من أعلام الإصلاح في العراق (7) حسين علي الأعظمي
بقلم : الدكتور مثنى حارث الضاري
هو: حسين بن علي بن حبشي بن إبراهيم بن خليل أفندي بن إبراهيم، العبيدي، الأعظمي، الملقب بـ (الشيخ). ولد في محلة (الحارة) في (الأعظمية) ببغداد سنة (1325ه-1907م).شرع (الأعظمي) كأقرانه بقراءة القرآن الكريم في محلته، ثم أكمل الدراسة الابتدائية، ودخل بعدها مدرسة الإمام أبي حنيفة (كلية الإمام الأعظم)، زمن مديريها: الشيخ (محمد سعيد النقشبندي) ثم الشيخ (نوري الشيرواني)، وأكمل فيها دراسته الثانوية سنة 1924م، وانتسب مباشرة في جامعة (آل البيت) المؤسسة في السنة نفسها، وانتظم في سلك الدفعة الأولى لها في (الشعبة العالية الدينية)، وتخرج فيها سنة1927م، بعد أن درس فيها على عدد لا بأس به من أعلام زمانه وأعيان علماء وقته، أمثال: الشيخ (نعمان الأعظمي) والشيخ (يوسف العطا) مفتي بغداد فيما بعد، والشيخ (عبد الجليل آل جميل) والشيخ (عبد الملك الشواف) و(الشيخ محمد سعيد الراوي) والشيخ (عبد الوهاب النائب)، والشيخ (عبد العزيز الثعالبي)، والأستاذ (فهمي المدرس) وغيرهم. وممن تخرج معه في هذه الدفعة: الشيخ (عبد الوهاب الفضلي) شيخ البصرة وعالمها فيما بعد، والدكتور (كمال إبراهيم) عَلم العربية وأديبها المعروف، الذي كانت له صحبة خاصة مع حسين الأعظمي.ولم يكتف (حسين الأعظمي) بالعلوم التي حصلها في (الإمام الأعظم) و(آل البيت)، وطمح إلى الجمع بين الثقافتين الشرعية والقانونية كما فعل كثير من شيوخه وأساتذته؛ فدخل كلية (الحقوق) أثناء عمله مدرسًا في كلية (الإمام الأعظم) سنة (1933) وتخرج فيها سنة (1936م).الأعظمي: في رحاب التربية والتعليمعُيّن (الأعظمي) في بداية عهد بالعمل الوظيفي مدرسًا للأدب العربي في كلية (الإمام الأعظم)، ثم عمل محاميًا مدة قصيرة بعد تخرجه من كلية الحقوق، ثم عاد للتدريس مدرسًا للاجتماعيات والتأريخ في (المتوسطة الغربية) ببغداد، ثم في كلية الإمام الأعظم مرة ثانية، التي أصبح اسمها (دار العلوم العربية والدينية). واستقر أخيرًا مدرسًا معيدًا في كلية الحقوق، ثم أستاذًا في قسم الشريعة في الكلية في عهد عميدها القانوني المشهور (عبد الرزاق السنهوري) -رحمه الله-ورئيسًا للقسم لاحقًا، وأخيرًا تسلم عمادة الكلية بالوكالة. وقد أمضى (الأعظمي) في كلية الحقوق قريبًا من عشرين سنة، كان له فيها تأثير كبير: تدريسيًا وإداريًا وفقيهًا قانونيًا، وعُرف “بوقوفه الى جانب طلابه وكان يرعاهم رعاية علمية واجتماعية فأحبهم وأحبوه”. وقد أهدى في هذه السنوات المعطاء المكتبتين القانونيتين العراقية والعربية كتبًا ودراسات مهمة، أضحت مراجع معتمدة في كلية الحقوق وفي غيرها من المؤسسات العلمية وقتها، وما زال بعضها كذلك. وقد عمدت إحدى إدارات كلية الحقوق بعد وفاته إلى تسمية إحدى قاعات المحاضرات فيها باسمه امتنانًا له وعرفانًا بأفضاله وتخليدًا لذكراه.