المنظومة السياسية في العراق …الى أين؟
قضايا وآراء | بقلم : إياد العنَّاز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
يتسم المشهد السياسي العراقي بالعديد من الصور والأحداث تعكس بوضوح مدى فعالية وإمكانية السلطات الثلاث المسؤولة عن سير الحياة العامة في البلاد وتبرز أهمية هذا الدور من خلال التفاعلات اليومية والتناقضات في المواقف والاختلافات في الرؤى والابتعاد عن إدراك حجم المسؤولية الحقيقية في إدارة دفة الحكم في بلد مثل العراق يعاني الكثير من المشاكل والأزمات ويعيش وطأة احتلال وغزو أمريكي منذ التاسع من نيسان 2003 ولا يزال متمركزا في العديد من المدن والمحافظات العراقية وتنامي وامتداد واضح للهيمنة والنفوذ الإيراني ومصالح تداعب كل من واشنطن وطهران في مساحة العمل الميداني على الأرض العراقية.تشكل هذه الوقائع وضعا استثنائيا يصعب التعامل معه من قبل أحزاب السلطة التي تفتقد إرادة العمل والتجدد والانبعاث نحو تحقيق المسار الحقيقي في تقدم ورقي المجتمع العراقي بسبب ارتباط غالبية هذه الأحزاب بقوى دولية وإقليمية يحتم على قياداتها وأعضائها الالتزام والعمل بشكل دائم نحو تحقيق الأهداف والمصالح النفعية لهذه القوى الداعمة لها، وهنا تكون عملية الارتباط مع أبناء الشعب العراقي بعيدة عن أنظار وتوجهات الأحزاب الحاكمة فليس لديها غير منافعها الخاصة وطموحاتها الفئوية واستثماراتها المالية وإهدارها للمال العام تحقيقا لرغباتهم السياسية واستمرارهم في الحكم إرضاءً للمصالح الدولية والإقليمية.عندما ندرك حقيقة ضعف المنظومة السياسية الحاكمة في بغداد وعدم وجود أدوات واضحة في تسيير أمور البلاد فإننا سنكون أمام انعطاف تاريخي خطير يتمثل في ضياع تاريخ وتراث وحضارة العراق وضمور الصورة المشرقة لغد أفضل يطمح فيه المواطن العراقي بتحقيق أمانيه وآماله في بلد يعتبر المصدر الرابع للطاقة ويمتلك الاحتياط الثاني في العالم ولكنه يعاني من عجز مالي قدر بـ (50) مليار دولار خلال عام 2020 وديون مالية أرهقت الميزانية العراقية بحدود (168) مليار دولار، هذه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية تساعد أطرافًا أخرى على العمل باتجاه تصعيد حالات الخلافات بين القوى السياسية الحاكمة وإبقاء البلد في زخم وأتون الأزمات العاصفة بالمجتمع والتأثير على عملية التقدم والطموح نحو بناء منظومة اجتماعية راقية تساندها منظومة اقتصادية مستقلة تطمح لتطوير البنى التحتية للاقتصاد العراقي وإرادة سياسية وطنية تستحكم على جميع الأوضاع القائمة في العراق.هذه المعطيات والأدوات والسياسات الإيجابية تبتعد بشكل واضح عن حقيقة ما يعيشه الفرد العراقي وما آلت إليه الأوضاع العامة في البلاد ونحن أمام منظومة سياسية لا تمتلك إرادة العمل الممنهج والسياسة الواضحة والقرار الوطني والرأي السديد نحو بناء مجتمع متطور تسوده روح التعاون والتآلف والتآزر بين أفراده لتحقيق الغاية المنشودة في مستقبل زاهر وغد أفضل لأجياله.أدت هذه الأوضاع إلى تدخلات إقليمية تمثلت في بروز الأدوات الإيرانية الطامحة لعملية تسيد الوضع العام في العراق ضمن رؤية استراتيجية للقرار السياسي الإيراني ببناء منظومة سياسية وعسكرية شبيهة بالوضع القائم في طهران والعمل باتجاه الهيمنة على حركة ونشاط الأحزاب الحاكمة وإقامة العلاقات الوطيدة معها وهذا ما حصل بعد الاحتلال الأمريكي وكان امتدادًا للعلاقات القائمة بين بعض قيادات الأحزاب وأجهزة النظام الإيراني في السنين التي سبقت عملية غزو واحتلال العراق.