|

ابتذال النوّاب وفوضى الجلسة الأولى

بقلم : جهاد بشير

كما جرت العادة فقد طغت الفوضى على أولى جلسات مجلس النوّاب التي كانت عبارة مهزلة امتزجت فيها الأكاذيب والادعاءات بالعنف والطغيان، فسادت المناوشات والتضارب المشهد الذي أنتهى فيه مطاف “رئيس السن” في سرير المشفى ومن حوله قادة الميليشيات يتضاحكون بعدما بذل جهده وهو يتلوّن محاولاً كسب ود جماعة ما يسمى “الإطار التنسيقي”.الاتفاقات والتنسيقات بين الكتل على توزيع المناصب، وما صاحبها من تصادمات و”خيانات” داخلية بين الكتل؛ تظهر أن عبيد إيران ما زالوا سادرين في أزمة ما بعد نتائج الانتخابات، التي لم تنتهِ كما هو رائج بسبب مصادقة المحكمة على النتائج النهائية ورفض قبولها طعون المعترضين، بل بسبب إرادة أمريكية فُرضت في آخر مشاهد المسرحية، دلّت عليها تصريحات سفارة واشنطن في المنطقة الخضراء ببغداد قبيل انعقاد الجلسة والتي تضمنت تلميحات بوجوب أن تُنهي الكتل المتخاصمة هذه المرحلة بتحديد النماذج الأولية لشكل الحكومة المقبلة.ومما اعتادته العملية السياسية في كافة مراحلها المنقضية، أن ترضخ أحزابها صاغرة لما تريده الولايات المتحدة بوصفها مؤسس المنظومة، لأن الأخيرة في كل ظروفها وأحوالها لا تنتهي إلا عند محطات المصالح الأمريكية وما تقتضيه مكاسبها في المقام الأول ومن ثم مكاسب شركائها، وجميع ما يسبق ذلك من صِدامات وتسقيطات بين الأدوات التي تحاول جر البلاد نحو واقع ميداني مضطرب؛ هو محل استثمار بين الشركاء المتخادمين، لما فيها من فرص لإعادة قراءة المشهد وتصنيفه مجددًا، فضلاً عمّا هو ثابت في القضية العراقية من أن زيادة الاضطرابات واستمرار حالة الفوضى هي الوقود الرئيس لبقاء العملية السياسية قائمة حتى وإن كانت لا تنبض إلا بشيء لا يكاد يُذكر من الحياة.مشاهد نفاق النوّاب في الجلسة الأولى بلغت حدًا من السخف والابتذال أكثر مما هو مُتخيّل، فمنهم من جاء بملابس ممزقة ليوحي أنه مصطف مع شريحة الفقراء، ثم ما لبث بعد ساعات حتى عاد إلى حياة الرفاهية، وآخرون لبسوا أكفان الرياء بزعم أنهم مستعدون للموت في سبيل شيء ما يعتقدونه، ثم وعلى حين غرّة نسوا الموت وخاضوا شجارًا عنيفًا بسبب تقاسم المناصب وأحجام الكتل وحصصها فإذا بهم ينتقلون من مزاعم السير نحو الآخرة إلى دركات الدنيا وفسادها، وآخر استدعى وسائل الإعلام لتُظهره وكأنه جاء مبنى المجلس مستقلاً دراجة اشتهرت بأنها وسيلة إخلاء جرحى تظاهرات ثورة تشرين وتنقلات الناشطين فيها، ليُمرر كذبة بأنه ممثل للمتظاهرين بغية الإيماء بأن لديه حاضنة شعبية يستخدمها ورقة تساعده في رفع قيمته النيابية التي وصل سعر النائب هذه المرة إلى خمسين مليون دولار مقابل ترك كتلة والانخراط في أخرى، حتى غدا مجلس النوّاب سوق نخاسة تتلاعب به أدوات واشنطن وطهران فتعلي ثمن من تريد وتبخس قيمة الآخر!وعلى الرغم من أن “براعة استهلال” جلسة مجلس النوّاب تشير إلى أن شكل الحكومة المقبلة التي يُراد فيها لرئيس الوزراء متعدد الولاء ولدمية إيران في رئاسة المجلس تجديد ولاية أخرى؛ سيكون الأكثر تشوهًا من بين ما سلف من نظيراتها القبيحات؛ فإن العديد من الرؤى تتحدث عن أن حكومة الاحتلال التاسعة ربما تكون الأخيرة في سلسلة التعاقب، وسواء حصل ذلك أو لا؛ فإن الولايات المتحدة لن تكون في معزل عن ساحة الاعتراف بفشل العملية السياسية إما لأنها ستكون قد استنفدت وسائل الترقيع وأنماط التبرير التي تتكئ عليها، أو لأن أدواتها المبتذلة ذات العبث المخزي لم تعد مؤهلة لتحظى برعاية أمريكية تبقيها في واجهة المشهد، ولعل في أول قرار لمجلس النواب بإحالة “رئيس السنّ” إلى “لجنة السلوك النيابي” على خلفية أحداث الجلسة الأولى، دليل على أن حالة احتضار هذه العملية بلغت حالة حرجة لا يُسعفها سرير مشفى كالذي استلقى عليه كبير القوم متأثرًا بـ”الوعكة” أو الضربة التي ألمّت به!

Similar Posts