الأعظمي: الباحث والمؤلف على الرغم من عمُر (الأعظمي) القصير، إلا أنه ترك مجموعة مهمة من الكتب والمؤلفات القيمة في الفقه والأصول والفلسفة والأدب والمناهج الدراسية. وهو ما دعا الحاج وليد الاعظمي -رحمه الله-إلى أن يقول عنه: ” كان كثير التأليف، غزير الإنتاج، مع الإجادة البالغة والإحاطة التامة، وتمتاز بحوثه بالرصانة والدقة”.وقد كانت مؤلفات (الأعظمي) حسين فعلًا كما قال (الأعظمي) وليد، وغيره من الكاتبين عنه؛ وكتبه شاهدة على ذلك، ما كان منها في الأحوال الشخصية، التي كانت إحدى المادتين الرئيستين اللتين درسهما في كليتي: (الإمام الأعظم) و(الحقوق)، وهي: (الأحوال الشخصية) و(أحكام الزواج) و(علم الميراث) و(الوصايا) و(الوصايا والمواريث) ؛ أو ما كان منها في أصول الفقه، نحو: (الوجيز في أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي) ، وهو أشهر كتبه وأبرزها، و(أصول الفقه) و(المصالح المرسلة في الشريعة)، وهو كتاب متقدم في هذا الموضوع ألفه بالاشتراك مع زميله الأستاذ كمال إبراهيم .فضلًا عن كتاب: (أحكام الأوقاف)، وكتاب منهجي في مادة الدين للمدارس الثانوية بثلاثة أجزاء، بالاشتراك مع الأستاذ كمال إبراهيم، وكثير من المقالات في موضوعات مختلفة، كان ينشرها في صحف العراق ومجلاته، ومنها: (الحياة الروحية في ظل التشريع الإسلامي) و(أدب النبوة) و(والابتعاد عن قبيح الكلام)، والمقال المسلسل (رسالة في الفلسفة)، الذي نشرته له جريدة (المعرض) البغدادية.الأعظمي: الفقيه والأصولي المقاصدييبدو أن التأهيل الجيد الذي حظي به (الأعظمي) وأقرانه في كلية الإمام الأعظم، ثم التحصيل عالي المستوى الذي تلقاه في جامعة (آل البيت)؛ قد أثمر لديه إدراكًا عاليًا ووعيًا عميقًا وفهمًا مناسبًا لاحتياجات عصره. ومن معالم ذلك إدراكه المبكر لأهمية بحث موضوع (حكمة التشريع ومقاصده) وتعزيز الدراسات عنه؛ اقتداءً بأستاذيه (فهمي المدرس) و(عبد العزيز الثعالبي)، وهو ما نلمس له آثارًا عدة في كتبه، وقد يصرح بها أحيانًا، كما فعل في مقدمة (الوجيز في أصول الفقه)، واصفًا أستاذه الثعالبي بأنه: أفضل الكاتبين المعاصرين في حكمة التشريع ومقاصده؛ فقد “ألقى على طلابه في جامعة (آل البيت) بحوثًا قيمة في حكمة التشريع لم يسبقه إليها أحد من المؤلفين”.ومن ملاحظات الأعظمي ذات الأثر في هذ الصدد؛ حسمه لموضوع العلاقة بين علم أصول الفقه والمقاصد، التي يدور بشأنه نقاش في بعض الدوائر العلمية الآن؛ عندما جعل (المقاصد) شعبة رئيسة من شعب علم أصول الفقه، مؤكدًا على أهميتها في المجال التطبيقي، وهذا هو اللائق بها؛ فقد قال في مقدمه كتابه (الوجيز) المتقدم زمنيًا عن الكتب المتقدمة الذكر؛ عن شعب علم أصول الفقه، قائلًا: “أهم شعبه ثلاثة علوم وهي: علم الخلاف، علم الجدل، حكمة التشريع وتاريخه”، ثم شرع بعد ذلك في بيان