حتى لا تضيع البوصلة.. (قراءة موجزة في تجربتي الشيخين حارث الضاري ورائد صلاح)

بقلم: مضر أبو الهيجاء

المقدمة:لم يخل القرن العشرون منذ غياب دولة الاسلام من عذابات وقعت على أمتنا حتى أنهكتها في كل جانب، ورغم كل تلك العذابات فإن حيوية الأمة لا تزال متقدة في محاولة النهضة من جديد حيث تلد في كل حقبة شخصيات وقيادات وحركات فاعلة في شأن التغيير والتدافع دونما توقف.لقد طوى القرن العشرون صفحاته ودولة الاسلام غائبة، وأرض فلسطين والأقصى محتلان، ثم افتتح القرن الحادي والعشرون أولى صفحاته بكارثة مدوية ألا وهي احتلال مزدوج للعراق العظيم على أيدي أمريكا وإيران، الأمر الذي أوجد زلزالاً شرخ ولا يزال عموم المنطقة، كما فجّر بركانًا كامنًا تتطاير حممه من حين لآخر لتحرق بلدًا أو مدينة أو طائفة. ورغم هذه الصورة البائسة لواقع أمتنا الموضوعي والاختلال الكبير في موازين القوى وغياب المراجعات الذي أربك مشاريع التغيير؛ فإن خيرية الأمة لم تخبُ في مواجهة المحتل من جهة، ومحاولات استعادة دولة العدل من جهة أخرى؛ غير أن المخاطر التي تستهدف الأمة لم تتوقف عند استهداف البشر والثروات والدول والجماعات لتنال منها وتزيد من جراحها! بل إن خطرًا آخر تقدم حتى بات يشكل تهديدًا استراتيجيًا في واقع الأمة ومستقبلها فما هو؟إنه التهديد الذي يستهدف حرف مسار الأمة من خلال حرف علمائها وجماعاتها الدعوية وأحزابها السياسية؛ الأمر الذي إن حصل فإنه سيستبعد التغيير حقبًا من الزمن حتى يشاء الله، أما إن حافظت قيادات الأمة وعلماؤها وجماعاتها على المسار الصحيح؛ فهذا إيذان باقتراب تحقق الوعد.لقد شهد العراق كما فلسطين أشكالاً من التحدي كبيرة ومعقدة إلى الدرجة التي تعكس واقع الأمة الأليم، ولكنهما أيضًا شكّلا مرآة تعكس حيوية الأمة ونصوع الخيار في مواجهة محاولات تضليل المفاهيم وحرف البوصلة بفضل من قيضه الله من العلماء والقيادات الذين كانوا سببًا في وضوح الطريق.الصورة العامة لواقع العراق وفلسطينتعيش أمتنا في كل ربوعها مآسٍ كثيرة في الشام والعراق ومصر واليمن وعموم البلاد، غير أن مآسي فلسطين والعراق عميقة وخطيرة ومعقدة إلى الدرجة التي تجعلها مرشحة قبل غيرها للخضوع والمضي في طريق التيه والضياع.فإذا نظرنا إلى فلسطين ومأساتها القديمة التي قاربت قرنًا من الزمان، نجد أن الصهاينة استولوا على أرض وبلد عامر بالمسلمين ليقتلعوهم من أرضهم ويسومونهم سوء العذاب، تحت مظلة دولية داعمة بلا حدود، وواقع إقليمي متخاذل زاد من عذابات الشعب الفلسطيني.لكن المأساة والمصاب في فلسطين لم تتوقف عند احتلال الأرض وسرقة الجغرافيا وتهجير السكان، بل تجاوزت إلى شرعنة الاحتلال والتطبيع معه بعد خلق مسار سياسي شاذ في فلسطين عبر اتفاق أوسلو المهين، وهو اتفاق صنع أرضية للصراع الفلسطيني الفلسطيني والاقتتال على وهم سلطة سيمنحها الاحتلال البغيض لمن قاتلوه ويقاتلونه خلال عقود متعاقبة!