قضايا وآراء| زيارة الكاظمي الأوروبية .. رؤية في السراب
بقلم : إياد العنَّاز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
أصبح المشهد السياسي العراقي أكثر وضوحا وأعمق تفصيلا وأدق رؤية في العلاقة بين الأحزاب والكتل السياسية وأزاح الستار عن طبيعة المناكفات والصراعات الحزبية بين جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية وأكدتها صورة التحالفات الجديدة والحوارات المشتركة بين العديد من الشخصيات السياسية والمتنفذين في سدة الحكم وخاصة في مجال وصلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية وأصبح الأمر واضحا جليا لجميع المراقبين والباحثين في الشأن العراقي وطبيعة الأزمات التي يمر بها المجتمع العراقي وألقت بظلالها على كيفية ادارة السلطة وابعاد أخطائها وعدم قدرتها على ايجاد مخارج وأدوات لمعالجة جميع المعوقات التي تقف حائلا في حل الأزمات ومواجهة أبناء الشعب العراقي أمام العديد من التحديات المتمثلة بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأخرها جائحة كورونا التي اجتاحت العالم بأسره والعراق جزءا منها ولكن واقع الحال المأساوي الذي يعيشه هذا البلد يجعل من هذه الجائحة أزمة صحية كبيرة تضاف الى أزمات المجتمع العراقي بسبب التخبط في ادارة الحكومة وضعف الادارة في تسير الأمور الميدانية وانهيار أسعار النفط وقلة الواردات المالية وعدم تمكن حكومة بغداد من الايفاء ببرنامجها الحكومي الذي أعلنه الكاظمي في بداية تسنمه مهام رئاسة الوزراء في الشهر الخامس من شهر مايس 2020 وصعوبة ايجاد الحلول في عملية توزيع رواتب الموظفين واكمال المشاريع التنموية التي وعد بها وحل العديد من المشاكل المجتمعية وتحديدا موضوع عودة النازحين والاقتصاص من قتلة المتظاهرين وسيطرة الحكومة على المليشيات وأسلحتها وضبط الوضع الأمني في عموم البلاد مع العمل باتجاه معرفة الجهات التي قامت بعمليات القتل والاغتيال والاختطاف والتغيب القسري وملاحقة أصحاب الرأي والاعلاميين والناشطين السياسيين .سعت حكومة الكاظمي ممثلة برئيس وزرائها الى ايجاد قواعد مشتركة جديدة في العلاقات الخارجية لتتمكن من دعم واسناد تحركاتها في الداخل ولكي يكون لديها دافع سياسي تحققه في الانفتاح على العالم وتعويض الاخفاقات الداخلية وعدم وجود قواسم مشتركة في العمل المشترك بين جميع الأحزاب المشاركة في الحكم بسبب الاختلاف في وجهات النظر وتغليب المصالح الفئوية والمنفعة الشخصية والاهتمامات المالية على حساب حياة الشعب ومستقبل البلاد، وبعد الزيارة الاخيرة له الى الولايات المتحدة الأمريكية في أب من هذا العام جاءت الزيارة الأوربية التي شملت (فرنسا-المانيا-بريطانيا) في توجه سياسي معلن لمواجهة الضغوط الداخلية التي يعيشها الكاظمي ولكسب التأييد الدولي الأوربي في بعض التوجهات التي يقوم بها ومحاولة ايجاد قواعد ارتكاز ينطلق منها نحو تحسين الأداء الحكومي ودعم المقترحات والآراء والخطط والأوراق الاقتصادية التي قدمتها حكومته متناسيا أن هناك العديد من أوجه الخلاف الداخلي والمشاكل المستعصية التي لم يتمكن من مواجهتها الا عبر التصريحات واللقاءات والوعود التي لم يتمكن من تنفيذها على أرض الواقع ومعالجة الأوضاع الأمنية السائدة واستمرار المليشيات الولائية في هيمنتها وسيطرتها وتنفيذها للمشروع السياسي الإيراني بزعزعة الوضع الداخلي في العراق واستمرار مواجهتها ومعارضتها لتوجيهات الكاظمي وعدم تقيدها بأي تعليمات صادرة من وزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة الأركان واعتماد مراجعها السياسية والعسكرية في ايران لتنفيذ توجهاتهم وسياستهم نحو الداخل العراقي وتحقيق المصلحة الإيرانية. منها، وعدم تمكن الحكومة من بسط نفوذها في مواجهة الفساد وسرقة المال العام وتبيض الأموال وتهريبها وتفعيل قرارات المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الصادر في 31 كانون الأول 2018 وإحالة الفاسدين والمفسدين للمحاكم وتطبيق العدالة الاجتماعية بحقهم واعادة أموال الشعب العراقي من السراق والمعتدين على المال العام والاكتفاء بمواجهتهم باتباع أسلوب السياسة الناعمة التي لا تتعدى إحالة الملفات لهيئة النزاهة في مجلس النواب وتشكيل لجان تحقيقية دون الإفصاح عن كيفية عملها والأدوات المستخدمة فيها والشخوص المكلفة باستدعائهم رغم ما يعلن في وسائل الاعلام والقرارات الصادرة من مجلس الوزراء بمنح كافة الصلاحيات لهذه اللجان المشكلة ودعوتها لتنفيذ الأوامر الصادرة اليها ، لكن تبقى الأدوات الفعالة في الدولة العميقة هي المهيمنة والمسيطرة والتي تتحكم بإدارة البلاد ومجريات الأوضاع السائدة بسياسة العراق وبدعم واسناد وكلائها وأدواتها وشخوصها ومنع الأجهزة الأمنية والقضائية من القيام بواجباتها في القاء القبض والمباشرة بالتحقيق مع هؤلاء الفاسدين والسراق.