أبعاد وأهداف المشروع الإيراني في العراق

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الامة للدراسات والتطوير

يتحقق مفهوم دولة المواطنة ويتعزز دورها الريادي في سعيها الدائم لإيجاد قواعد منضبطة لكيفية ادارة شؤون الدولة واحترام سيادتها والحفاظ على استقلالية قرارها ومنع التدخل في شؤونها الداخلية ومنح الرؤية السياسية الواقعية التي تحاكي المشاكل والأزمات التي تمر بها بما يحافظ على أمنها الوطني والقومي وتعزيز البنية القيادية في اختيار الأساليب والأدوات الايجابية في رسم ملامح السياسة الخارجية والتعامل الدولي والإقليمي مع دول العالم بما يحقق المصالح والمنافع المشتركة لأبناء الوطن وبناء علاقات وطيدة قائمة على التفاهم وتبادل المصالح وعقد الاتفاقيات الثنائية وبناء ركائز متينة في تحديد أسس التبادل التجاري الاقتصادي ورفع مستوى العلاقات بما يخدم التوجهات السياسية التي تسعى الى الحفاظ على مبادئ الاستقلال الوطني وتعزيز الجبهة الداخلية للبلاد ومنع أي عوامل خارجية تساهم في العبث بأمن وسلامة الوطن وأن لا تجعل أراضيه عرضة للتدخلات والتعرضات الدولية والإقليمية وأن لا يكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين الدول على حساب مستقبل أبناء الشعب ولتحقيق غايات ومصالح ومنافع خاصة بجهات وتيارات وأحزاب سياسية ترتبط بعلاقات مشبوهة مع دول وأقطار وبلدان لها توجهاتها الخاصة وسياستها الخارجية وتعمل على تنفيذ المشاريع السياسية التي تخدم الدول التي ترتبط بها وتسعى إلى تنفيذ توجهاتها وانفاذ تعليماتها بما يحقق الأهداف والغايات التي تسعى اليها الأحزاب والكتل السياسية وأدواتها من المليشيات المسلحة التي تكون احدى الوسائل المستخدمة في رسم معالم البلاد مستغلة غياب أصول ومبادئ الاستقلال السياسي والاقتصادي وتجعل البلاد رهينة للاتفاقيات الدولية والإقليمية والمصالح الميدانية بعيدا عن أهداف وطموحات أبناء الوطن وهي أحدى مظاهر التبعية السياسية والانحدار الاخلاقي بما يتنافى وأصول التعامل بين دول العالم .كانت إحدى نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان 2003 فقدان الإرادة السياسية للبلاد وغياب الاستقلال الوطني وهيمنة القوات الأمريكية على مقدرات البلاد والسيطرة على ثرواته والتحكم بمستقبل أبنائه وجعل أبواب العراق مفتوحة ومشرعة لجميع الجهات وهذا ما ساعد النظام الإيراني لانتهاز الفرصة المناسبة والتي سعى اليها عبر سنوات طويلة لتحقيق غايته في تنفيذ مشروعه السياسي والتوسعي بالسيطرة والهيمنة على أرض العراق وبدأت أدواته ووكلاؤه بالعمل على توسيع رقعة تواجدها وتغلغله داخل المجتمع العراقي والتأثير على طبيعة التماسك الاجتماعي بزرع الطائفية بين أبنائه ودعم وإسناد الأحزاب السياسية التي ترتبط بعلاقات وطيدة مع هذا النظام وشاركت في العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي ورأى النظام الإيراني ضالته المنشودة فسعى إلى تعزيز عمليات الخرق الأمني والتواجد في جميع مؤسسات الدولة والتأثير على القرار السياسي والتحكم في ادارة شؤون البلاد ووصل الحد به إلى المساهمة في اختيار تشكيلة الحكومات التي تعاقبت بعد الاحتلال على حكم العراق وهذه كانت البداية لضياع وغياب مفهوم الاستقلال الوطني العراقي والعبث بمقدرات البلاد وفق المنهج الايراني المرسوم من قبل الأجهزة الأمنية والاستخبارية التابعة لقيادة فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني والعمل على تحديد الطرق والاتجاهات في رسم خارطة ميدانية للعراق يتم خلالها تنفيذ التوجهات والأهداف الايرانية بما يعزز حالة النفوذ التي اتخذت من العراق مجالا رحبا لبناء قواعد الدولة العميقة التي ساندتها الأحزاب الموالية للنظام الايراني ولتكون منطلقا وطريقا رئيسيا نحو عواصم وأقطار الوطن العربي وتعزيز الأهداف الاستراتيجية لإيران.