وإذا نظرنا إلى واقع العراق منذ سقوط بغداد قبل عقدين تقريبًا؛ فإن حجم وأشكال مآسيه فاقت عموم المنطقة في تاريخها المعاصر، حيث وقع فيه ولا يزال احتلالان بغيضان هما الاحتلال الأمريكي والاحتلال الإيراني الطائفي، كما لم يتوقف الاحتلال عند حدود سرقة الأرض والثروات وتهجير السكان وإحداث شرخ عرقي، بل تعداه إلى إحداث شروخ طائفية وتغيير ديمغرافي بفضل مشروع ملالي إيران القاضي بتفتيت العراق ثقافيًا ومذهبيًا.منهج ومسيرة الشيخين حارث الضاري ورائد صلاح في واقع الزمان والمكانسقطت بغداد في عام 2003 في واقعة أليمة بعد تجسيد الاتفاق والتنسيق الإيراني الأمريكي المشترك لاحتلال العراق ونهب ثرواته، وتفكيك جيشه وتفسيخ مجتمعاته، ونشر الفوضى فيه وحرق المدن بشكل ممنهج؛ عبر خلق جماعات خادمة لتحقيق الهدف في الإطارين (السني) و(الشيعي) بعدما نجح الخصوم في إحداث الشرخ الطائفي وتحويله لأداة تفتيت ذاتي في المجتمع العراقي بيد إيرانية تدير المسألة الطائفية ببراعة ضمن توافق دولي برعاية غربية وأمريكية سهّلت وذللت كل العوامل الأرضية في العراق ومحيطه لخدمة هذا التدمير وإذكاء نيرانه.وفي خضم تلك الصورة المفزعة لواقع العراق ذي التاريخ العريق تسابقت كل الأحزاب والحركات والجماعات للمشاركة والمحاصصة في العملية السياسية التي أطلقها العدوّ المحتل الأمريكي؛ حتى جاء رجل من أقصى العراق يسعى؛ قائلاً لشعبه كلمة حق خطّها واقعًا بيديه ودفع ثمنها حتى مات مهاجرًا ثابتًا لم يهن ولم يحد عن سبيل رعاية مصالح العباد والمحافظة على الحق وما ينفع الناس، فرحم الله الشيخ الضاري وكتب أجره ونفع بما خطّه لشعبه.الشيخ حارث الضاري في المعادلات الست (الاحتلال، العملية السياسية، المشروع الإيراني، المكون الاسلامي، الدول، المال)من نافلة القول إن أحدًا من دول المنطقة وشعوبها لم يعش حروبًا ممتدة ومتلاحقة كما عاشها العراق وشعبه الذي أثخنته جراح الحروب في العقود الأخيرة، حتى إنك لا تجد في العراق أسرة غير مكلومة بأب أو أخ أو ابن شهيد، بل زد عليها زوجة أو أختًا أو بنتًا معتقلة أو مختطفة أو مشردة، ورغم هذه الصورة المؤلمة لم يختر الشيخ حارث الضاري غير طريق واحد في التعامل مع المحتل الغاصب وهو خيار المواجهة التي أوجعت المحتل وكانت جزءًا مهما من معادلة هزّ أركانه في العراق العظيم.أما في العملية السياسية التي طرحها المحتل وأوجدها واقعًا شاركت به كل التيارات والقوى السنية والشيعية إلا الشيخ حارث الضاري الذي رفض أي مشاركة في العملية السياسية معتبرًا إياها تطبيعًا مع العدو وخللاً شرعيًا وأخلاقيًا وسياسيًا، كما لم يهتز الشيخّ مطلقًا أمام هذه المشاركات، بل أسس هيئة العلماء المسلمين في العراق كإطار شرعي عقب الاحتلال الأمريكي الإيراني، وقد اصطبغت الهيئة ورجالاتها بهذا الموقف الحق وواجهت تيارًا ضخمًا من المشككين في هذا الموقف عبر خطب ومقالات وبيانات ومواثيق وكتب حتى أضفى موقف الشيخ رحمه الله بصمة وعلامة فارقة تثبت الأيام سويته وصوابيته لاسيما وأن الأطراف التي شاركت في العملية السياسية في ظل المحتل انتهت إلى أحد أمرين لا ثالث لهما؛ إمّا شراكة مباشرة في الفساد والجريمة الواقعة في العراق وأهله كما هي جلّ الأحزاب ، وإمّا هي أحزاب وشخصيات سلبية نفعية شريكة في تمرير مخططات الخصوم لاسيما جرم المشاركة في تقعيد مخل لواقع ومستقبل العراق وأهله (الاجحاف في تحديد نسبة السنة في العراق وما بني عليه من محاصصة ظالمة على مستوى مؤسسات الدولة) .