سعى الكاظمي من هذه الزيارة الأوربية الى تحقيق عدة أهداف منها سياسية ومحاولة ايجاد الدعم والاسناد لحكومته وتأييد الخطوات الاقتصادية التي يقوم بها وأخرها الورقة البيضاء التي لم يتفق عليها الفرقاء السياسيون ولم تناقش لحد الان في مجلس النواب ومحاولة اقناع الأوربيين بسعيه لإيجاد قاعدة من التفاهمات السياسية بين جميع الاحزاب والعمل على السعي لانتخابات مبكرة ودعم وإسناد التظاهرات الشعبية واحترام الرأي الأخر والحفاظ على حقوق الانسان والاستماع إلى أراء ومقترحات ثوار تشرين واعطاء صورة حضارية في مواجهة ثورة الشعب في حين أن الأحداث الأخيرة التي جرت يوم 25 تشرين ثاني 2020 في الذكرى الأولى لثورة تشرين المجيدة أكدت أن الأساليب التي أتبعت في مواجهة الشباب المنتفض لا زالت مستمرة والتدخلات من قبل العناصر المليشياوية أصابت العديد من شباب الثورة ولم تتمكن الحكومة من معالجة الأسباب. الحقيقية وراء هذه الأحداث وأكتفت بالإعلان عن أن هناك أطراف أخرى تحاول التدخل والإساءة للمتظاهرين والأجهزة الأمنية المكلفة بحمايتهم .جاءت نتائج الزيارة التي أكد فيها المسؤولون الأوربيون على ضرورة قيام الكاظمي باتخاذ الاجراءات الرادعة لمواجهة المليشيات الولائية والحد من أفعالها وإعادة هيبة السلطة وتحقيق الأمن المجتمعي للمواطن العراقي ورفع مستوى الحفاظ على الأوضاع الأمنية في البلاد لكي تتمكن هذه الدول من الدفع باتجاه إيجاد قنوات اقتصادية مهمة في مجالات الاستثمار المالي وتشجيع الشركات الأوربية للعمل في العراق والمساهمة بتنفيذ المشاريع التنموية بعد الاقرار بتعزيز فعالية الاجهزة الأمنية ومنع اي جهات مليشياوية من التأثير على السياسة الأمنية داخل البلاد ولإسناد الكاظمي ودعمه في طلبه برفع اسم العراق من اللائحة العالمية لجرائم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب التي أقرت في شهر مايس 2020 وانتظار الدول الاوربية لنتائج الاصلاحات التي وعد بها الكاظمي لكي تتمكن من اسعاف طلبه مع تأكيد الدول التي زارها على ضرورة منع أي دور للمليشيات المسلحة وسحب السلاح منها ومواجهتها وافشال توجهاتها باستهداف مقرات السفارات في المنطقة الخضراء أو معسكرات قوات التحالف الدولي والدفع باتجاه الاقتصاص من الفاسدين ورفع مستوى الأداء الحكومي في مواجهة عمليات الفساد الاقتصادي وهدر الأموال وتنفيذ اللوائح القضائية بشأن متابعة والقاء القبض على الشخصيات الفاسدة والمدعومة من الطبقة السياسية الحاكمة من الأحزاب الداعمة لهم حتى تتمكن العواصم الأوربية التي زارها من تقديم المساعدات والمساهمات المالية التي تساعد حكومة الكاظمي من مواجهة المصاعب الاقتصادية والتغلب عليها .أتت الزيارة بالعديد من الاتفاقيات التي توزعت بين دعم سياسي واقتصادي أراده الكاظمي من الحكومة البريطانية وتنفيذ لمشاريعه وتطوير الشبكات الكهربائية من قبل الشركات الألمانية وتوقيع اتفاقيات مشتركة مع الحكومة الألمانية ومساندة فرنسية في تنفيذ مشاريع خاصة في مجالات النقل والزراعة والتعليم والتأكيد على الرؤية السياسية التي أتى بها ماكرون الرئيس الفرنسي أثناء زيارته لبغداد منتصف شهر أيلول الماضي ، ورغم جميع هذه الاجراءات والاتفاقيات والحوارات ولكن يبقى الدور الأوروبي والتوجه الحكومي لهذه الدول بضرورة استعادة حكومة الكاظمي مكانها وكبح جماح دور المليشيات الولائية واستعادة الوضع الأمني بشكل كامل مع مواجهة صور وحالات الفساد التام الذي أصبح ملمحا من ملامح الحياة السياسية في البلاد، وأمام هذا التوجه الأوروبي فعلى الكاظمي أن يعمل بشكل جدي لما أتفق عليه في العواصم الأوربية الثلاث التي زارها ويفصح عن أمكانياته في مواجهة وحل جميع هذه الأزمات والإشكالات التي تحيط بالداخل العراقي لكي يستفيد من الدعم الذي وعد به من قبل الأوربيين ، هل يتمكن الكاظمي من الايفاء بوعوده التي قدمها في العواصم الثلاث ( باريس-برلين _لندن) أم سيكون هناك تحولات سياسة ومواجهات قادمة يشهدها الشارع السياسي العراقي ؟.