العالم العربي بين عسكرة العولمة وحروب الإزاحةMay 05, 2015
يدخل العالم اليوم شبكة أنفاق مهلكة مبهمة النتائج, وتشير ملامحها إلى الفناء العالمي التدريجي في ظل عسكرة العولمة وهيمنة مافيا المال , والاندماج الانسيابي للجريمة المنظمة مع الشركات القابضة في الجسد السياسي والاجتماعي الدولي, ليصنعوا بيئة الحروب القذرة ويهيئوا مناخها , ونشهد حروب التفكيك العربي والإزاحة الجيوسياسية , وفق مفهوم الفوضى الهدامة والتقطيع الطائفي الناعم والصلب, وباستخدام واسع لجيوش الموت المأجورة , والتي تعمل على أذكاء الحروب الخاصة ,في ظل اندثار المنظومة القيمية والنظريات والنظم السياسية نظرية الدولة, ولابد الاعتراف بان النظام الرسمي العربي قد انتهى واحتضر ولا وجود لمحور جيواستراتيجي عربي ولا محاور جيوسياسية عربية فاعلة.
نظرية (الدمنيو)
ونشهد تفكك الدول العربية بالتعاقب وفق نظرية الدومينو , ولعل أبرزها بشاعة غزو العراق وتفكيك دولته وما نسميه العرقنه النازفة وهو أنموذج يجمع توصيف حروب الإزاحة العربية في فلسطين ولبنان والصومال والسودان, وأضحى أنموذج طازج ومربح سياسيا وتجاريا ليعاد تطبيقه في مسارح الإزاحة العربية , وفي ظل التحالفات العربية الفاشلة والاحتراب السياسي وتداعيات عسكرة العولمة والحرب على الإرهاب , وسياسة الإلحاق ألمخابراتي, وقد استعدت الجسد المجتمعي وأسهمت عبر أساليبها المنفرة بالارتداد الإيديولوجي, مما جعل الأجيال العربية الشابة محبطة وهي تعاني من الإقصاء السياسي والبطالة والعوز والفاقة والهجرة , وبذلك يسهل ولوج الإيديولوجيات الهجينة الوافدة ويساهم في ترويج الأساطير الطائفية السياسية والتي كانت المرتكزات الأساسية للحرب الديموغرافية وتفكيك الدول العربية بالتوالي.
عسكرة العولمة وحروب مالية قادمة
يشهد العالم اليوم فوضى سياسية وازدواجية في التعامل مع الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والإنسانية, وأضحت المؤسسات الأممية خاضعة لإرادات مافيا المال من مجمع الشركات القابضة وبلباس القطبية الأمريكية وهي تعسكر العالم بحروبها الاقتصادية, وتعاني الولايات المتحدة وحليفها الأوربي من أزمات مركبة تعمل على تصديرها لازمات وحروب خارجية, ولعل التدخل العسكري في ليبيا بطلب من جامعة الدول العربية يشكل حرب النفط الثانية بعد العراق في الأجندة الأمريكية الأطلسية, حيث يجري معالجة أزمة الناتو المالية حيث يعاني إفلاسا منذ عامين, ناهيك عن تصريف مخزونات الاعتدة والمقذوفات, والسماح بتجربة الأسلحة الجديدة التي تصنعها شركات الأسلحة, ناهيك عن توظيف هذه الحرب في سجل اوباما الانتخابي, وكما يقول الإعلام الأمريكي لكل رئيس حربه وبالتأكيد الحروب التي خاضتها أمريكا طيلة ثلاث عقود أفرغت النظام الرسمي الدولي من محتواه , وخرقت النسق الدولي , واغتالت الشرعية الدولية, وكبلت العالم بسلسلة من الأزمات المركبة , وقد شهدت أوربا انتفاضات واحتجاجات شعبية كبرى في ايرلندا وانكلترا وفرنسا وايطاليا واليونان واسبانيا على الأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية منها , وقد تفاقمت البطالة وتسريح الموظفين وقد بلغ 280 مليون عاطل بعد التقليص الذي نفذته الشركات وعجز الحكومات , خصوصا أنهم ينتهجون نظرية مليتن فريدمان (مدرسة شيكاغو) والتي جلبت الفوضى والبطالة والبؤس المجتمعي ونهب المال العام وانتشار الفساد , وقادت إلى انهيار الأنظمة السياسية وسخط شعوبها,وجميع تلك التجارب لم تعزز مكانة الدول الكبرى على العكس فقد انهارت وأصبحت هذه الدول عاجزة مثقلة بالديون وتحتكم على جيوش وقواعد في كافة أنحاء العالم , وتبلغ ميزانيتها مئات المليارات , ناهيك عن جيوش المرتزقة وجميعها تبحث عن سوق الموت, ولابد من عدو وهمي حيث تتبنى وسائل الإعلام ومكاتب العلاقات العامة ومراكز الدراسات تسويقه , وباستخدام ما يطلق عليه الكذب النظيف من قبل سدنة السياسة والإعلام, وكما حصل في غزو العراق عندما ضلل بوش وإدارته وبلير وأجهزته الرأي العام وذهب لتدمير العراق وتفكيك المنطقة العربية,وتلوح اليوم بالأفق على اثر الأزمات المالية حزمة حروب قادمة مركبة ومسارح عملياتها في الغالب بالعالم العربي في ظل الاختلاف الحكومي الشعبي والاحتجاجات الشعبية المتعاظمة وسوء إدارة ملف التظاهرات, وتغليب القوة بدلا من الإصلاح والحل السياسي المسئول , إضافة إلى تداعيات غزو العراقي وملامح الإبادة الطائفية والتكفير السياسي والمهني وملامح النزاع العربي الكردي وتصفية الأقليات جميعها أصبحت مسالك وشيكة للصدام لتوظف خارجيا في حرب الإزاحة العربية.