أما في معادلة المشروع الايراني فقد حقق الشيخ حارث الضاري وهيئة علماء المسلمين في العراق ما يشبه المعجزة من حيث صعوبته واستحالته! فايران دولة جارة لها تاريخ مشترك ومتداخل مع العراق وتتمتع بقوة عسكرية ومالية ونفوذ سياسي ومذهبي في العراق متداخل الى حدّ يصعب تفكيكه، وهي في تنسيق مع أمريكا كأكبر قوة عالمية اليوم تدير شأن العراق وعموم المنطقة، ومع كل تلك الصورة الشائكة والمعقدة وفي ظل استهداف ممنهج سقط فيه الغالبية من أهل السنة كما الشيعة إلا أن الشيخ حارث الضاري والهيئة استطاعا أن يحددا موقفًا واضحًا من التدخل الإيراني في العراق دونما غرق في القضية الطائفية أو الانزلاق في الاقتتال رغم الجراح والآلام، ودونما تمييع لرؤى الحق والمفاهيم الإسلامية ونقاء التصور العقدي ومفرداته، بل استطاع الشيخ حارث أن يحتضن العراقيين كافة في خطاب سليم يديم العلاقة والعقد الاجتماعي فيما بينهم، رغم الاختلاف المذهبي والنيران الطائفية المشتعلة بفعل إيران وأذنابها في العراق، ورغم هذا الاستيعاب للشيعة العراقيين إلا أن الموقف تجاه مشروع ملالي ايران بقي أبلجًا وواضحًا لا مداراة فيه ولا مداهنة الأمر الذي لم ينج منه أحد في العراق لا سني ولا شيعي بفعل التغول الإيراني في المنطقة ضمن الرؤية الأمريكية لها كراعية للتشيع والشيعة.والسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف استطاع الشيخ حارث الضاري رحمه الله شق هذا الطريق المعاكس في المعادلات الثلاث (الاحتلال، العملية السياسية، مشروع إيران) رغم أن كل الوقائع والظروف الموضوعية القائمة والأطراف المحيطة وحتى اللصيقة من نفس المنبت والمشرب والتي تدعو للسير في الاتجاه القائم والرائج؟الحقيقة إن هناك معادلات ثلاث أسهمت في إنجاح هذا المسار رغم كل أشواك الطريق، والمعادلات الثلاث هي: (حيثية المكون الاسلامي، التعامل مع الدول، التعامل مع المال السياسي).والمقصود هنا بحيثية المكون الاسلامي شقان، هما: الفهم السليم أولاً حيث وضوح الرؤى وفهم جوهر الدين ورسالة الأنبياء والدور المنوط بالمسلم وواجب الاستخلاف كما أراد الله سبحانه، وثانيًا: التعامل والتفاعل مع قضايا الأمة الاسلامية وعدم الانكفاء على الانتماء القطري والتنكر لقضايا المسلمين، بل ان الشيخ حارث والهيئة –كما هو عموم تاريخ العراق والعراقيين- تفاعلا بشكل متقدم مع القضية الفلسطينية وقضية الأقصى وقضايا المسلمين وما أكثرها انطلاقًا من مفهوم الأمة والانتماء لها .