عشرون عامًا من غياب الصحافة الحرة في العراق
د. أيمن العاني
نحاول في هذا المقال أن نسلط الضوء على ما تعرض له العاملون في مجال الإعلام في العراق الجديد –وما يزالون- في ظل الديمقراطية والحرية المزعومتين؛ فمقابل كل صحفي ينجو من الموت، يتم إطلاق النار على 100 آخرين. وفي السنوات العشرين الماضية، قُتل في العراق ما يقارب الـ 575 صحفيًا، الذين يشكلون قرابة ثلث أعداد الصحفيين الذين قتلوا في أنحاء العالم خلال المدة نفسها، إلى جانب تعرض آلاف الصحفيون الآخرون في العراق للتهديد أو التعذيب أو الاختطاف أو الاحتجاز بشكل غير قانوني. وبالمقابل يفلت القتلة من العقاب في جميع الأحيان من تلك الجرائم!
وبدأت المفارقة القاتمة في العراق منذ الساعة التي قال جورج دبليو بوش لمواطنيه إن القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها بدأت بشن الحرب العدوانية لغزو العراق ونزع أسلحة الدمار الشامل المزعومة و “تحرير” الشعب العراقي و “الدفاع” عن العالم من خطر جسيم. ومنذ ذلك الحين انهارت الدولة في العراق وتمت سرقة جميع الوزارات والمؤسسات والمنشآت العامة من قبل فضلات المجتمع العراقي وظهرت الميليشيات التي تدعمها وتمولها وتدربها طهران وتبارك واشنطن وجودها وباتت المتحكم بالبلاد؛ وبدأت فوضى السلاح وعمليات القتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية وجرائم الاختفاء القسري والانفجارات بجميع أنحاء العراق ولاسيما العاصمة بغداد.
واستمر هذا الحال في البلاد وخاصة في المحافظات العراقية الحدودية مع إيران، فضلًا عن المناطق المحيطة بالعاصمة العراقية والمعروفة باسم مناطق (حزام بغداد)، الأمر الذي كان له تداعيات خطرة جدًا على مستوى الفرد والمجتمع، يدفع العراقيون ثمن آثارها وإفرازاتها حتى اليوم، ونشهد ومنذ 2003 غياب مهنة الصحافة الحرة وانعدام الصحافة الاستقصائية في العراق، الذي كان أحد النماذج الحقيقية لدولة القانون والمؤسسات والتعايش السلمي الأهلي، والذي أصبح بفعل الغزو والاحتلال مسرحًا لأبشع الجرائم ضد الإنسانية في العالم.
الصحفيون يعيشون في كابوس
يتأمل الصحفيون العراقيون المستقلون كيف تغيرت حياتهم بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة قبل 20 عامًا، وعواقب ذلك الغزو التي كانت مجرد بداية لما سيصبح كابوسًا طويلاً ما يزال العراقيون يعيشونه بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.
كنا قبل الغزو والاحتلال آمنين على أنفسنا وأهلنا وعائلاتنا ولا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة ما كنا عليه بما أصبحنا نعيشه في السنوات التالية للعام 2003، وأصبح الصحفيون المستقلون فيما بعد شهودًا على العنف الذي مزق بلادهم، وسط حالة من الصدمة والذهول لما حصل في بداية الغزو من سرعة اجتياح واحتلال للمدن العراقية الكبرى ولاسيما العاصمة بغداد التي انهار بها النظام بشكل مفاجئ وباتت شوارع أحيائها تعج بالعربات المدرعة الضخمة التابعة لقوات الاحتلال، وفوقها الجنود الذين يصوبون أسلحتهم تجاه المواطنين ويجعلون كل شيء يتحرك أمامهم هدفًا لنيران أسلحتهم.
وعلى الرغم من مرور أكثر من عشرين عامًا؛ فمن الصعب جدًا شرح الشعور الذي يعتري الوطنيين من العراقيين في الوقت الحالي، وكيف لا يزال الشعور به حتى يومنا هذا، حيث المآسي التي لا تنتهي وهو شيء لم نكن حتى قادرين على تخيله.
تكتيم إعلامي ممنهج
إن الاستهداف المستمر للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام المعنيين بإظهار الحقائق وفضح الانتهاكات المرتكبة في العراق، هو تكتيم إعلامي ممنهج وتغييب قسري لحقيقة ما يجري في العراق بعد 2003، وما اتخاذ جميع الحكومات المتعاقبة من طبيعة نقل أحداث ما جرى ويجري في البلاد وتناولها من وجهة نظر حكومية فقط من قبل وسائل إعلام مرتبطة بها إلا دليل دامغ على ذلك، وسط تعتيم إعلامي متواصل على حقيقة ما حدث في البلاد وما يصاحبه من سهولة كيل التهم دون إجراء تحقيقات أو قبل الإعلان عن نتائجها لكل مناهض للاحتلال الأمريكي-الإيراني للعراق أو رافض لمشاريعه وإفرازاته، وبالمقابل يجري تبرئة الجهات مشاركة بالعملية السياسية القائمة على المحاصصة، التي لديها سجل مزدحم بالجرائم الوحشية ضد الصحفيين والناشطين الإعلاميين ولاسيّما الميليشيات الولائية المهيمنة بشكل كامل على مناطق واسعة من البلاد والمرتكبة لانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان والمنفذة لحملات تطهير طائفي وعقاب جماعي في معظم محافظات العراق؛ الأمر الذي يعكس الواقع المرعب لمهنة الصحافة الحرة في العراق وغياب دور الإعلام المستقل في البلاد والمستقبل المجهول للعاملين في هذه المهنة، من جرّاء الاستهداف المستمر للصحفيين الذي يدفع المجتمع نحو الارتباك والتضليل.
ومن الجدير بالذكر أنه جميع الشهادات التي أدلى بها الصحفيون الذين حالفهم الحظ وظلوا أحياءً بعد استهدافهم، تفيد جميعها بأن ما حصل خلال الهجمات التي تعرضوا لها جرى على أعين القوات الأمنية التي لم تحرك ساكنًا تجاه ذلك.
إن شعور المرتكبين المزمن بالإفلات من العقاب خلال المدة الماضية مهد وما يزال يمهد الطريق لمسلسل متواصل الهدف منه إنهاء الصحافة الحرة في العراق من خلال بث الخوف والرعب بين الصحفيين المستقلين والباحثين عن الحقيقة في العراق. وإن عدم اتخاذ الحكومات المتعاقبة أية إجراء تجاه ما يجري يؤكد التواطؤ الرسمي في تنفيذ عمليات الاختفاء القسري والتعذيب والقتل العمد للصحفيين العراقيين الذين ليس لهم هدف سوى إظهار الحقيقة والحقيقة فقط من دون زيادة ولا نقصان وسلبهم حق الحياة الذي هو أول الحقوق الإنسانية للبشر.
وفي الختام، نجدد الدعوة بضرورة العمل الجاد والمتواصل في سبيل توفير ما يضمن الالتزام بالدفاع عن الصحافة الحرة، الذي تكفله جميع المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. ونؤكد على أن الإفلات المستمر من العقاب يؤدي إلى تشجيع مرتكبي الجرائم على أعمالهم. ويكرس فقدان ثقة المجتمع بصلاحية المنظومة القضائية في العراق.