يمكن لك أخي القارئ الكريم أن تلاحظ مديات السيطرة الواضحة والتدخل الكبير للإيرانيين في تشكيلة أي وزارة تضم أحزاب السلطة واختيارالشخصيات القريبة من النظام وأجهزته الأمنية والاستخبارية مما أدى إلى تشكيل سياسي ميداني مؤثر عرف بـ ( الدولة العميقة ) استمد قوته وتأثيره من الدعم الذي يتلقاه من قيادات وشخصيات حزبية وسياسية ترتبط بتوجهات النظام الإيراني وتمكنت هذه الأدوات من توجيه وإدارة دفة المنظومة السياسية العراقية حسب أهوائها ومصالحها ومنظورها السياسي الذي يتوافق والطموح الاستراتيجي الإيراني في التحكم بمقدرات العراق تنفيذا للمشروع الإيراني التوسعي.كان إحدى الأدوات المهمة هو الشروع بإعداد وتشكيل الميليشيات المسلحة الولائية وتدريبها ودعمها عسكريا وماليا لتكون جزءا حيويا من منظومة أمنية وعسكرية تابعة للدولة العميقة ولتساهم في حماية خططها وسياستها وأفرادها في الداخل ولتشكل طرفًا رئيسيا في تحديد مفهوم الوضع الأمني في المدن والمحافظات العراقية، وأدت هذه الوقائع الميدانية إلى انتشار كبير لحركة المليشيات وسيطرة عناصرها على الأوضاع الداخلية وبسلاح متطور ومتقدم عن باقي الأجهزة الحكومية التنفيذية ، مما يشار إليه أن هذه المليشيات ترفض الارتباط والتوجيه من قبل وزارتي الدفاع والداخلية في حكومة بغداد وتعلن صراحة أنها تتلقى تعليماتها وتوجهاتها من مراجعها السياسية والأمنية في طهران مما شكل انفلاتا أمنيا ووضعا داخليا يصعب التعامل معه خوفا من أي مواجهات بين أجهزة الحكومة والمليشيات المسلحة الولائية بعد عدة تدخلات وتصرفات وسلوكيات من قبل عناصرها تمثل في عمليات الخطف والقتل والتغيب القسري والاغتيال السياسي مما أفقد حكومة بغداد القدرة على التعامل الدقيق والأمني الرصين في مواجهة هذه الأفعال والأعمال التي سببت إرهاقا وخوفا للمواطن العراقي وخرقا أمنيا داخليا.اكتسبت حركة المليشيات المسلحة واقعا اقتصاديا تمثل في إنشاء المكاتب الاقتصادية التابعة لها والتي تتمركز في مراكز المدن والمحافظات التي تهيمن عليها مستخدمة أسلوب الترهيب في التعامل مع الدوائر والمؤسسات الحكومية وسيطرتها على معظم المشاريع الخدمية وعمليات صرف الأموال المخصصة للبناء وتدخلاتها في التحكم بإحالة المشاريع للأفراد والشخصيات العاملة معها والاستفادة المالية من مردوداتها ضمن أطار المنافع الفئوية والمصالح الاقتصادية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الهيمنة على الواردات المالية واستخدامها في أعمالها وتوجهاتها وهيمنتها على المجتمع العراقي.تبقى حكومة بغداد عاجزة عن كيفية معالجة تدخلات وتحركات المليشيات المسلحة لأنها لا تمتلك أدوات المواجهة الحقيقية في الكشف عن شبكات الفساد الإداري والاقتصادي بسبب ضعف الأداء الحكومي وعدم وجود آليات لقيادة المجتمع العراقي والحفاظ على المال العام وإيجاد الحلول الجذرية لمواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والتفاعل الميداني مع الأحداث الأمنية التي تعصف بالمجتمع العراقي وفضح ارتباطات المليشيات والعصابات المسلحة والجهات الداعمة لها.تبقى المنظومة السياسية في العراق محاطة بالعديد من التأثيرات الخارجية والداخلية وتفتقد لرؤية ميدانية طموحة ودراسات منهجية وعلمية معمقة وخطط لقيادة المجتمع وإيجاد منظومة تنموية اجتماعية تساعد على إنعاش الحركة الاستثمارية المالية وتساهم في رفع المستوى الاقتصادي والمعاشي للمواطن العراقي وبناء أسس وركائز متينة لاقتصاد محلي يساهم في تأسيس تنمية اجتماعية وبرامج اقتصادية وأدوات فعالة تكافح شبكات الاستغلال والتهريب وتجارة المخدرات .