ولا شك بأن مدّ جسور العلاقة بين الحركات والجماعات الفاعلة من جهة وبين الأمة وشعوبها وجماعاتها من جهة أخرى يشكل رصيدًا وانعكاسًا إيجابيًا في تقويم وبناء الأعمال في المساحة القطرية المحلية لحركات التغيير، وكما قيل فإن الذئب لا يأكل إلا من الغنم القاصية.وفي سياق التعامل مع الدول فإن الشيخ الضاري الذي هاجر من العراق مع زمرة من صحبه نتيجة لرؤيته في التغيير والبناء والمواجهة مع المحتل اضطر كما واقع حال الجميع للتعامل مع الدول كشخصية عامة لها إطار وأتباع على الأرض العراقية وخارجها، ولها مواقف سياسية تسعى الدول للإحاطة بها والسيطرة عليها وإدارتها ضمن مصالحها، ولكن هذا كلّه لم يحل دون امتلاك الإرادة السياسية الحرة عند الشيخ والهيئة التي بقيت تعبر عن رؤيتها الأصيلة في المسألة العراقية دونما استخذاء أمام الدول، وقد عزز هذا الموقف أن تعامل الشيخ الضاري والهيئة مع مسألة المال كان سويًا وعزيزًا حيث كان عنوانه رفض دعم الدول المسيس كما هي حال معظم الحركات والأحزاب السياسية التي فقدت إرادتها السياسية الحرة نتيجة للدعم المالي المسيس من قبل دول الاستخدام.وبكلمة واحدة؛ فإن الشيخ حارث الضاري استطاع أن ينقذ المسار الإسلامي في تاريخ العراق المعاصر ويحافظ على نقائه من التلوث في العلاقة مع المحتل وعمليته السياسية ومن الوقوع في شرك الحرب الطائفية بحيث بقيت السكة واضحة نتيجة لهذا الموقف الذي خطّه الشيخ والهيئة، الأمر الذي شق الطريق نحو بناء سليم للعراقيين سيكبر يومًا بعد يوم لاسيما وخيبات الفريق الآخر تتعاظم دونما مراجعة.الشيخ رائد صلاح في المعادلات الست (الاحتلال، المشاركة في الكنيست، الشّرَك الايراني، المكون الاسلامي، الدول، المال)لا شك بأن الفطرة السليمة تستدعي مواجهة المحتل وهو ما كان واقعًا طوال فترة الاحتلال الصهيوني للأرض المباركة فلسطين وحتى من قبل ذلك مع بريطانيا حيث استشهد الشيخ عزالدين القسام وهو يقارع الإنجليز عام 1935 في قضاء جنين في الضفة الغربية بفلسطين، كما استشهد عبدالقادر الحسيني وهو يقارع الاحتلال في القسطل عام 1948، وهكذا هو تاريخ فلسطين خلال نصف قرن من مقارعة الاحتلال ارتقى فيه آلاف الشهداء حتى إبرام اتفاق أوسلو عام 1993 حيث استبدل رسميًا القتال والمواجهة مع العدوّ إلى أشكال من السلم والتعايش الذي وصل حسب الاتفاق إلى التنسيق الأمني الكامل وبات هو الطابع الرسمي للمسار الفلسطيني بمباركة التيار الوطني!مسار لم يكن مقبولاً لدى عموم الشارع الفلسطيني وخصوص الحركات الإسلامية التي استمرت في المواجهة، فكان موقف الشيخ رائد صلاح تجاه مسألة الاحتلال مع خيار المواجهة داعمًا له مؤيدًا لمساره كحل وحيد لاقتلاع الاحتلال عن أرض فلسطين التاريخية.