وقفتان مع (خائنة الأعين) و (فوقية الذين آمنوا)
بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني
قولُه تعالى في سورة غافر الآية19:((يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ))والأعينُ الخائنةُ أنواع:الأول: وهيَ أعظمُ أنواعِ الخيانةِ أَلا وهيَ الأَعيُنُ الجَسّاسةُ التي تَتَجَسَّسُ على المسلمين َ وَتَدُلُّ أعداءَ الدِّيِنِ على عَوراتِهم ونِقاطِ ضَعفِهم ومَواضعِ وَهْنِهِم. وهذا النوعُ مِنَ الخيانة يُعَدُّ رِدَّةً عن الإسلامِ وذلك بنصرةِ الكُفّارِ والمُشركين على المسلمين.الثاني: وهيَ خيانة الأعيُنِ في النظرِ إلى ما حرَّم الله من الرجال والنساء والشيبِ والشباب ومنه قوله تعالى في سورة النور الآية 29:((قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ))وقوله تعالى أيضاً في سورة النور الآية 30 :((وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ))وغَضُّ البَصَرِ هنا عامٌّ عن كل ما حرَّم اللَّهُ تعالى النظرَ اليه كنظرِ الرجال إلى النساء الأجنبيات ونظر النساء إلى الرجال الأجانب. ويدخل في ذلك النظرُ إلى الصورِ المُحَرَّمَةِ والأفلامِ الساقطة والمسلسلات العاهرة وأشباهِ ذلك.النوع الثالث: هي الأعينُ الخائنةُ بالهمزِ واللمزِ والإعابة والسخرية والإستهزاء والإستخفافِ بالآخرين ومنه قوله تعالى في سورة الهُمَزَة:((وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1)عن قتادة، قال: يهمزه ويلمزه بلسانه وعَيْنِه. قاله ابن جرير في تفسيرهوقال السعدي في تفسيره: فالهمّازُ: الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة. قلتُ : والإشارةُ قد تكون بالعَينِ أو اليد. قال البغوي في تفسيره: وقال سفيان الثوري : ويهمز بلسانه ويلمز بِعَيْنِه. قلتُ: وهي عادةٌ جاهليةٌ قبيحةٌ ما زالت ساريةَ المفعولِ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ ومع الأسفِ فما إن يصد صاحبُه عنه إلا وغمز بِعَيْنْهِ لجُلَسائهِ سخريةً منه أواستهزاءً أو استخفافاً.ولم ينجُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من لَمزِ المنافقين كما في قوله تعالى في سورة التوبة:((وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)أي يطعنون بك ويعيبون قسمتَكَ لها ويستخفُّون من توزيعك لها فإن أعطيتَهم رضُوا وإن منعتَهم لمَزوا وهمَزوا وعابوا وطعنوا. خابوا وخسِروا وخسِئوا على إعابتهم لِسيِّدِ الأوّلين والآخِرين مُحَمَّدٍ صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين.مسألةقوله تعالى لعيسى بن مريم عليهما السلام في سورة آل عمران :((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)فقوله تعالى:((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ)). والفوقية هنا هي فوقية علوٍّ وظهور.وقوله تعالى:((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)) أي بالحق الذي بُعِث به سيدنا عيسى عليه السلام.وقوله تعالى :((فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) اي ظاهرين على الذين كفروا بالحق الذي جئتَ به.وقوله تعالى :((إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ))أي ظهور الذين اتبعوك بالحق واضح الي قيام الساعة. ومعلوم أنَّ النصارى قد حرّفوا دين عيسى عليه السلام فلم يبقَ من أتباعه على التوحيد أحد، وإنما انقسموا الى طوائف كلهم يشركون بالله ويكفرون بادعاء: أنَّ عيسى هو ابن الله تعالى الله عما يشركونومنهم من يدعي أنَّ عيسى هو الله تعالى الله عما يصفون.ومنهم من يقول بعقيدة التثليث الله وعيسى وروح القدس.فمَنْ هؤلاء الذين اتبعوا عيسى عليه السلام بالحق الذي جاء به وهم فوق الذين كفروا الى يوم القيامة ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم؟؟.إنهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا بنبوة عيسى عليه السلام وبإنجيله وأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم عليها السلام وروح منه وأن مثله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. ومن هنا تظهر فضيلة هذه الامة على بقية الأمم، فإنها الأمّة الوحيدة التي تؤمن بجميع الرسل ولا تفرق بين أحد منهم في أصل التصديق بنبواتهم ورسالاتهم وكتبهم كما في قوله جل وعلا في سورة البقرة:((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285). ويؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم :(لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي قائِمَةً بأَمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، أوْ خالَفَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ ظاهِرُونَ علَى النَّاسِ). رواه الإمام مسلم في صحيحه.