ثورة تشرين …. الآفاق والمعطيات
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الامة للدراسات والتطوير
نستذكر هذه الأيام الذكرى الثانية لانطلاق ثورة الشعب المجيدة ثورة الأحرار والرجال الشجعان ثورة الشباب المنتفض المطالب بالحرية والاستقلال ثورة الحق ضد صور الفساد السياسي والاقتصادي ثورة القيم والمبادئ والأخلاق الداعية الى احترام حرية الإنسان والفكر الجماهيري وتطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية ورفض حالات القمع والملاحقة الأمنية والتغيب القسري والاغتيال السياسي، هي ثورة أعطت مدياتها وأعلنت عن صوتها الحر وإرادتها الصلبة وثبات موقف شبابها ودفاعهم عن حقوق وأمال وأهداف أبناء الشعب العراقي المجاهد.نستقبل هذه الذكرى ونحن نعيش أوضاعا مأساوية في جميع مجالات الحياة حيث الازمات الاقتصادية والاجتماعية والعجز المالي في خزينة الحكومة وانعدام الأفاق الرحبة في كيفية مواجهة أزمة وجائحة كورونا التي تسببت في وفاة وإصابة الآلاف من أبناء شعبنا في ظروف صحية لم ترتقي الى حقيقة الواقع الميداني الذي انتشر فيه الوباء وايجاد الحلول المناسبة لمعالجة وقف انتشاره وانعدام الملامح الرئيسية لإيجاد حلول ناجعة للظروف والأزمات التي تمر بها البلاد ومواجهة الواقع المؤلم بإيجاد فرص حقيقية لمعالجة الأوضاع السياسية والمشاريع الإقليمية والدولية التي تسعى الى فرض إرادتها على الميدان دون مراعاة لحقوق الشعب العراقي والنظر الى مصالحه بسبب ضياع وغياب القرار السياسي الوطني المستقل.أفصحت ثورة الشعب المجيدة عن العديد من المعطيات ورسمت الكثير من الآفاق وحددت المفاهيم الواقعية اتفاق مستقبلية لأبناء شعبنا العراقي المجاهد وتميزت بانطلاقها في ميادين وساحات وأزقة ومحلات مدينة بغداد والمدن العراقية الأخرى مؤكدة أنها جاءت من رحم الشعب العراقي ومعبرة عن حقيقة الغضب العراقي من العملية السياسية والمواقف اليومية لحكومة بغداد وعدم قدرتها على التعامل مع الأزمات التي يعيشها ويكابدها المجتمع العراقي في كافة الميادين ومنها موضوعة الفساد السياسي والاقتصادي الذي أصبح السمة الأساسية التي تتصف بها حكومات ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان 2003 ، أي أنها تشكل امتدادا واضحا لمشروع كبير يستهدف أمن وسلامة ومستقبل العراق بالعمل على استنزاف ثرواته وضياع مستقبل شعبه وسرقة أمواله وجعل العراق ضعيفا بين الأمم والشعوب .ورسمت هذه التظاهرات بشموليتها العفوية التي حاكت الضمير العراقي والوجدان الإنساني الذي التحم في وقت واحد وبصوت هادر انطلق من جميع المدن والمحافظات الجنوبية والوسطى ليعانق صدى صيحات الحق التي انطلقت من حناجر الشباب الثائر في بغداد وميادينها، وفضحت هذه الاحتجاجات الأساليب المتبعة من قبل الأجهزة الأمنية في مواجهتها للجموع الغاضبة عندما أمعنت في توجيه أدواتها وأساليبها في التعنيف والإرهاب واستخدام جميع الوسائل القمعية في محاولة لوأد هذه التظاهرات وإيقاف الحشود الجماهيرية ومنعها من التواصل في انتفاضتها.منحت هذه الانتفاضة الشعبية العارمة صورا رائعة وحضورا راقيا لجميع شرائح المجتمع العراقي فتميزت بالحضور الميداني للمرأة العراقية الماجدة ومشاركتها لأخيها الرجل في مواجهة قوى الطغيان والفساد السياسي والاقتصادي وساهمت العائلة العراقية في مساندة المنتفضين من أبنائهم وتقديم المساعدة لهم في إعداد وجبات الطعام والشراب التي وزعت عليهم في جميع الساحات والميادين التي تواجد فيها الشعب المنتفض تعبيرا عن حالة التضامن والانتماء الحقيقي للعراق ولوحدته وترابه المقدس وإرثه الحضاري التليد.وجاء دور النقابات المهنية والشعبية لتؤكد حضورها الميداني ومشاركتها الفعالة في تدعيم روح الانتفاضة ورفع الشعارات التي تساند وتساهم في زيادة روح العزيمة والثبات لدى الشباب الذي أعلن تمسكه بأهدافه وتطلعاته التي أصبحت حالة إيجابية تساهم في تعزيز جميع المتطلبات لحياة حرة كريمة لشعبنا وأهلنا وتعكس صورة الحضور الميداني لأبناء الشعب وقواه الجماهيرية ،وإن النقابات المهنية بجميع صنوفها جاءت الى ساحات الاحتجاجات الشعبية في المدن والمحافظات العراقية المنتفضة مشاركة في تعزيز الجانب الوطني وأفصحت عن دورها الريادي في تدعيم واستمرار زخم الانتفاضة بتوحيد الرأي والفكر لدى العامل والموظف والطبيب والمهندس والمعلم والفلاح كلهم وحدوا كلمتهم وعززوا صفوفهم لتكون أيقونة الدفاع عن حقوق ومبادئ وأهداف الشعب العراقي.