أما في المسار السياسي فإن الحركة الإسلامية التي تأسست في أراضي الـ 48 بقيادة عبدالله نمر درويش عام 1971 كان لها رأي آخر عقب اتفاقية أوسلو وتجسد مسار سياسي (فلسطيني –إسرائيلي) نقض مسيرة نصف قرن من المواجهة والتصادم مع العدوّ، حيث بدأ الشرخ في جسم الحركة وأصرّ الشيخ رائد صلاح على موقفه الواضح في رفض المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال أو الدخول في الكنيست واعتبار ذلك تطبيعًا محرمًا مع المحتلّ، فيما ذهب الشيخ عبدالله نمر درويش إلى المشاركة كحركة إسلامية في الكنيست فكان موقف الشيخ رائد صلاح الخروج والمفارقة وتشكلت حينها الحركة الإسلامية الشمالية بقيادة الشيخ رائد صلاح وتبعه فيها خلق كثير بل الغالبية، كما أخذت الحركة الإسلامية التي يرأسها الشيخ عبدالله نمر درويش اسم الجنوبية وهي التي لا تزال تشارك في الكنيست وتصيب الشعب الفلسطيني بخيبات متتالية.لقد فضل الشيخ رائد صلاح الخروج من الحركة حتى لو تصدعت إلى فريقين على أن يبقى فيها وهي في مسار مخلّ إذ رأى وثلّة من القيادات حوله حرمة المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال، بل إنه والحركة الشمالية دفع بسبب هذا الموقف والمسار العميق الذي خطّه في فلسطين ثمنًا باهظًا أدى إلى تجريم الحركة وحلّها بشكل تعسفي من قبل (الحكومة الإسرائيلية) المحتلة عام 2015 فيما بدأت سلسلة من الاعتقالات في الحركة لاسيما للشيخ نفسه والذي لا يزال معتقلاً صابرًا ثابتًا لم يبدل ولم يحد، فرّج الله أسره وكتب على يديه الخير.وأما في المعادلة الإيرانية فقد كان اللبس يعمّ فلسطين تجاهها لاسيما بسبب شعارات الخميني عندما أعلن ثورة إسلامية وشكل الجمهورية الإسلامية وتفاعلت معه عديد القيادات والحركات الاسلامية التغييرية في العالم العربي والاسلامي عمومًا كالترابي والغنوشي وغيرهم كثير، كما شكلت بعض الخيارات الاسلامية في الساحة الفلسطينية غبشًا حقيقيًا في الفهم والرؤية والموقف تجاه المسألة الإيرانية وذلك من خلال أفراد وكتاب مثل المفكر منير شفيق أو حركات جهادية مثل حركتي الجهاد الاسلامي وحركة المقاومة الاسلامية حماس اللتين ارتبطتا بإيران بشكل استراتيجي.كان هذا المناخ السائد في عموم فلسطين في الداخل الفلسطيني 48 أو في الضفة أو في غزة كما انعكس هذا على كل الخارج والشتات، ولكن كان للشيخ رائد صلاح رأي وموقف مختلف اصطبغت به الحركة الإسلامية الشمالية بكل رجالاتها حيث تبلورت بينهم رؤية متقدمة تجاه المشروع الإيراني وتحديدًا عقب سقوط بغداد على يد الأمريكان برعاية إيرانية، وما أعقب ذلك من قتل وحرق وتهجير وتشريد أصاب المسلمين وديارهم ومدنهم في العراق خلال سنوات قليلة جاوزت كل عذابات فلسطين وأهلها خلال قرن تقريبًا.ارتفع صوت الشيخ رائد صلاح في كل أرجاء فلسطين دون مواربة صادعًا بالموقف الحق تجاه المشروع الإيراني المجرم في حق الدين والأمة، كما أعلن -دونما حرج ممن يتعاملون مع إيران في فلسطين- بأنه لن يحرر الأقصى من يلعن فاتحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وبذلك أسقط الترويج للدور الإيراني الموهوم في مسألتي فلسطين والقدس، وقد كانت لي معه نقاشات عميقة حول هذه المسألة تبين مدى وعيه للمشروع الإيراني حيث فصّل في الحديث عن التنسيق (الإيراني الإسرائيلي) المشترك في خلط الأوراق والعبث بالمنطقة ودولها وشعوبها.