أهميتها وأهمية حكمة التشريع من وجوه عدة. الأعظمي: الشاعر المهضومشِعرُ الأعظمي -بحسب نقادّه-يمتاز بـ “شمول الفكر ودقة التعبير وجزالة الألفاظ وطرافة التصوير… وامتداد النفس واستيعاب أوجه التصور ولماحية الإدراك”. وهذه الأوصاف تدل على شاعرية كبيرة وإبداع يجعله “شاعرًا من أبرز شعراء العراق”؛ ولكنها -للأسف-شاعرية مهضومة لا تكاد تذكر إلا عند عارفيه، على الرغم من نشره كثيرًا من شعره في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وإلقائه القصائد في الإذاعة في المناسبات الدينية والوطنية. وكان الأعظمي (الشاعر) يُلقّب بـ (زهير)، ووسم بعض إنتاجه الشعري المبكر باسم (حسين علي زهير)، وله من الشعر المنشور: (أناشيد وأدبيات الفتاة)، وهي مجموعة أناشيد مدرسية للطالبات، أوصت وزارة المعارف وقتها بتدريسه في مدارس الطالبات الابتدائية، وقصيدة (مع ابن سينا) الطويلة في أكثر من (2000) بيت، “عارض فيها عينية ابن سينا (هبطت إليك من المحل الأرفع)”، وتعد من أفضل شعره. فضلًا عن (ديوان) مخطوط، طبع جزءٌ منه قبل سنوات.وغالب شعره كان في أغراض ثلاثة، هي: (النصح والتوجيه)، و(الروحانيات) ومنها قصيدتاه المشهورتان: (مسبحة القلوب (، و) مسبحة الأعظمي (“اللتين تناقلتها رددتهما الأندية الأدبية والأوساط الاجتماعية آنذاك إعجابا”، وقصيدته (تفكروا في نظام الكون)؛ والغرض الثالث هو: (المديح) وله في هذا الغرض قصائد كثيرة وبليغة في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ومدح (آل البيت) -رضي الله عنهم وأرضاهم-وهو ما حدا بعض المعتنين بشعره إلى تسميته بـ (شاعر آل البيت).ومن عيون شعر الأعظمي قصيدته: (في يوم الإسراء)، ويقول فيها: الكونُ رغم الباحثين مطلسمُ حارَ المعلّمُ فيه والمتعلِّمُيا أيها الإنسانُ إن تك عالمًا فاللّهُ منكَ بكلّ شيءٍ أعلمإن كنتَ تجهل سرَّ نفسِكَ فالذي هو في حياة الكونِ سرّاً أعظمإن كنتَ معتقدًا بربّكَ قادرًا فجميعُ ما آتاكَ فيه مُسلَّمإن الحياة مغيّباتٌ لا تُرى إلا مظاهرُها التي تَتجَّسموالجهلُ فيها لا يُبيح جمودَها والاعتقاد بها عليكَ مُحتَّمهل يجحد الإصباحَ أعمى لا يرى أنوارَه ويقول عنه مُظلم؟آمنتُ بالإسراء وهو حقيقةٌ عندي وليس به لديَّ تَوهُّمأسرى به وأراه من آياتهِ الْـ ـكُبرى وأعلمَه بما لا يعلمفأتى إلى القدس المباركِ حولَه من مكّةٍ والناسُ فيها نُوَّموسما به جبريلُ منه للسَّما فاستقبلتْه الرُّسْلُ حتى آدمواستبشرتْ فيه الملائكُ مثلما أدناه منه ربُّه المتكرِّموحُظِيْ بنور جلاله مُتقدّمًا والقلبُ منه بالقداسة مُفْعَمورأى عوالمَ ربّه بسمائهِ فسماؤه لو تعلمون عوالممن بعد ذلك آبَ بعد عروجهِ منه إليه والظلامُ مُخيِّمأضحى يكلِّم قومَه فيما رأى والناسُ صاغيةٌ لما يتكلّمحسين الأعظمي: الوطني المصلحلابد لشخصية مثل شخصية (الأعظمي) بحصيلتها العلمية الكبيرة وزادها