نصرت البياتي .. راحلاً

بقلم : د. مثنى حارث الضاري

لا تكاد ساعات الليل والنهار تنقضي في أيامنا الصعبة هذه؛ حتى نفجع بموت قريب أو صديق أو زميل، أو شريك في طريق العمل من أجل خلاص العراق مما هو فيه منذ ساعة احتلاله، وها نحن نفقد هذه الأيام رجلًا وطنيًا بكل ما لهذه الكلمة من دلالات ومعانٍ؛ حيث رحل عنا قريبًا الأخ الكبير (نصرت البياتي) -أبو فارس- ظهر يوم الجمعة (١٢/١١/٢٠٢١م) في بغداد، ووري الثرى في مسقط رأسه بمحافظة ديالى. ولد (نصرت عبد الستار موسى أفندي البياتي) سنة (1941م) في قضاء (مندلي) بمحافظة ديالى وأكمل دراسته الأولية في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى بغداد وأكمل دراسته الثانوية في (إعدادية النعمان) في (الأعظمية)، التي اختارها سكنًا له بعد ذلك سنوات طويلة، ثم درس في معهد المحاسبة ببغداد، وتخرج فيه، وعمل في مجال اختصاصه وبرع فيه، وقضى سنوات كثيرة من خدمته الوظيفية في وزارة العدل، ثم في إحدى الدوائر بعدها، حتى إحالته على التقاعد.وهو سليل عائلة معروفة من وجهاء عشيرة (البيات) القاطنة في مندلي وما حولها، شأنها شأن كثير من العشائر العربية في هذا القضاء، العريق تأريخيًا والأصيل عراقيًا، وهو حفيد الشيخ (موسى أفندي) العالم والمجاهد، وصاحب المواقف المعروفة في مقاومة البريطانيين وغيرهم. وقد كان الراحل متشبعًا بهذا الإرث العائلي والتأريخ الجهادي، وناشطًا في العمل الوطني منذ شبابه؛ حيث اعتقل وهو طالب يافع في الإعدادية في إحدى المظاهرات في الخمسينيات الميلادية، وانتمى لصفوف حركة القوميين العرب، واستمر فاعلًا فيها، واعتقل بسبب ذلك مرة أخرى وهو كهل، في سنوات أوائل السبعينيات، واستمر عاملًا في صفوفها؛ حتى أضحى أمينًا عامًا (لحركة التيار القومي العربي) في السنوات الأخيرة من حياته. وتابع نشاطه الوطني بعد احتلال العراق، وشارك في التجمعات الوطنية المناهضة للاحتلال الأمريكي، ومارس العمل الصحفي الوطني رئيسًا لتحرير جريدة (راية العرب) الناطقة باسم حركة التيار القومي. وآزر قبل سنوات تجربة الميثاق الوطني العراقي، وشارك في تأسيسه وعضوية لجنته العليا، ممثلًا لـلحركة.وقد اتسمت مسيرته -رحمه الله- بالمواقف الشجاعة منذ الأيام الأولى لاحتلال العراق، فقد كان سباقًا في حماية مدينته -مندلي- من الطارئين، وتأمين بعض المواطنين الذين سعت أيادي الغدر إليهم سريعًا، وبقي حريصًا على ذلك، متحملًا أذى أعوان المحتل، وملتزمًا بمواقف وطنية جادة وغير مهادنة، رافضة للاحتلالين الأمريكي والإيراني، وداعمًا لمشروع المقاومة، وعاملًا على توفير الظروف الملائمة لعمل بعض مجموعاتها في (مندلي) و(الأعظمية) -قدر استطاعته- فضلًا عن وقوفه بوجه مشاريع تقسيم العراق وطمس هويته العربية، ومقاطعته مع (التيار القومي) للعملية السياسية، وعدم اعترافه بشرعية النظام السياسي القائم، ورفض التدخلات الخارجية في شؤون العراق، وسعيه الصادق لتوحيد عمل القوى المناهضة للاحتلال.