لقد خطّ الشيخ رائد صلاح موقفًا واضحًا مميزًا في فلسطين تجاه المشروع الإيراني الذي اعتبره مشروعًا عدائيًا يستهدف الأمة ودولها كما هو المشروع الصهيوني وتبنّت هذا الموقف رسميًا الحركة الإسلامية الشمالية بكل قياداتها –وعلى رأسهم الشيخ كمال الخطيب- الأمر الذي منع التيه في الأرض المباركة وحفظ الصورة النقية.والسؤال الذي يعيد طرح نفسه هو كيف استطاع الشيخ رائد صلاح تبني الموقف السديد في المعادلات الثلاث (الاحتلال- المشاركة في الكنيست- المشروع الإيراني) مع أن واقع الحال بكل تفاصيله الموضوعية وجزء مهم من صورته الذاتية تدفع باتجاه الموقف السائد والرائج حيث لم يعد خيار المواجهة مقبولاً رسميًا بعد اتفاقية أوسلو لا في فلسطين ولا في المحيط العربي الرسمي، كما إن قبول الحركات الفلسطينية عمومًا لاتفاق أوسلو في المقال أو قبول البعض لها في واقع الحال أفضى لموقف جديد في مسار الحركة الاسلامية الجنوبية وقرارها بالمشاركة في الكنيست والعملية السياسية في ظل الاحتلال، كما أن تموقع إيران في المعادلة الفلسطينية وأسطورة الصراع مع الصهيونية من خلال تبني بعض الحركات الإسلامية الفلسطينية لخيار العلاقة بإيران والحرس الثوري وفيلق القدس وحزب الله اللبناني قد جعل الموقف النقيض أشبه بالمستحيل، ورغم ذلك وفق الشيخ رائد صلاح إلى اتخاذ موقف حقيقي واسع في المسار الفلسطيني عمومًا والإسلامي خصوصًا، وشكل بصمة فارقة في الموقف من المحتل وخيار المواجهة ورفض العملية السياسية أو الدخول في الكنيست، كما اعتبر أن مشروع إيران مشروعًا عدائيًا للأمة مستهزئًا بكونها مقاومة أو خيار مواجهة للمشروع الصهيوني الغربي دونما حرج أو تصادم مع الأطراف والحركات الإسلامية التي ترتبط بإيران .نعود فنقول إن هذا الهدى في موقف الشيخ رائد صلاح تجاه المعادلات الثلاث جاء –بعد فضل الله- كنتيجة لمعادلات ثلاث هي توفر حيثية سليمة للمكون الاسلامي من حيث وضوح الرؤية وسوية الفهم ومن حيث مدّ الجسور مع الأمة الاسلامية وعدم التنكر لقضاياها بل التفاعل معها وعدم الانحسار في الشأن الخاص في فلسطين والقدس، وعدم الارتباط بالأنظمة العربية وغيرها مهما ادّعت رعايتها للقضية الفلسطينية وخصوصًا القدس، إضافة لحرص الشيخ والحركة على الاعتماد على الدعم المالي الخاص والداخلي بعيدًا عن المال السياسي واستحقاقاته التي تسلب الإرادة الحرة أو تضعفها. صور من الثبات في زمن الفتنة والبلاءلقد شكّلت تجربة الشيخ رائد صلاح فرج الله أسره بصمة عميقة في الأرض المباركة أسّ الصراع في المنطقة حيث أبقت البوصلة في الاتجاه الصحيح رغم كل محاولات حرف مسارها الخطيرة من قبل المشروع الصهيوني وذيوله، كما شكلت تجربة الشيخ حارث الضاري رحمه الله بصمة كبيرة في بلد كبير هو العراق يموج بالتحديات مجتمعة، حيث منعت مواقفه وثباته طمس البوصلة في شأن التغيير المنشود والتعامل مع واقع الحال بكل تعقيداته.