اتخذ المشروع الإيراني عدة أهداف وأساليب اتسمت بالعديد من الإجراءات الميدانية على الأرض بتسخير جهده الاستخباري بدعم وإسناد الاجهزة الأمنية الإيرانية بجميع صنوفها على الاهتمام بالعراق والسعي لإحكام السيطرة عليه والتلاعب بمقدراته والتأثير على قراره السياسي والأمني والعمل باتجاه تكوين حكومات موالية للنظام الحاكم في طهران تكون الأداة التي يحتكم اليها في جميع مصالحه وأهدافه في العراق ، ومن هنا بدأت الأدوات والمليشيات التي شكلها وحرص على دعمها النظام الإيراني أن يكون لها دور فاعل وبارز في الحياة السياسية والعملية الانتخابية التي رافقت الغزو الأمريكي -البريطاني للعراق.نجح المشروع الإيراني في احتواء العراق والهيمنة عليه وتطويقه في جميع المجالات وخلق هذا الاحتواء العديد من المشاكل والأزمات داخل المجتمع العراقي في تواصله الإنساني ورسخ مفهوم المحاصصات الطائفية السياسية التي كان لها الدور الفعال في هيمنة الأحزاب والكتل السياسية المدعومة من قبل إيران على الحياة السياسة في العراق والعمل وفق ما تمليه مصالح وأهداف المؤسسة الأمنية والسياسية في طهران.جاءت زيارة رئيس استخبارات الحرس الثوري الايراني (حسين طائب) إلى بغداد بتاريخ السادس من تموز 2021 وأعقبتها زيارة وزير الاستخبارات الإيراني (محمود علوي) مع عدد من ضباط الحرس الثوري بتاريخ 14 تموز 2021 لتشكل سلسلة من الزيارات الميدانية للمسؤولين السياسيين والأمنيين الإيرانيين للعراق لتساهم في تطبيع المشروع السياسي الإيراني والإشراف على أدوات التنفيذ الميداني بما يحقق الغايات والمصالح الإيرانية داخل الأراضي العراقية واستخدامها لتصفية الحسابات مع الإدارة الأمريكية والضغط باتجاه تحيد موقف الولايات المتحدة الأمريكية في الحوارات الجارية في العاصمة النمساوية (فيينا) والمتعلقة بالبرنامج النووي الايراني.التقت الوفود الايرانية بعدد من المسؤولين في حكومة بغداد وقيادات المليشيات المسلحة وبحثت العديد من المواضيع التي تهم السياسة الإيرانية داخل العراق ومنها مباحثات الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية وملف تواجد القوات الأمريكية وسلسلة التعرضات التي تقوم بها المليشيات المسلحة على المواقع والقواعد العسكرية التابعة للجيش الأمريكي وقوات التحالف الدولي.أفضت نتائج هذه الزيارات على تحديد اتفاقية التعاون مع استخبارات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية التابعة لحكومة بغداد حول تبادل المعلومات عن حركة ونشاط عناصر المعارضة الإيرانية في العراق وتوجيه بعض قيادات المليشيات الولائية بالانضباط والابتعاد عن التصرفات الفردية في تنفيذ العمليات التعرضية التي تستهدف التواجد العسكري الأمريكي وأن تكون تحت السيطرة الميدانية ولا تخرج عنها حفاظا على موقف النظام الايراني في إداراته للحوارات مع الإدارة الأمريكية والحلفاء الأوربيين لرفع العقوبات الاقتصادية عن طهران والتأكيد على إجراء الانتخابات القادمة في موعدها المحدد في العاشر من تشرين الأول 2021 بما يحقق النتائج الإيجابية للأحزاب والتيارات السياسية المرتبطة بالنظام الإيراني ، في حين طلبت حكومة بغداد من وزير الاستخبارات الايرانية التدخل ومحاولة التهدئة الميدانية وإيقاف العمليات التعرضية من قبل المليشيات المدعومة من قبلهم حتى بداية الانتخابات القادمة.يبقى المشروع الإيراني والسياسة التي يتبعها النظام الحاكم في طهران جزءا حيويا من الواقع الميداني الذي يعيشه العراق بسبب الدور الكبير والهيمنة الكاملة التي أسست لها طهران وطبيعة الأوضاع القائمة في العراق، ويعتمد تنفيذ المشروع على عاملين مهمين هما الدعم والتمويل المالي الذي يقدمه النظام الإيراني للمليشيات المسلحة وللعديد من الأدوات والوكلاء المرتبطين بالمؤسسات الأمنية والاستخبارية الإيرانية.

Similar Posts