ومن مواقفه الأخرى المعروفة للقريبين منه؛ دفاعه عن إخوانه من الوطنيين وضباط الجيش العراقي، ولا أنسى -في هذا الصدد- موقفه الشجاع الناقد على رؤوس الأشهاد، لأحد شخوص السلطة من السياسيين، في أحد مجالس العزاء في عمّان.ولم ينحن -رحمه الله- للمغريات التي عرضت عليه وعلى بعض صحبه، ومنها رفضهم لعرض تزويد جريدة (راية العرب) بمطبعة متكاملة من إحدى الجهات المتعاونة مع الاحتلال، في وقت مبكر من احتلال العراق. وأصر -رحمه الله- في آخر سنوات حياته على بقاء مقر (حركة التيار القومي) مفتوحًا، على الرغم من التبعات المالية التي كان يعانيها من أجل تسديد الإيجار عندما يحين موعده. وكان يأتي من بيته في منطقة (البلديات) ببغداد إلى المقر في (الأعظمية) مسكنه القديم، ويمكث فيه كثيرًا، ويلتقي فيه بأصدقائه وأحبابه؛ حتى داهمتنا جائحة كورونا، فاضطر إلى غلقه، وهاتفني يومها يعلمني بذلك، بنبرة حسرة في صوته، تدل على تأثرٍ بالغ وألم ٍكبير.وكان دائبًا على زيارة (محبوبته) مندلي بين حين وآخر، على الرغم من صعوبات السفر لمن هو في سنه، والمخاطر الأمنية المتوقعة، والوضع الصحي غير المساعد، الذي كان يضطره للتردد على عمّان للعلاج. وبنى -رحمه الله- في أيامه الأخيرة مسجدًا في مندلي، هو جامع (معروف أفندي)، وفتح فيه دورة قرآنية، وكان فرحا جدًا بها، وأرسل لي صورًا عنها وعن المسجد وافتتاحه.وقد عهدته -أنا وغيري- عاشقًا لمدينته، وفيًا لأهلها، مغرمًا بتأريخها، الذي كتب عنه سنة (2006م)، كتيبًا بعنوان (مندلي؛ جغرافية وتاريخ)، تناول فيه تاريخها ومآثر أهلها، وتركيبتها السكانية وعشائرها، ومقاطعاتها الزراعية، وأنهارها وعيون مائها، ومشاركتها في جهاد البريطانيين سنتي (1914-1915م)، وثورة العشرين، وبعض الشعر الذي قيل عنها، ورد فيه على بعض الكاتبين المغالطين المحرفين لتأريخها وواقعها، قائلًا عنها في مقدمته: “مندلي هي الوسادة التي تنام عليها بغداد، فهي لبغداد وبغداد لها، وأما الأصوات النشاز، فسوف تذهب إلى مزبلة التاريخ.. هلموا يا أهلي بمندلي إلى رابطة أبناء مندلي، وكرسوا الوحدة بين أهلها، ولا يدخل غريب يبث الفرقة بيننا…”.فضلًا عن إصداره كتابًا عن عشائر مدينته، نشره سنة (1971م) بعنوان (عشائر مندلي)، وتدوينه لكثير من ذكرياته عن المدينة وتأريخها، ونخيلها وأثمارها، وعشائرها ورجالها وأبطالها، ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، وإرسالها لأصدقائه ومحبيه، أو طبعها وتوزيعها عليهم. وكان -رحمه الله- فضلًا عن كل ما تقدم؛ ملمًا بكثير من وقائع القضاء العراقي وأحكامه، وتاريخ قضاته، بحكم عمله في وزارة العدل وقربه من عدد من قضاة العراق الكبار وقتها، وصداقته لهم. وقد كتب في هذا الشأن مقالًا بعنوان: (القضاء العراقي في ظل الاحتلال)، قارن فيه بين واقع المحاكم والقضاة في العراق سابقًا، وواقعها بعد الاحتلال، ونشره في مجلة (حضارة) الصادرة عن (مركز الأمة للدراسات والتطوير) في عددها رقم (14) الصادر بتاريخ (نيسان/2012م)، باسم (عبد الله الأمين).رحم الله أبا فارس، ولطف به وبنا، وبمندلي وأبنائها جميعًا، وردَّ العراق إلى أهله سالمًا حرًا عزيزًا شامخًا، كما كان يتمنى فقيدنا الراحل.

Similar Posts