والملفت هنا هو حجم التطابق إلى حد كبير في مسيرة الشيخين حارث الضاري رحمه الله ورائد صلاح فرج الله أسره في مواقفهما الرئيسية والثبات على الحق في نقاط التحدي المتشابهة التي اصطبغت بهما الساحتان العراقية والفلسطينية، كما حفظت مواقف الشيخين وأفهامهما الحق والحقائق بشكل أبلج لاسيما في المسائل التي تحتمل اللبس والتلبيس فيما زاغ فيه كثيرون، وأخيرًا رحل الشيخ الضاري وأفضت روحه الى خالقه، رحمه الله بعد أن رسم سكة واضحة المعالم وطريقًا للخلاص من آثام الواقع الحالي والوصول الى البناء المنشود، كما دخل الشيخ رائد صلاح السجن مرة تلو مرة ولا يزال قابعًا في سجون الصهاينة دونما تنازل تاركًا لأتباعه رؤية وسكة قويمة في التعامل مع واقع مؤلم قدره الله في الأرض المباركة فلسطين .الخاتمة:لا شك بأن أمتنا ودولنا وشعوبنا تعيش في حقبة فريدة من الظلم والقهر الذي جاوز الماضي بفظاعاته، ولكن الحق منتصر والباطل مهزوم منذ لحظة نشأته مهما انتفش، ومما يبني الأمل هو أن حيوية الأمة في المواجهة مع المحتل وسويتها في رفض المشاركة السياسية في ظل الاحتلال وتقديمها للتضحيات الجسام دونما شكوى أمور تشير إلى قرب النصر بسبب توفر خامته الرئيسية، وهنا يكمن خطر المشاريع التي تدعو إلى تغيير مسار الأمة وحرفه عن البوصلة، فالغرب يدرك تمامًا أن قطار التغيير في واقع الأمة إن خرج عن السكة فإنه لن يصل لغايته مهما حمل من وقود وركاب ومؤن، الأمر الذي يجعل دور العلماء والقيادات من حيث فهمها وموقفها وبصماتها؛ واجب الوقت.صحيح أن العراق لم يتحرر بعد على أيدي الشيخ حارث الضاري وأتباعه، كما لم تتحرر فلسطين والأقصى على أيدي الشيخ رائد صلاح وأتباعه، ولكنّهما نجحا بفضل الله في رسم الطريق نحو بوصلة الصواب في التعامل مع واقع الاحتلال وفي استهداف استكمال البناء المنشود حتى يبلغ غايته بإذن الله.وإن أي خلخلة في المعادلات القائمة حاليًا –وهذا وارد دومًا في واقع التدافع وسننه- ستقدم قفزات نوعية لأمتنا وقضايانا في الاتجاه الصواب بإذن الله بفضل هذه البصمات الطيبة التي خطّها علماء ودعاة ومجاهدون ساروا على طريق الأنبياء والمرسلين والمصلحين، وكم من نبي قتل ولم يؤمن به أحد ولكنه عند الله من الفائزين ولذلك أتى ذكره في الكتاب الكريم.إن المسار الذي خطه الشيخ حارث الضاري في العراق هو بوصلة فلسطين السديدة والرشيدة، وليس لأحد فيها أن يتعذر بعذر وجد في العراق أضعافه ولكن الشيخ وأتباعه لم يهونوا ولم يذلوا وبقوا بالحق مستمسكين، كما إن المسار الذي خطّه الشيخ رائد صلاح بمواقفه الواضحة كوضوح الشمس تشكل بوصلة للعراقيين في مواجهة الاحتلال ورفض المشاركة السياسية في ظله، وهي حجة على المتخاذلين المتعذرين بعذابات الاحتلال وضرورات المرحلة فهذه فلسطين وأهلها الصامدون منذ قرن خير الشاهدين.نسأل الله أن يفرج عن أمتنا كروبها، وأن يكتب لها النصر والتمكين، وندعو الله للشيخ حارث الضاري بالرحمة والرضوان وصحبة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، وندعو الله للشيخ رائد صلاح بالفرج والحرية وأن ينفع بهما الأمة وقضاياها العادلة.

Similar Posts