|

دخان العراق ورماد العملية السياسية

بقلم : جهاد بشير

يموج الشارع العراقي بتداعيات جريمة إحراق مشفى في الأطراف الشرقية من العاصمة بغداد؛ التي راح ضحيتها ما يزيد عن مائتي مريض، قضى نصفهم حرقًا أو اختناقًا، ويُصارع النصف الآخر ما تبقى له من أنفاس.إن سماع ومعاينة هذا النوع من المشاهد بات سجية لدى المواطن العراقي؛ يألفه ويتعايش معه حتى بات شبه مقتنع أنه جزء من حياته الاعتيادية، لاسيما وأن شهر نيسان/أبريل الجاري لوحده شهد قبل أن ينقضي ما يزيد عن خمسة وعشرين حريقًا في أنحاء مختلفة من العراق بحسب إحصاءات تقارير صحفية؛ دون أن تكلّف سلطات الحكومة نفسها اتخاذ موقف إزاءها؛ فقط لأن الإعلام الموجه استطاع تحجيمها وتعمية الأحداث المتعلقة بها.لكنّ حادث مشفى “ابن الخطيب” أخذ اهتمامًا خاصًا وسُلّطت عليه مساحات لا بأس بها من الأضواء محليًا وخارجيًا؛ لجملة من الأسباب الآنية التي تزامنت مع الجريمة؛ إذ تأتي خصوصية الأخيرة – رغم أنها ليست فريدة – من كون المشفى مأوى مفترضًا للمصابين بـ”كورونا” مما يعني وجوب عناية خاصة ودقيقة، وبدلاً من سعي وزارة الصحة التي تتبع تيّار مقتدى الصدر صاحب الميليشيات التي لا تعطي اعتبارًا لشيء اسمه دماء العراقيين؛ لتوفير كل ما يلزم من أغراض العلاج ووسائله؛ باتت ليلتها تلك وهي متجاهلة تمامًا عشرات الأرواح التي أزهقت من جرّاء فسادها، والسرقات الكبرى التي تورطت بها تحت مظلة تجهيز المشافي وشراء الأجهزة الطبية التي لم ير العراقيون منها حتى مقابس التيار الكهربائي!وعلاوة على تخلي وزارة الصحة عن مسؤوليتها؛ اكتسبت الجريمة خصوصية أخرى في أن فرق الإنقاذ التي عملت طوال ساعات الليل على انتشال الضحايا؛ مؤلفة في أغلبها من المواطنين الاعتياديين والأهالي الذين تحركوا ببداهة معتادة لتدارك الفاجعة، مما يضيف مسؤولية أخرى على وزارة الداخلية التي فشلت فرق دفاعها المدني من معالجة الحادث بعد وصولها متأخرة؛ حتى أتت النيران على المبنى بأكمله.حديث العراقيين الصريح دون خوف أو وجل، أو وضع اعتبار لتهديدات الميليشيات التي ما انفكت السلطات تستخدمها وتوظفها لكتم كل صوت يرتفع بوجه الفساد؛ أسهم بشكل كبير في أن تأخذ الجريمة أبعادًا ظنتها الحكومة في وقت ما أنها محدودة، فلما تبيّن لها أن وسائل الإعلام بكافة اتجاهاتها أخذت تتعاطى مع الحادث؛ سارعت إلى ركوب الموجة بإطلاق التصريحات الإنشائية في صياغتها الفارغة من أي مضمون عملي في تطبيقها، فلما انقضى يومان من الحادث؛ لم يكن القرار الحكومي أكثر من “تشكيل لجنة تحقيق”! ورغم أن الجريمة أخذت أبعادها غير المتصورة في ذهن الحكومة؛ إلا أن الرأي العام مع الأسف ما يزال غير جاد في النظر إلى أساس المشكلة في العراق؛ إذ تقول صحف عالمية كبرى من قبيل “الغارديان” ومنصات أخرى للرأي السياسي بالحرف الواحد: “إن حريق مشفى ابن الخطيب هو انعكاس لعقود من الفساد”، ثم تعود لتقترح على حكومة بغداد حزمة من الإجراءات لمعالجة ذلك الفساد و”محاسبة” المتورطين به في خاطب واهٍ ومستهلك لا يمكن أن نحلله إلا في سياق تأدية واجب صحفي وقتي يهدف إلى مواكبة الحدث لا غير؛ وحين يكون الأمر كذلك نجد أنفسنا أمام طريق ينتهي بجدران من الفولاذ غير القابل للنقب؛ وكأن صراخ العراقيين على مدى السنوات الثماني عشرة الماضية بأن الفساد أساس المشكلة وأن الحكومات المتعاقبة لا تمتلك جدية في معالجته، وأن كل حكومة جديدة تأتي هي أشد إيغالاً في الفساد من سابقتها؛ لم يكن يجد آذانًا تسمع أو رؤى تحلل!العراق محاصر بألسنة النار منذ عقدين من الزمان، والنظام السياسي الذي تتعاون على إدارته واشنطن وطهران – بشكل واضح ملموس أو من وراء حُجب محسوس ـ مضخة وقود هدفها الأول إبقاء النار مشتعلة وتصدير مزيد من الدخان الذي يغشى المشهد ويزيد من عتمته، دون أن يدرك المنخرطون في هذا النظام أو الذين يُريدون الانتساب إليه لاحقًا أن مآله كومة من الرماد قبيح المنظر والرائحة.وبينما يحترق العراقيون بنيران نظام العملية السياسية على مدى تلك السنوات؛ ما تزال أنظمة إقليمية ودولية تتعاطى مع مخرجاته من حكومات وعلاقات “دبلوماسية” وقرارات ذات صلة بالاقتصاد والسياسية وغير ذلك؛ فقط لأن مؤسسيه يريدون بقاءه حيًّا ليكون جسر عبور نحو مراحل لاحقة، فيُصدّرونه وكأنه نظام معتبر ومكافئ لنظرائه؛ رغم إدراكهم أنه يبعد عن أقرب حدود هذا الوصف مسيرة ألف سنة.

Similar Posts