولًا: الصحيفة(2) الصادقة هي أول كتاب في علم الحديث دون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، للصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.وقد روي عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، قالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في الرضا والغضب، قال: فأمسكت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأشار بيده إلى فيه، فقال: ” اكتب فوالذي نفسي بيده: ما يخرج منه إلا حق”(3) . وفي هذه الرواية دليل واضح على أنه أخذ الأذن الصريح من الرسول الكريم في كتابتها. ومن شدة عنايته رضي الله عنه بهذه الصحيفة أنه خصص لها صندقًا يحتفظ بها فيه، فأصبحت مرجعًا له في مراجعة الأحاديث والتأكد منها.يقول رضي الله عنه: “ما ‌يرغبني ‌في ‌الحياة إلا خصلتان الصادقة والوهط، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها “.(4) قال مجاهد بن جبر: “أتيت عبد الله بن عمرو؛ فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئا! قال: هذه الصحيفة الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا! والوهط أرض كان يزرعها”(5) . أما عن حجم هذه الصحيفة فقد كان كبيرًا نظرًا لمحتواها الضخم، فهي ليست بالحجم الصغير، ولذا سماها الحافظ ابن معين بالكتاب، “فقد وقف ابن حبان على نسخة منها ورواها عن شيخه أبي يعلى الموصلي وقال: في نسخة كتبناها عنه طويلة”(6) . ورُوي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: “حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف مثل”(7) . قال أبو هريرة الصحابي الجليل: “ما في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب”( 8 ) . وقد وصلت إلينا بعدة أسانيد منها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومحتواها محفوظ في مسند أحمد بن حنبل.ثانيًا: صحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وهي صحيفة صغيرة تشتمل على مقادير الديات وأحكام فكاك الأسير، وقد أخرجها الإمام البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال: قال: “سألت عليًا رضي الله عنه: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ وقال مرة: ما ليس عند الناس؟ فقال: والذي فلق الحب وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يعطى رجل في كتابه، وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا ‌يقتل ‌مسلم ‌بكافر”(9) . ثالثًا: كتب أبو بكر رضي الله عنه لأنس بن مالك فرائض الصدقة التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ورث هذا الكتاب ثمامة بن عبد الله بن أنس(10) . وقد جمع الشيخ مناظر أحسن كيلاني في كتابه تدوين الحديث العشرات من الصحف التي قيدت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الأمور التي أشكلها المستشرقون ونسجوا حولها بعض الشكوك قولهم إن السنة لم تدون إلا في القرن الثالث الهجري وهم بذلك يخلطون بين مرحلة التدوين ومرحلة التصنيف، فمرحلة تدوين السنة بدأت بوادرها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكنها كانت على نطاق ضيق، ثم تطورت واتسعت في زمن التابعين بسبب كثرة الذين يجيدون القراءة والكتابة، وكذلك تنوع أدوات الكتابة بسبب اتساع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية ودخول حضارات كانت لها صناعات متقدمة في مجال التدوين.وكذلك كانت هناك دعوة مبكرة لجمع السنة في مكان واحد كما حصل في جمع القرآن، حيث أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة وجمعها في دواوين، ولعله قد تنسب فكرة تدوين السنة من جهود والده الأمير عبد العزيز بن مروان، الذي كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي حينما كان أميرًا على مصر، وكان كثير بن مرة أدرك سبعين بدريًا من الصحابة، فقال له الأمير:” اكتب إلينا بما سمعت من الصحابة إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا”.(11) وعن ابن شهاب الزهري رحمه الله قال: “أمرنا عمر بن عبد العزيز، بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا”.(12) وقال الإمام البخاري: “وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم ما لم يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا”.(13) وفي منتصف القرن الثاني للهجرة بدأت مرحلة جديدة وهي تصنيف الأحاديث على أشكال جوامع وموطآت ومسانيد ثم نضجت هذه المصنفات، وبلغت منتهى الروعة والدقة في التصنيف وانتقاء الأحاديث في القرن الثالث الهجري، فالذي نريد أن نؤكد عليه في نهاية مقالتنا هو أن أصحاب المصنفات الذين دونوا مصنفاتهم في القرن الثالث قد أخذوا هذه الأحاديث من أصول مكتوبة وهذه الأصول كذلك نقلت عن أصول مكتوبة لا كما يدعي أصحاب هذه الفرية أنها كتبت من حفظ الرواة فقط، ولو اكتفوا بالحفظ لكفانا وذلك لكثرة القيود التي وضعوها لقبول الرواية.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) مقدمة ابن الصلاح: 183.(2)مجموعة الأحاديث المدونة في صحيفة، والمروية بإسناد واحد، وتُسمى: النُّسْخَة.(3)صحيح أبي داود، حديث رقم: 3646.(4)جامع بيان العلم وفضله: 1/ 305.(5)أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/246.(6)المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: 2/74.(7)أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/245( 8 )أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، 1/34.(9)أخرجه البخاري، كتاب الديات، باب العاقلة، 9/11.( 10 )أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، (1454).(11)سير أعلام النبلاء: 4/47.(12)جامع بيان العلم وفضله: 1/331.(13)أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم: 1/31.

Similar Posts