ثم الدور الكبير والانتماء الحقيقي للعشائر العربية الأصيلة التي أكدت حضورها الميداني وانتماءها الحقيقي لتربة الوطن والالتصاق والتلاحم مع أبنائهم المنتفضين كانت من أروع الركائز التي رسمت صور ومواقف زاهية للشعب العراقي الأصيل أدت الى توحيد مواقفها وثبات دورها في جميع المحافظات الوسطى والجنوبية من عراقنا الحبيب أدت الى شد أزرهم وحمايتهم من أدوات التعسف والمواجهة القمعية المنظمة من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية والمليشيات المسلحة التي ساهمت في إيقاع المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى والمئات من المعتقلين من أبناء الوطن العزيز.وكان من أولويات ثورة تشرين المجيدة أنها سعت الى الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية وتعميق أواصر المحبة بين جميع شرائح المجتمع العراقي بكل طوائفه وقومياته ومذاهبه وسعت إلى تحقيق الاستقلال السياسي بعيدا عن التبعيات الإقليمية المتمثلة بالهيمنة والنفوذ الإيراني على القرار السياسي في بغداد وعلى التأثير في جميع مجريات الحياة بالعراق الأمنية والسياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية التي كانت من أهداف المشروع الإيراني تعميق حالة الخلاف بين أبناء الوطن الواحد والتأثير على النسيج الاجتماعي المتماسك الذي عرف به العراقيون طيلة حياتهم وكذلك الانعتاق من الاحتلال والوجود الأمريكي والدعوة الى جعل العراق بعيدا عن ساحات الصراع الدولي الذي يتمثل في صور المواجهة بين واشنطن وبغداد والتي أخذت أبعادا كثيرة وبأطر واسعة بعد حادث مقتل قاسم سليماني والفعاليات العسكرية والعمليات التعرضية على أهداف ومواقع أمريكية ومصالح تخص عمل ووجود القوات الأمريكية داخل العراق. حققت ثورة الشعب الكبرى زيادة في الوعي والإدراك والتعامل مع المشهد السياسي العراقي وفهم الصراعات السياسية والمناكفات بين الشخصيات الحزبية وأصبحت تدرك حقيقة الأهداف التي تسعى اليها هذه التشكيلات الحزبية وعملت على إفشال جميع المخططات التي سعت اليها في محاولة منها لإيقاف المد الجماهيري لقوى الشعب فتم رفض جميع قيادات الأحزاب والكتل السياسية ومواجهة جميع الأعمال التخريبية والإرهابية التي حدثت في ساحة التحرير والساحات والأماكن العامة التي شهدت التواجد الجماهيري الشعبي في المحافظات الوسطى والجنوبية رغم الآلاف من التضحيات التي بلغت (800) شهيد و(28) ألف جريح وحرق للخيم والأماكن التي يتموضع فيها الثوار، ولكن الجماهير المنتفضة تمكنت وبإرادة شعبية كبيرة وبإصرار على الثبات والمواصلة والتأييد الشعبي والعشائري من تصعيد الفعاليات والأنشطة الشعبية الجماهيرية لتكون منارة ومشعلا لكل أحرار العالم .تبقى السمة الأساسية التي يتصف بها الشعب العراقي المجاهد هي ثباته وتمسكه بمبادئه وأهدافه وتطلعاته نحو الحرية والاستقلال بعيدا عن الخنوع والسكون للظلم والعبودية ورفض جميع أشكال ومشاريع الاحتلال التصفوية والفئوية الضيقة التي تحاول أدوات ووكلاء العملية السياسية من تنفيذها وتطويق البلاد بها وتقيد حرية الشعب وإبعاده عن مواجهته لهذه الأفكار والمشاريع التي تبغي تعزيز قدرة المحتل الأمريكي وتنفيذ إرادة النظام الإيراني في الهيمنة واستمرار نفوذه لتحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف والجهات الدولية والإقليمية التي لا زالت ترى في العراق ملاذها الدائم والأرض التي تستطيع أن تحقق وتنجز الكثير من أهدافها الإستراتيجية بما يحقق لها رؤية مستقبلية في التعامل مع جميع القضايا التي تهم منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.