|

مبادرات فاشلة وأمنيات واهية

بقلم : جهاد بشير

في الوقت الذي ما تزال أزمة شركاء العملية السياسية مستعرة، وما يزال الإطار والتيار يضحكان على المتأملين خيرًا من المشهد العراقي بمبادرات صورية في شكلها وكاذبة في حقيقتها، ولا تحظى الواحدة منها سوى ببضع ساعات من الحياة؛ تتهافت بعض الأفكار للترويج نحو التماهي مع واقع الحال والدعوة إلى التخلي عن المواقف المضادة تجاه المنظومة السياسية القائمة، والعمل بجوارها أو في ظلّها؛ بمزاعم التغيير من الداخل، تحت ذرائع قديمة يُراد لها أن تحيا مجددًا.

ولمّا كانت أدوات العملية السياسية – وماتزال – تبحر في لجج الفشل المركّب، بحيث أصحبت لا تقوى على أن تحقق تفاهمات فيما بينها لتشكيل نمط حكومي جديد؛ فقط لأن مستويات المصالح الحزبية أخذت تتباين وصارت المكاسب مغايرة ودون طموح أحزاب وكتل تصف نفسها بأنها ذات نفوذ وقوّة؛ فإن صف القوى الوطنية المناهضة للعملية السياسية يزداد قوّة ومصداقية في انحيازه الأصيل نحو الثوابت الشرعية والوطنية والإنسانية التي تسعى في ظلالها هذه القوى إلى إعادة العراق نحو رصانة موقعه ومرتبة هيبته، حرًّا موحدًا متحكمًا بثرواته ومنعمًا على أبنائه بخيراته بما يضمن تغيير واقع حال حاضرهم، والتأسيس لإشراق مستقبلهم.

وبينما تحاول القوى العراقية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية المحافظة على معادلتها في المشهد وعلى مكانها في ميدان الصراع، تُفاجأ بمن يخاطبها بين حين وآخر بمواقف أو رؤى تشرّق تارة وتغرّب في أخرى وهي تحاول أن تصف صورة المشهد على غير حقيقتها، فتستشرف مآلات غير واقعية ولا تتوافر فيها إمكانات التطبيق، فتدعو في ضوء ذلك قوى المناهضة إلى أن تبدي لينًا في التعامل مع العملية السياسية وأن تخفف من حدة مواقفها تجاه النظام السياسي القائم في العراق، وأن تستعد للعمل معه لتحقق تغييرًا أو إصلاحًا متوهمًا، بينما هو في الحقيقة لا يكون إلا في إطار الأمنيات، والتمني إنما هو طلب المستحيل كما قرر بذلك العقلاء.

تدرك القوى العراقية المناهضة للعملية السياسية، أن ما يُطرح من أفكار أو ما يُتخذ من مواقف تنتهي إلى الانصهار مع المنظومة، أو على أقل تقدير بتقديم تنازلات مبدئية في إطار التوهم بفسح المجال لهذه القوى لكي تعمل على إجراء تغييرات أو إصلاحات داخلية؛ إنما هي طروحات واهية ناتجة إمّا عن نفاد الصبر، وتراخي الصمود، والاستسلام أمام المصاعب، أو عن قصور في الرأي والنظر بحيث يجيز المنظر لنفسه أن يكون خاضعًا لسلطة الطاغوت مقابل أن يحظى بعيش أو وظيفة أو فسحة من العمل، وفي كلا الأمرين فإن أصحاب هذه الطروحات ينحازون – بقصد أو بحسن نية – نحو المادية الدنيوية مقابل الثوابت الشرعية والقيم الوطنية باعتبارها جزءًا من هذه الثوابت.

وعلى أساس ذلك، تشهد المرحلة المقبلة من العملية السياسية تهافتًا غير مسبوق نحوها، سواء من السياسيين الذين طردوا في مرحلة سابقة فعادوا اليوم على أجنحة الوهم، أو ممن يبحث عن مكسب في عمل موازٍ لأحزاب السلطة طمعًا في مغنم أو مال أو جاه لا يستمر معه حين يودع الدنيا، أو ممن تاهت بوصلته وبات لا يدري ماذا يصنع؛ فوجّه نيته نحو التنظير بتخطيط أسس يعلل نفسه بها لإنشاء بنيان رصين أو مشروع معتبر – أو هكذا يظن – في حين أنه لم يظفر بعد بالأرض التي يبغي التخطيط فيها!

تاريخ المواجهة بين الحق والباطل في القضية العراقية ما يزال في بداياته بغض النظر عن عامل من الزمن الذي يقترب رويدًا من عشريته الثانية؛ لأن الصراعات من هذا النوع لا تخضع لمعيار الوقت ولا لظروف المكان؛ وفي الوقت الذي تكشف الأحداث عن الكثير من المرهقين الذين ضاقوا ذرعًا بأنفسهم فأخذوا يبحثون عن حظوة هنا أو مكانة هناك؛ فإن قافلة القوى المناهضة للاحتلال ما تزال في مسيرها غير آبهة بما تتعرض له من هجمات قطاع الطريق أو محاولات التخذيل التي تتوالى بين حين وآخر؛ لأنها تدرك يقينًا أن مسارها لا يقبل اعوجاجًا، وفكرتها لا تخضع لانكسار، فهي متجهة إلى حيث مرضاة الله تعالى، وإلى صفحة من التاريخ تُكتب بنصاعة لا يشوبها كدر، مهما كانت النتائج وإلى أي مدىً تبلغه المآلات.

Similar Posts