الناصرية جرح نازف آخر

بقلم: د. أيمن العاني

أصبح العراق ما بعد الغزو الأمريكي والهيمنة الإيرانية التي أعقبته؛ مسرحًا لارتكاب أبشع الجرائم وأكثرها وحشية بحق المدنيين الآمنين ولاسيّما المطالبون بحياة كريمة ومستقبل أفضل، جرائم نكراء ترتكبها حكومات الاحتلال المتعاقبة بعد أن أشاعت الفوضى الأمنية وتفشي الفساد والإفلات المطلق من العقاب في البلاد.ومنذ 2003؛ يعيش العراق حالة مزمنة من عدم الاستقرار الممنهج على الرغم من سيطرة الجيش والأجهزة الأمنية الحكومية الأخرى على كامل أراضيه، يساند تلك القوات بمختلف مسمياتها ميليشيات موالية لطهران ومتحالفة من الحكومات المتعاقبة وأصبحت لها اليد الطولى في البلاد في ظل الهيمنة الإيرانية المتفاقمة في البلاد.وبات العراق تحت التجاذب الأمريكي-الإيراني وحالة اللادولة بالتسبب في عين العاصفة، وما يزال الشعب العراقي يدفع الثمن الباهظ لهذه الحالة من دماء أبنائه وبناته ومستقبل أجياله، وقد شهد العراقيون خلال العقدين الماضيين حلقات دامية كثيرة من حلقات مسلسل استهداف العراق وأهله ومحاولات النيل منه ومن كرامة شعبه، ولا سيّما في أحداث قمع التظاهرات الشعبية السلمية التي تجددت في الأعوام 2011 و 2013 و2019، ليس آخرها ما يحدث اليوم في بغداد ومدن جنوب العراق الذين يقدمون التضحيات الغالية والنفيسة بسبب موقفهم الرافض للاحتلال الأمريكي البغيض والهيمنة الإيرانية المزمنة ومصادرة إرادة السكان الأصليين ونهب ثروات البلاد واستباحة مقدراتها.وفي حلقة جديدة من مسلسل قمع التظاهرات المعارضة للحكومة في العراق، التي كان مسرحها هذه المرة مدينة الناصرية العزيزة الأصلاء أهلها، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن خمسة شهداء وعشرات الجرحى والمصابين بإصابات مختلفة، حيث امتلأت الشوارع بآثار دماء أبناء المدينة المتعطشين للحرية والكرامة الذين تلقوا رصاص القوات الأمنية بصدور عارية خلال هجمات تلك القوات عليهم.إن الإفلات المزمن من العقاب خلال السنوات الماضية مهّد وما يزال الطريق لهذه الحلقة وسيمهّد لحلقات جديدة مرعبة ضمن مخطط الهدف منه إنهاء التظاهرات السلمية الجارية في العراق، من خلال بث الخوف والرعب بين المتظاهرين ومن يساندهم أو يتعاطف معهم. وإن عدم اتخاذ الحكومة أي إجراء جدي وحاسم تجاه ما يجري يؤكد التواطؤ الرسمي في تنفيذ مخطط قمع التظاهر السلمي وجرائم القتل العمد للمدنيين العراقيين الذين خرجوا إلى الشوارع للمطالبة بأبسط حقوقهم الإنسانية.ولا بد لنا في ختام هذا المقال أن نؤكد على حقيقة تعززها كل يوم الأحداث الجارية، مفادها: سيظل العراق يدور في فلك الفوضى والفساد والإجرام وستظل الجراح نازفة إلى ما لا نهاية ما لم يوضع حد للنظام السياسي القائم في البلاد وينبذ الدستور الفاسد الذي يخرج منهما الساسة والحكام الفاسدون الوالِغون بدماء الأبرياء من أبناء الشعب العراقي المقهور.مسؤول قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين

Similar Posts