الثقافي المتنوع، وبيئتها النابضة بالمشاعر الإيجابية؛ من أن تكون شخصية طامحة إلى معالي الأمور وساعية إلى أفضلها؛ وهذا ما كان عليه فعلًا وواقعًا؛ فقد التزم بالقضايا التي دعا إليها في أدبه ونافح عنها في شعره، وأملتها عليه قبل ذلك مبادئه؛ فوقف مواقف وطنية عدة حُفظت له ونُقلت عنه، ومنها موقفه من أحداث (وثبة كانون) سنة (1948م)؛ حيث رعى الاعتصام الكبير بهذا الشأن، الذي أقيم في (كلية الحقوق) وشارك فيه طلبة الكليات والمعاهد والثانويات.ولما كان الأعظمي منصرفًا في مجال التأليف إلى الجانب العلمي؛ فقد ترك الشعر والمقال الهادف يعبران عن أفكاره في إصلاح البلاد وتقدم الشعوب وتطورها وتحضرها وتنشئة أبنائها وغير ذلك من اهتماماته المعروفة. وقد وجد -رحمه الله- الشعر مطواعًا معه في التعبير عن هذه الأفكار والأماني والتطلعات، ومركبًا سهلًا؛ لبث همومه ومشاعره الوطنية، ورؤاه لتقوية نوازع الايمان والانتماء للأمة وتعزيز الشعور الوطني، فسار معه حيثما سارت مشاعره وجاشت عواطفه واتجهت أمنياته. وفي هذا السياق يأتي قول جامعي ديوانه الشعري عنه: إنه “لم يكن بعيدًا عن مشاكل المجتمع وهمومه وأدوائه، بل كان في صميمه، مصلحًا في الرعيل الأول من أعلام الإصلاح الاجتماعي والسياسي في شعره ونثره وأحاديثه. ولا نريد أن نطيل، فحسبك من ذلك روائعه: (في ندوة الحياة)، (أستاذي)، (ندوة الورد)، (العيد)، (على قبر العدل) و(النائحة)…”.وكتب -رحمه الله-من الأناشيد للنشء الجديد من الطالبات، ما يعزز به معاني الخير والعفة والفضيلة والعلم فيهن، داعيًا إلى تعليمهن وحاضًا على العناية بهن وحمايتهن من غوائل الزمن، وكتب عن فلسطين قصائد عدة، وضمن عددًا من قصائده بعض ما كان يجد في نفسه من ألم وهو يرى ما حل بها وبأهلها، ومن ذلك قصيدته: (فتاة غزة) التي يقول فيها:نظرت إليَّ ودمعها يترقرق فسمعته بفم النوائب ينطقُهيفاء خطَّ لها الأسى قبر البلى بيد المصائب وهي حي يرزقُوأذاقها كأس الردى فإذا بها نعشٌ يطوف بأدمعي أو ورقُوهتف لأرض الإسراء مدافعًا عنها وشاكيًا صنيع مغتصبيها في قصيدته: (من أرض الإسراء)، وكأنه ما زال يعيش بيننا: هذي فضائحُهم تدلّ عليهمُ في موطن الإسراءِ ليستْ تُكتَمصَبّوا على العربيِّ سوطَ عذابهم لدفاعه عن أرضه وتحكَّموازَجُّوه في سجنٍ سحيقٍ مظلمٍ والقلبُ من ظمأٍ به يتضرّمتشويه نيرانُ السياطِ وبعدها بالثلج يا لهفي عليه يُرجَّمالأعظمي: مودعًا دنياه القصيرةتوفي فقيه القانون وأصولي القضاء (حسين الأعظمي) في (16/محرم/1375ه-5/9/1955م)، وكان لوفاته رنة حزن ووقع مؤلم في بغداد و(أعظميتها)، وعلى عارفي فضله وعلمه وريادته في العراق وغيره، وشيع -رحمه الله-في موكب کبیر سار به إلى مثواه في مقبرة (الخيزران) بالأعظمية، شارك فيه كثير من جال الشرع والقانون والقضاء والأدباء وأساتذة الجامعة وطلابها وأهالي الأعظمية.