حروب الإزاحة وتفكيك الدول العربية
يشاهد المواطن العربي اليوم مراسيم تشيع النظام الرسمي العربي , وقد افتقر لبوصلة التكامل والقراءة الإستراتيجية المتأنية , واتسمت سياساته بالتخبط والاختلاف المزمن, وعندما نراقب حجم القدرة العربية نقف أمام غياب العقيدة السياسية والإستراتيجية العليا, وشهدنا انهيار منظومة الأمن القومي العربي بالكامل, واندثار معايير التوازن السياسي والدموغرافي والعسكري, خصوصا أن غالبية الدول العربية اليوم منزوعة الجيوش, وتفتقر إلى التكامل الذاتي ووحدة الهدف والمصير, وتعصف بها أزمات داخلية معقدة, ونجد مساحة رمادية بين سلوك النظام الرسمي العربي وتطلعات الشارع العربي, وقد فتحت أبواب الاختراق الناعم لتفكيك العالم العربي الإسلامي وبشكل واضح دون معالجة تذكر.
يجري إعادة رسم الخارطة السياسية عن بعد , وجعل الشعوب العربية الإسلامية أدوات للحروب العبثية ووقودا للعنف والفوضى والإرهاب المستورد, والذي عزز الاضطراب السياسي والأمني ليكون مبررا لتجارة الأمن الرائجة اليوم وفق فلسفة الخوف وصناعة الإرهاب , ناهيك عن تفتيت الديموغرافية العربية إلى هويات فرعية متناسلة متحاربة تارة طائفية مذهبية, وأخرى أثنية عرقية, وكان للدور الإيراني دور محوري فيه, خصوصا أن الدول العربية تعاني من استهداف مزمن كونها خزين للثروات الإستراتيجية والفكرية.
مارست الدول العربية سياسة الهروب إلى الأمام وتخطي التهديدات الخارجية والتحديات الداخلية , حيث جرى تجريف المحاور الجيوسياسية العربية بالتعاقب بين إزاحة واحتواء وتجميد وصولا إلى التفكيك الشامل للقدرة , واستهدفت محاور القدرة الصلبة مصر والعراق والجزائر وليبيا والسعودية لاحقا , ونشهد تعاظم دور الوكلاء الإقليمين إيران وتركيا لملئ الفراغ العربي الرسمي ضمن فلسفة شد الأطراف, وكثيرا ما نذهب نحن العرب إلى نظرية المؤامرة لتغطية الفشل السياسي الناتج من احتكار الحواشي الرئاسية أو الملكية المنتفعة للسلطة وأشاعتها الفساد وممارسة القوة ضد الشعوب وتأسيسي دول بوليسية تؤسس لمبررات صناعة الحروب وغزو الدول وفق فلسفة التبسيط المخيف ضمن دعاية الحرب الامريكية.
الاختصار لادارة الصراع
خضع النظام الرسمي العربي بإرادته وعجزه لحروب الإزاحة الجيوسياسية وتجريف القدرة , وافتقر لإدارة الصراع العربي الإسرائيلي بحنكة ومسئولية , وهو صراع حضارات بالوكالة وكانت إسرائيل رقعة المصالح الغربية الأمريكية والقاعدة العسكرية المتقدمة في قلب العالم العربي, واستخدمت كواخز لصناعة الحروب والاضطرابات والانشقاقات في الجسد العربي, وهي تجاهر بالفناء العالمي وتثقف راديكاليا لمعركة هرمجدون, وقد أصبحت اليوم بعد تفكيك النظام الرسمي العربي منصة في الصراع وتحتكم على بؤر ودويلات وخز بالوكالة.
أضحى العالم يعيش تهديدات مصيرية وتسوده الفوضى السياسية وتلوح بالأفق السياسي حزمة حروب مركبة تختلف بعض الشيء عن غزو العراق في المسالك والآليات ولكن من المؤكد مسارح عملياتها قد يكون الأطلسي أو الخليج , ويجري هذا في ظل المتغيرات السياسية التي تشهدها الدول العربية, ونشهد اليوم نموذج العرقنه النازفة جاهز للتطبيق في غالبية الدول العربية, فهو مربح إقليميا لإزاحة المحور الجيواستراتيجي العربي , ودوليا لترحيل الدول العربية وشعوبها إلى العالم الرابع, ولعل النموذج الليبي سيتكرر سواء بالعدوان الخارجي أو بإذكاء الحروب الطائفية والعرقية خصوصا أن الديموغرافية العربية مفتتة عاموديا وأفقيا وأضحت بيئة منسبة للتقطيع طائفيا وعرقيا في ظل غياب التخطيط والتنمية والفكر المسئول , وبالتأكيد هذا الفشل تتحمله الأنظمة العربية برمتها لأنها فقدت بوصلتها الجامعة وخرقت أمنها القومي بتحالفات هشة نخرت قدرتها, ولابد من أرادة عربية صلبة وذكية لإعادة رسم العقيدة العربية الإسلامية من جديد وإشاعة روح التسامح وتخطي حرب الهويات الفرعية والمشاركة في بناء القدرة العربية الإسلامية من جديد ومعالجة الغزو الفكري والعسكري وذلك بالتأهيل السياسي والفكري لشريحة الشباب الواعد ليكون جيل مسئول عن حاضر الأمة و مستقبلها.